بدعوة كريمة من الاستاذ الاديب طلال الرميضي أمين عام رابطة الادباء الكويتيين حضرت الامسية الرائعة التي كانت تحت عنوان «الانسان والخليج في شعر غازي القصيبي» وقد حاضر فيها الاستاذ الاديب حمد بن عبدالله القاضي عضو مجلس الشورى السعودي الذي ابدع في قراءته في جوانب الراحل د. غازي القصيبي الانسانية وكيف كان هذا الانسان الطيب وزيراً وسفيراً وأديباً واقتصادياً وسياسياً إلى آخر صفاته المتعددة، ورغم كل مسؤولياته وارتباطاته الرسمية الا ان الراحل القصيبي لم تشغله الروابط والمشاعر الانسانية مع الآخرين فكان من خيرة البشر، عرفه الناس انسانا رحيما متواضعا، تفيض دمعته وتسهر مقلته فيسخّر الكثير من جاهه ووقته في سبيل مساعدة ومؤازرة اليتامى والمساكين والمحتاجين بل حتى المعاقين، فكان له الفضل بتأسيس جمعية خاصة لاطفال ذوي القدرات الخاصة (المعاقين) بمساعدة مجموعة من الاخيار حتى اصبحت هذه الجمعية صرحاً انسانياً بدأت نشأتها في الرياض وامتدت فروعها في انحاء المملكة، وكان الاستاذ حمد القاضي أحد اصدقائه المقربين الذي عرف انسانيته واحساسه المرهف عن قرب، ولذلك فضّل ان تكون قصة حياته مدوّنة في كتاب محفوظ قبل اي شيء آخر، فاختار هوّيته باسم «غازي القصيبي الانسان» ولم يبحث عن اي منصب آخر، وفي كتابه احتار القاضي عما يدونه في مواقفه الانسانية التي تتحدث عنها الناس، وكما قال في محاضرته: لقد تساءلت في نفسي عما اذ أكتب وماذا ادعو؟! فبعض الرجال امثال د. غازي القصيبي تحتار الحديث عنهم وعن سيرتهم الطيبة لوفرة جوانب حياته وعطائه اللامحدود فضلا عن جوانبه الاخرى الادارية والثقافية...
ترى لماذا اختير د. غازي القصيبي ليكون وزيرا للصحة ثم وزيرا للمياه ؟!
وما هي قصة اعتراضه على وزارة الصحة ؟! لقد اختاره الملك فهد بن عبدالعزيز- رحمه الله -أن يكون وزيرا للصحة بعد النجاحات المتوالية حين توليه مختلف المناصب حصد من خلالها جوائز تقديرية عدة، وعندما اعترض على اختياره لهذه الوزارة لانه ليس طبيبا قال له العاهل السعودي - رحمه الله -أنت الرجل المناسب لقيادة هرم الصحة العامة من الجانب الاداري أكثر من أي جانب آخر، وخلال عمله الصحي كان رحيما وعطوفا في تعامله مع المرضى ومع جميع الناس أثناء ضعفهم وحاجتهم للمساعدة، كما أن حبه الكبير لوطنه جعلته رجلاً ناجحاً بكل المقاييس وأبدع وتفوق على غيره في الكثير من الميادين سواء في القطاع الجامعي أو القطاع الصناعي ومروراً بالصحة وبالمياه. كان - رحمه الله - يحارب البيروقراطية ويحب اعطاء الفرص للآخرين ويفضل أن يكون دوره على الاشراف والتخطيط والمتابعة فكان يحب روح العمل الجماعي واعطاء الحوافز المالية والمعنوية لكل من يستحقها فعلاً. وعندما تقلد وزيرا لوزارة المياه اختار سياسة الترشيد ليحارب فيها ثقافة الاسراف حتى يبقى شيئا للاجيال القادمة،أما من الجانب الاداري فقد حقق فيها الكثير من الانجازات الناجحة رغم أنه لم يحقق كل ما يصبو إليه خصوصا في ما يتعلق في قضية التوظيف للشباب السعودي والقضاء على البطالة لانه واجه بعض الصعوبات من الآخرين، وبالرغم من هذه التحديات غير المتوقعة تمسك بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: «اللهم إني أشكو إليك ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس».
لقد استطاع د. غازي القصيبي في حياته الادبية أن ينجز 70 كتابا خلال سبعين عاما لتكون ثمرة طيبة في الميدان الثقافي وهو ما لم يتمكن غيره من إنجازه وسط آلاف المتفرغين لانه كان قادرا على ادارة وقته بشكل عجيب ! فلم يكن القصيبي يحمل حقداً أو حسداً على الآخرين بل كان يحفظ الوفاء للآخرين ويحتفظ بالتواصل معهم اي كانت مستواهم ومراكزهم، ورغم مسؤولياته الكبيرة الا ان علاقاته مع الناس لا تنتهي خصوصا مع البسطاء منهم، وهذا أعظم ما يفعله هذا الانسان الخلوق، ولم يكن قاسياً مع الكتاب الذين ينتقدون أداءه بل بالعكس كان يعطي الكتاب حقهم في النقد حتى ان كان قاسياً عليه، ومن إنسانيته الجميلة ان لديه الحس الانساني الرقيق فتراه يبكي من شدة تأثره على المساكين ولا ينزاح همه الا اذا وجد لهم حلاً، فكان غالباً ما يكرر هذا البيت: «وان سهرت مقلة في الظلام... رأيت المروءة ان اسهرا».
نعم لقد أحبت الكويت هذا الرجل كما أحبها وأحب شعبها ووقف بجانبها وقت الشدة ابان الغزو لدولة الكويت، واليوم في ذكراك يعجز القلم عن التعبير بصفاتك الانسانية والسياسية والثقافية والأدبية، فأشعارك ووقفاتك ستظل خالدة في قلوبنا لأنك رحلت إنساناً قبل أن ترحل عميداً أو مديراً أو وزيراً وسفيراً... «رحمك الله يا أبا خالد»
[email protected]