أسوأ أنواع الغربة، تلك التي تكون داخل النفس، فهي لا تكون سفراً بحثاً عن فرصة، وإنما سجن اختاره صاحبه، يكون فيه سجان نفسه، وجلاد ذاته، إعلان ابتعاد عن المجتمع، وبيان من المغترب بأنه يرفض أهم صفات الإنسان، أي أن يكون فرداً يعيش في إطار مجتمع، تنازل صريح عن الإنسانية إلى الانعزال.
لكن البشر لا يهربون إلى كهوف ذواتهم من تلقاء أنفسهم غالباً، لقد اختاروا العقوبة، لكنهم دفعوا إلى القرار، ويكون السبب هو المجتمع الذي ينتمون إليه، بعيوبه ونواقصه، وتلك واحدة من القضايا التي يثيرها فيلم «آسف للإزعاج»، بطولة أحمد حلمي، الذي تناولته بالتحليل أمس، والمناسبة هي بدء عرضه في صالات السينما.
إن المصري يغترب بأشكال مختلفة، منذ زمن بعيد، وكانت الأجيال السابقة تقول انها تبحث عن أبواب الرزق، لكن الأجيال الجديدة تضيف إلى الرزق أنها تبحث عن الفرصة، ليست أي فرصة، بل واحدة من النوع الذي يفتح الآفاق على مصراعيها، وإلا لماذا يمكن أن يدفع الشاب ما لا يقل عن 25 ألف جنيه، أي ما يقترب من 5 آلاف دولار، لكي يتهرب عن طريق عصابات المافيا إلى إحدى الدول الأوروبية، إذا كان هذا المبلغ كافياً لكي يقيم مشروعاً صغيراً في بلده.
هذه أحد أشكال الاغتراب «الفيزيقي»، بالجسد وخارج المكان. لكن فيلم حلمي يتناول اغتراباً معنوياً، داخل الجسد، داخل المكان، موجود وليس موجوداً، نهج ضد المشاركة التي يتحدث عنها الجميع في مصر، ويطالب بها، حتى لو كان بطل الفيلم مريضاً نفسياً، فبعض الأمراض النفسية يكون سببها لا علاقة له بالشخص ذاته، بقدر ما له علاقة بالضغوط المحيطة، لا سيما إذا كان مقتنعاً بأن إمكاناته لا تجد منظومة تستوعبها.
حين كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك يستعد لمغادرة موقعه، فيما يتجه ساركوزي إلى كرسي الرئاسة الفرنسية، قرأت تحقيقاً مطولاً في «مجلة نيوزويك» يقول إن فرنسا أصبحت دولة طاردة لأبنائها، كثيرون منهم يغادرون إلى بريطانيا والولايات المتحدة واليابان، بحثاً عن فرص أفضل، وقوانين عمل أيسر.
ولما جاء ساركوزي، وثارت مع إصلاحاته، مشكلات عدم الإحساس بالأمان الوظيفي، تنوعت التقارير الغربية الراصدة لهذه الظاهرة، وقرأت في «الفاينانشيال تايمز»، في أبريل الماضي، تقريراً مشابهاً، ووجدت اقتباسات على لسان فرنسيين يقولون إنهم غير متأكدين من أنهم يمكن أن يعودوا إلى فرنسا مرة أخرى.
والمعنى، أن المشكلة لا تقتصر على بلد مثل مصر، بل ان الاغتراب داخل الذات مشكلة معروفة في العالم الغربي، وعبرت عنها دراسات، وأفلام، وإبداعات مختلفة، وربما تكون أحد عيوب المجتمع المتسارع الحديث، الذي يمارس ضغوطاً شرسة على الأفراد ولا ينتبه لهم.
المشكلة التي يعانيها الجيل الجديد في مصر، هو أن قطاعاً منه يغترب، داخل ذاته وخارجها، ليس بسبب ضغوط ما يمكن أن نسميه المجتمع العصري، ولكن لأنه يعيش سلبيات فترة التحول الطويلة، من عصر الدولة الراعية، التي تقوم بكل شيء، إلى عصر الدولة التي تقول له ان عليه ألا ينتظر منها ما كانت تقدمه له، كانت توظفه أياً ما كانت قدرته، وتعطيه راتباً، الآن عليه أن يبحث عن عمل في سوق صعبة، وأن يتدرب، وأن يكتسب مهارات لكي يترقى، وأن يخوض تنافساً شرساً.
وما يزيد من أعبائه ومعاناته، وأن عليه أن يحتمل ما يراه من حوله، سيارات فارهة، وعقارات أسطورية، ومنتجعات خيالية، وطموحات وأماني تداعبها إعلانات شرسة، فيما الشاب لا يقوى على ان يلبي كل ذلك.
وربما يكون هذا الجيل قد قَبِل الأوضاع الجديدة، لكن المشكلة أنه لا يجد الظروف المواتية التي تسمح له أن يعبر عن إمكاناته، وقدراته، وأن يخرج ما في داخله من طاقة، لسبب بسيط جداً، وهو أن البيروقراطية التي تدير المجتمع، لا تزال تعمل وفق قيود الستينات، وقد تُجهض المواهب، وقد تعوق القدرات، وقد لا تتيح تنافسية عادلة.
لقد كانت أحد أسباب اختيار «حسن»، بطل الفيلم، لقرار الذهاب إلى عالم الانفصام «مرض الشيزوفرنيا»، أنه كان قد أبدع فكرة براقة، لم تجد منظومة يمكن أن تستوعبها، ومن ثَم سجن نفسه في ذاته، قبل أن تجد النهاية السعيدة حلاً، فأفرج عن السجين.
عبدالله كمال
رئيس تحرير «روزاليوسف» ومستشار «الراي» بالقاهرة، وهذا المقال ينشر بالتزامن مع «روزاليوسف» القاهرية اليومية