مشهد / حين يبوح القلم

| u062f. u0632u064au0627u062f u0627u0644u0648u0647u0631 |
| د. زياد الوهر |
تصغير
تكبير
اشتهر العرب أكثر ما اشتهروا طوال تاريخهم الأدبي والثقافي العريق بالشعر والأدب الذي لطالما كان يُبرز شجاعة المقاتل العربي في المعارك وبأسه ضد الأعداء، وكان الفخر والاعتزاز بالانتماء لهذه القبيلة أو تلك أحد أهم ملامح نتاجهم الشعري. الحب والغزل العذري كان له نصيب كبير أيضا بدءا من المعلقات في العصر الجاهلي وحتى تاريخنا المعاصر، فامتلأت مكتباتنا العربية بآلاف الدواوين الشعرية، فمنها ما اشتهر، ومنها ما بقي طي الكتب لا يعرفه إلا المهتمون من الأدباء والشعراء.

ويبدو أننا كأمة قد ورثنا هذه القدرات الإبداعية، فتجد أن شعراء الغناء المعاصر لم يتركوا كلمة في العشق والغرام إلا وأقحموها في أغاني الفنانين والفنانات، حتى بات أطفال وشباب هذا الجيل يعرفون كل كلمات الغزل العفيف وغير العفيف قاطبة. ولقد جاء في المثل الشعبي الدارج «القلب وما يهوى» ليكون مرآة صادقة لما بات يعرف بحالة العشق العربي المستمرة منذ الأزل على ما يبدو.

ولكني أرثي لحال القلم الذي لم يتناوله الأدب العربي بنفس القدر والاهتمام الذي أعطاه للقلب ومغامراته، حتى وإن ذُكر القلم فلأنه أداة سُخّرت لخدمة شعر العشق والغرام، أو لتعظيم الحاكم وتبجيله أو حتى لتسجيل موقف سياسي يوافق هوى من يدفع أكثر، فأصبح القلم كالعبيد تباع كلماته وتُشترى ذمم أصحابه في سوق النخاسة وعلى أرصفة النفاق السياسي.

ومنذ بدأت الكتابة وأنا شاب يافع شعرت بأن لقلمي جاذبية تفتقدها الكثير من الأدوات الحديثة ومنها الحواسيب والأجهزة الذكية. فهو يدنو مني أحيانا ويهجرني أحيانا أخرى، وبين هذا وذاك أزداد لهفة وشوقا للقائه، وضمّه، وتبادل أحاديث الهوى معه، حتى أمسيت أسيرا لرغباته يُقلبني كيفما يشاء ووقتما يشاء.

لقلمي سحر وجاذبية يشعر فيها خافقي وينقبض شوقا ولهفة، وقد وجدت نفسي في كثير من الأحيان أندفع نحو كتابة موضوع ما، فأجده وفي منتصف الطريق قد دفعني للخروج عن الموضوع، والذهاب في اتجاه آخر تماما. ولا أخفيكم سرا أن هذا التغيير كثيرا ما جعلني سعيدا وراضيا عما كتبت بإرادة من قلمي المحترم. ذلك أن تلك المقالات قد كُتبت بروح جميلة وتجربة عريقة لقلمي الذي لا يرضى بالنقيصة، أو أن تكون المقالات دون المستوى الذي يرتضيه.

قصتي مع قلمي طويلة تمتد في الماضي لسنوات طويلة حاولت خلالها أن أطوّعه لخدمتي فرضخ كثيرا، والتزم الصمت لسنوات وتحت مبررات انشغالي بدراستي الجامعية، أو في البحث عن عمل، ثم اختيار شريكة حياتي، ثم الدخول في دوامة انجاب الأولاد، ثم تربيتهم وتنشأتهم، ثم ثم ثم...

وكاد العمر يمضي والقلم في إجازة؛ حتى جاءه يوم منذ مدة قريبة أفاق من غيبوبته الطويلة ليستعيد عافيته، فيلوي ذراعي، ويثني أصابعي، ويحث عقلي، ويولد فيّ الشعور للبذل والعطاء. فانفلت من عقاله، وانطلق بي كالفارس الهُمام على صهوة جواده في البراري والسهول، فأعانني على استرجاع عافية الكتابة والحنين للعطاء كسابق عهدي معه. غمرني هذا الإحساس بالكثير من السعادة والثقة بالنفس ولكنه نبهني أيضا إلى ضرورة لجم هذا الجواد خشية أن يتجاوز الخطوط الحمراء الكثيرة في الوطن العربي.

وقد أعجبني الكاتب حسين الراوي في كتابه المتميز (مزاج القراءة) عندما قال إن «الأقلام كالخيول، منها الأقلام الأصيلة في مبادئها ونهجها وفكرها، ومنها ما هو دون ذلك حيث المبادئ الرخيصة والنهج الأعوج والفكر السخيف». وتابع الكاتب في مكان آخر قائلا: «استفدت منه كثيرا كيف أذود عن الوطن برصاص الحبر، وكيف أُقلق لصوص الوطن بِسِن القلم، وألا أخشى على قلمي إلا من خيانتي له».

صحيح أن خير جليس في الزمان كتابُ، ولكني أقول إن القلم صديق صادق صدوق في السراء والضراء، فهو لا يخيب ظني به. تراه يشاركني أفراحي وأحزاني ويشاطرني همومي وأتراحي. يخُطّ على الورق ما يعجز لساني أحيانا عن نطقه.

قد يكون القلم سلاحا ذا حدّين، وقد يكون وسيلة للتعبير وكتابة تاريخ الشعوب وتراثها الإنساني والأدبي، ولكنه عندي حالة من العشق الدائم، بل هو الحب العذري في أسمى صوره، لقد وجدت في قلمي السكينة والهدوء أحيانا، والتوتر والقلق أحيانا أخرى.

أنا سعيد بك يا قلمي، وسأكون أسعد حتما لو استطعت مجاراتي فيما أرغب في تجسيده مقالا كان أوشعرا، مدحا كان أو ذما، سياسة كان أو اقتصادا. أنا سعيد لأنك لم تخيّب رجائي فيك، نعم قد تكون غيبوبتك طالت كثيرا، ولكن لا بأس فبعد طول الغياب تشتعل الاشواق وتُشحذ الهمم، ويزدهر الابداع، ويكثر العطاء بوفرةٍ ما كانت لتكون لولا أنك استعدت أمجادك السابقة... فأهلا بعودتك أيها الحبيب الغالي.

خواطر قلم مُرْهَق:

قال كيف تكتب ما لا تؤمن به؟ قلت ويحك من جاهل فهل هنالك من عاقل يكتب الحقيقة؟

قال هل لديك مقال جديد؟ قلت نعم وأسميته (قلة الأدب في كتب الأدب).

إذا الحروف كتبت من القلب سيصل تأثيرها للقلب، وإذا كتبت بلا مشاعر ستكون حبرا على ورق.

الكتابة ماتت عندما أصبحت مهنة.

هي الكتابة وهو القلم وبينهما تفاهم لا يدرك كنهه إلا الكاتب.

أنا أكتب لي وحدي بعض الأحيان.. لا بأس في ذلك.

كَتَبتُها كلمات متقاطعة لا يفهمها سواي.

حين يبكي القلم حزنا... تتجمد الدموع في المآقي.

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي