قصة قصيرة / خاتمة السعادة
إنه آذان العصر... قالها أحمد مبتهجا... فقد كان يتمنى أن يصل إلى بيته في وضح النهار وهاهو يدنو شيئا فشيئا منه، أما أبو عبدو سائق السيارة الوحيدة في القرية الناقم المهذار فتمتم بامتعاض: الله أكبر عليهم هذا الطريق أقطعه من المدينة لقريتنا بنصف ساعة والآن قضينا ساعتين دون أن نصل بسبب الأوغاد وانهال يكيل الشتائم على الطرفين اللذين حولا حياتهم إلى جحيم.
ضدان من الرفقاء تجمعهم هذه السيارة المتهالكة التي ناهزت عمر صاحبها فأحمد يتوق شوقا للوصول وعيناه تتسعان كلما اقترب ودقات قلبه الملتاع يعلو هديرها وهو الغائب عن أهله وقريته منذ سنتين ونصف وقد بلغ به الشوق مبلغه لرؤية ابنته فرح التي تركها صغيرة لا تكاد تتلو ألفاظها الطفوليه العذبة، رغم أنه يراها كل يوم مرات عدة ويكلمها وتكلمه وكذلك صغيره علي الذي بُشر به بعد سفره وهاهو يبلغ من العمر سنة وسبعة أشهر وشوقه يلفح جدار قلبه لرؤية وجه والدته الذي يفيض طيبة وحنانا وسماع دعائها له بالتوفيق كل دقيقة... ولوعاته تجلد شوقه لزوجته جميلة التي اختارها قلبه وملكت عليه كل جوارحه.
ويتعاظم الشوق في قلبه لبيته الصغير وللياسمين على كتف النافورة المتوسطة باحة البيت، ولـ«عريشة» العنب التي زرعها قبل سفره وقالوا بأنها علت سطح الدار.
والفخر يلازمه دائما بجيرانه في القرية الذين اتخذوا من الطيبة والنخوة مسلكا لهم، ولا ينسى مسجد القرية الذي يجثو يمين بيته وعلى يساره المدرسة التي امتلأت حسب قول أبي عبدو باللاجئين نتيجة ظروف الحرب التي ألمت بوطنه وكثيرا ما يتذكر ابنته فرح وهو يتخيلها قد شبكت يدها بيد أخيها وهما ذاهبان صباحا إليها..
ولا يطفئ توهج أشواقه إلا أبو عبدو الذي أخبره بكل تفاصيل الحياة منذ سفره إلى حين عودته وتعتري كلامه لازمة الشتائم المتولدة من نقمته
مترحما على الضحايا الذين قتلوا بلا سبب وعلى الحرب التي فرضت عليهم وعلى الدول والأفراد، وعلى الحكومات بل حتى على الإنسانية المزعومة التي خلت من مسماها في أحايين كثيرة.
تجرع أحمد نوبة زفير ثم بدأ ينفثها ببطء شديد... وأخرج هاتفه النقال واستأذن أبا عبدو ليتصل ببيته وهو يدخل القرية من الجنوب، وهي فرصة للتخلص من تأفف أبي عبدو الذي لا ينقطع... وكالعادة ردت عليه فرح التي كانت تسابق الجميع للرد على الهاتف وتعتبر الهاتف ملكها وحدها، فلا تفوتها شاردة ولا واردة وتعطي الأوامر للجميع فهي المدللة وهي ريحانة المنزل، وفي كل مرة يتصل بأهله تكون قد أعدت تقريرا عن أخبار جدتها وأمها وأخيها ثم تنهي مداخلتها بقائمة من الطلبات التي لا تنتهي وأولها عروس جميلة ثيابها وردية وخدودها وردية وحذاؤها احمر تغني وترقص، وتختتم طلباتها بقولها احضر لي كل شيء جميل فتكون إجابة والدها: اشتريتها وهي في الحقيبة وها هو الان عاد من سفره وبمجرد أن قال ألو ردت فرح: أهلا يا بابا أنا الآن ألبس ثوب العرس الأبيض وقد سرحت أمي شعري وزينته بالورد... وجدتي ما تزال تصلي شكرا على قدومك سالما منذ الظهر.
أما أمي فقد استيقظت صباحا ونظفت البيت، وكأن عرسا عندنا وأعد ت الكثير من الأطعمة الشهية والحلويات... وعلي يقف بعربته الدائرية التي تمنعه من السقوط على باب البيت ولولا عتبتها لانزلق للشارع وأنا تركته بعد سماعي لرنين الهاتف وتركت الباب مفتوحا و... ثم شهقت أين أنت الآن ؟! فسيارة أبي عبدو وصلت وأنت لست فيها.
وكان أحمد قد فضّل السير على قدميه قبل أمتار من باب الدار حاملا بيده عروسة التي وعدها بها، وهي تقف عند باب الدار تحمل معها هاتف البيت اللاسلكي واقتربت من الباب المفتوح الذي يتوسطه علي إبان مشاهدة سيارة أبي عبدو مارة، وحانت منها التفاتة وهي تكلمه ولم ينبس ببنت شفه إلى الآن فقط قال ألو...
رأت والدها يقترب من الباب فصرخت بابا،وقد ألقت الهاتف أرضا بلا شعور مندفعة كطائر لتتعلق بعنقه.
وعلى وقع صوتها... اندفعت أمها فرحة إلى الباب وقد لبست أجمل ثيابها وأضفت من ألوان التبرج على خديها ورسمت بالكحل أفق عينيها الواسعتين لتبدو كعروس باسمة، ووقفت خلف الباب الموارب تكاد دقات قلبها تفضحها وهي تضع يدها على صدرها خشية تصدعه وتسترق النظر مرة تلو أخرى خجلا من أبي عبدو الذي انشغل بإنزال الحقائب مُحمِّدا الله على سلامة أحمد، وفي داخلها رغبة جامحة بالتعلق بعنق زوجها كما فعلت فرح... وتسابيح أم أحمد ارتبكت وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة وهي تعاجل إنهاء صلاتها التي لم تعد تتذكر في أي ركعة هي.
موج من الفرح عم دارهم... وسحائب السعادة تمطرهم ببهجة، وعلامات البشر تعتلي محياهم، ونبضات قلوبهم كأنها فرقة عسكرية أضاعت رتم عزفها طفرت دموع أحمد وهو يمطر فرح بوابل من القبلات قبلات متتالية على وجنتيها وعنقها ويشم شعرها المنساب كجدول ذهب على كتفيها وكأنها دمية، وهي لا تزال تكلمه بكلمات مسترسلة لم يفهم منها إلا بابا ومن خلال خصلات الشعر استرق نظرة إلى ابنه الذي ملأ مدخل البيت ضجة بقدميه المتقافزتين على البلاط وكأن تحتهما أتون حار وخبطات يديه على عربته وصراخه المحمود، وقد استشعر السعادة.. فيتوقف برهة يحملق في هذا الشيء الذي احتضن فرح يقبلها وبين أمه الواقفة خلف الباب تمد عنقها فوقه لاهية عنه على غير عادتها ثم يعاود الضجيج من جديد.
علا صوت الأذان مناديا لقيام الصلاة وامتلأت الدنيا ضجيجا لصوت طائرة أبت إلا أن تكون خاتمة السعادة على هذه القرية، ليسجد بيت أم أحمد على ساكنيه بعد أن قصف بصاروخ غادر ضل اتجاهه عن مدرسة اللاجئين.
فما زالت أم أحمد المنكبة على صلاتها حامدة شاكرة تنتظر رؤية قرة العين، وما زالت زوج أحمد الذي طفق عبير عطرها يملأ أرجاء البيت تنتظر لتطفئ لهيب أشواقها باحتضان حبيبها، وما زال علي يملأ الدنيا ضجيجا ومابرحت فرح شابكة يديها حول عنق أبيها فقد أبى هذا الصاروخ الوقوع إلا ببيت أم أحمد مثوى له ليجمع أركانه وسقفه على ساكنيه ليحلقوا في فضاء الملكوت على أجنحة الملائكة تباعا ولتفتح السموات أبوابها لتسابيح أم أحمد، وتزف جميلة كعذراء إلى علياء السماوات، أما علي فقد حرر من قيده الذي امتلك حريته ليبدله الله جناحين من نور يطير بهما مغردا حول فرح وأبيهما.
وما زالت فرح تكلم أباها ببوح من السعادة الأبدية، وهي ترتل آيات الفرح والغبطة تسمو مع والدها صعودا للسماء شابكة ذراعيها على عنقه، وهو يحتضنها بحبو ولهفة على صدى أذان المسجد ملبيا... لبيك اللهم لبيك... إن الحمد والنعمة لك والملك لبيك لا شريك لك ليبنوا في جنان الخلد بيتا تجهله الطائرات والطغاة .
ضدان من الرفقاء تجمعهم هذه السيارة المتهالكة التي ناهزت عمر صاحبها فأحمد يتوق شوقا للوصول وعيناه تتسعان كلما اقترب ودقات قلبه الملتاع يعلو هديرها وهو الغائب عن أهله وقريته منذ سنتين ونصف وقد بلغ به الشوق مبلغه لرؤية ابنته فرح التي تركها صغيرة لا تكاد تتلو ألفاظها الطفوليه العذبة، رغم أنه يراها كل يوم مرات عدة ويكلمها وتكلمه وكذلك صغيره علي الذي بُشر به بعد سفره وهاهو يبلغ من العمر سنة وسبعة أشهر وشوقه يلفح جدار قلبه لرؤية وجه والدته الذي يفيض طيبة وحنانا وسماع دعائها له بالتوفيق كل دقيقة... ولوعاته تجلد شوقه لزوجته جميلة التي اختارها قلبه وملكت عليه كل جوارحه.
ويتعاظم الشوق في قلبه لبيته الصغير وللياسمين على كتف النافورة المتوسطة باحة البيت، ولـ«عريشة» العنب التي زرعها قبل سفره وقالوا بأنها علت سطح الدار.
والفخر يلازمه دائما بجيرانه في القرية الذين اتخذوا من الطيبة والنخوة مسلكا لهم، ولا ينسى مسجد القرية الذي يجثو يمين بيته وعلى يساره المدرسة التي امتلأت حسب قول أبي عبدو باللاجئين نتيجة ظروف الحرب التي ألمت بوطنه وكثيرا ما يتذكر ابنته فرح وهو يتخيلها قد شبكت يدها بيد أخيها وهما ذاهبان صباحا إليها..
ولا يطفئ توهج أشواقه إلا أبو عبدو الذي أخبره بكل تفاصيل الحياة منذ سفره إلى حين عودته وتعتري كلامه لازمة الشتائم المتولدة من نقمته
مترحما على الضحايا الذين قتلوا بلا سبب وعلى الحرب التي فرضت عليهم وعلى الدول والأفراد، وعلى الحكومات بل حتى على الإنسانية المزعومة التي خلت من مسماها في أحايين كثيرة.
تجرع أحمد نوبة زفير ثم بدأ ينفثها ببطء شديد... وأخرج هاتفه النقال واستأذن أبا عبدو ليتصل ببيته وهو يدخل القرية من الجنوب، وهي فرصة للتخلص من تأفف أبي عبدو الذي لا ينقطع... وكالعادة ردت عليه فرح التي كانت تسابق الجميع للرد على الهاتف وتعتبر الهاتف ملكها وحدها، فلا تفوتها شاردة ولا واردة وتعطي الأوامر للجميع فهي المدللة وهي ريحانة المنزل، وفي كل مرة يتصل بأهله تكون قد أعدت تقريرا عن أخبار جدتها وأمها وأخيها ثم تنهي مداخلتها بقائمة من الطلبات التي لا تنتهي وأولها عروس جميلة ثيابها وردية وخدودها وردية وحذاؤها احمر تغني وترقص، وتختتم طلباتها بقولها احضر لي كل شيء جميل فتكون إجابة والدها: اشتريتها وهي في الحقيبة وها هو الان عاد من سفره وبمجرد أن قال ألو ردت فرح: أهلا يا بابا أنا الآن ألبس ثوب العرس الأبيض وقد سرحت أمي شعري وزينته بالورد... وجدتي ما تزال تصلي شكرا على قدومك سالما منذ الظهر.
أما أمي فقد استيقظت صباحا ونظفت البيت، وكأن عرسا عندنا وأعد ت الكثير من الأطعمة الشهية والحلويات... وعلي يقف بعربته الدائرية التي تمنعه من السقوط على باب البيت ولولا عتبتها لانزلق للشارع وأنا تركته بعد سماعي لرنين الهاتف وتركت الباب مفتوحا و... ثم شهقت أين أنت الآن ؟! فسيارة أبي عبدو وصلت وأنت لست فيها.
وكان أحمد قد فضّل السير على قدميه قبل أمتار من باب الدار حاملا بيده عروسة التي وعدها بها، وهي تقف عند باب الدار تحمل معها هاتف البيت اللاسلكي واقتربت من الباب المفتوح الذي يتوسطه علي إبان مشاهدة سيارة أبي عبدو مارة، وحانت منها التفاتة وهي تكلمه ولم ينبس ببنت شفه إلى الآن فقط قال ألو...
رأت والدها يقترب من الباب فصرخت بابا،وقد ألقت الهاتف أرضا بلا شعور مندفعة كطائر لتتعلق بعنقه.
وعلى وقع صوتها... اندفعت أمها فرحة إلى الباب وقد لبست أجمل ثيابها وأضفت من ألوان التبرج على خديها ورسمت بالكحل أفق عينيها الواسعتين لتبدو كعروس باسمة، ووقفت خلف الباب الموارب تكاد دقات قلبها تفضحها وهي تضع يدها على صدرها خشية تصدعه وتسترق النظر مرة تلو أخرى خجلا من أبي عبدو الذي انشغل بإنزال الحقائب مُحمِّدا الله على سلامة أحمد، وفي داخلها رغبة جامحة بالتعلق بعنق زوجها كما فعلت فرح... وتسابيح أم أحمد ارتبكت وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة وهي تعاجل إنهاء صلاتها التي لم تعد تتذكر في أي ركعة هي.
موج من الفرح عم دارهم... وسحائب السعادة تمطرهم ببهجة، وعلامات البشر تعتلي محياهم، ونبضات قلوبهم كأنها فرقة عسكرية أضاعت رتم عزفها طفرت دموع أحمد وهو يمطر فرح بوابل من القبلات قبلات متتالية على وجنتيها وعنقها ويشم شعرها المنساب كجدول ذهب على كتفيها وكأنها دمية، وهي لا تزال تكلمه بكلمات مسترسلة لم يفهم منها إلا بابا ومن خلال خصلات الشعر استرق نظرة إلى ابنه الذي ملأ مدخل البيت ضجة بقدميه المتقافزتين على البلاط وكأن تحتهما أتون حار وخبطات يديه على عربته وصراخه المحمود، وقد استشعر السعادة.. فيتوقف برهة يحملق في هذا الشيء الذي احتضن فرح يقبلها وبين أمه الواقفة خلف الباب تمد عنقها فوقه لاهية عنه على غير عادتها ثم يعاود الضجيج من جديد.
علا صوت الأذان مناديا لقيام الصلاة وامتلأت الدنيا ضجيجا لصوت طائرة أبت إلا أن تكون خاتمة السعادة على هذه القرية، ليسجد بيت أم أحمد على ساكنيه بعد أن قصف بصاروخ غادر ضل اتجاهه عن مدرسة اللاجئين.
فما زالت أم أحمد المنكبة على صلاتها حامدة شاكرة تنتظر رؤية قرة العين، وما زالت زوج أحمد الذي طفق عبير عطرها يملأ أرجاء البيت تنتظر لتطفئ لهيب أشواقها باحتضان حبيبها، وما زال علي يملأ الدنيا ضجيجا ومابرحت فرح شابكة يديها حول عنق أبيها فقد أبى هذا الصاروخ الوقوع إلا ببيت أم أحمد مثوى له ليجمع أركانه وسقفه على ساكنيه ليحلقوا في فضاء الملكوت على أجنحة الملائكة تباعا ولتفتح السموات أبوابها لتسابيح أم أحمد، وتزف جميلة كعذراء إلى علياء السماوات، أما علي فقد حرر من قيده الذي امتلك حريته ليبدله الله جناحين من نور يطير بهما مغردا حول فرح وأبيهما.
وما زالت فرح تكلم أباها ببوح من السعادة الأبدية، وهي ترتل آيات الفرح والغبطة تسمو مع والدها صعودا للسماء شابكة ذراعيها على عنقه، وهو يحتضنها بحبو ولهفة على صدى أذان المسجد ملبيا... لبيك اللهم لبيك... إن الحمد والنعمة لك والملك لبيك لا شريك لك ليبنوا في جنان الخلد بيتا تجهله الطائرات والطغاة .