خواطر تقرع الأجراس / نحن والآخر

| u0645u0635u0637u0641u0649 u0633u0644u064au0645u0627u0646 |
| مصطفى سليمان |
تصغير
تكبير
في العصر العباسي تأسست دار الحكمة زمن الرشيد ثم المأمون وكانت أول أكاديمية تخصصية للترجمة والتأليف في العالم، وأول مؤسسة للعولمة العربية الثقافية في العصر العباسي، فقد ترجمت نفائس تراث الهند وفارس في الآداب والحساب والعلوم والسياسة... وتراث الإغريق العلمي والفلسفي عدا الأدبي من مسرحيات وأساطير لتعارضها مع عقيدة التوحيد الإسلامية؛ إذْ كان الصراع بين الآلهة الإغريقية أمراً طبيعياً ينسجم مع العقيدة الدينية للإغريق. ورغم ترجمة كتاب الشعر لأرسطو (وكان يُقصَد بالشعر الشعر المسرحي وشعرالملاحم والأساطير) إلا أنه لم يؤثر في الأدب العربي وفنونه، فلم يستجيبوا ( للتراغوذيا والقوموذيا)، أي التراجيديا والكوميديا كما في الترجمة العربية.

انفتح العرب على الآخر لتأسيس المشروع الحضاري النهضوي الذي أرسى دعائمه ورعاه المأمون. كان حاكماً مثقفاً، وليس مجرد سلطان على العرش شاهراً الصولجان، لممارسة الطغيان. كان يحلم بكتب الإغريق . وقد بادل بها الأسرى، وعقد ندوات الحوار والجدل مع الفلاسفة واللغويين والنحاة والفقهاء... برغم إثارة مشكلة أو محنة خلق القرآن.

لقد فهم العرب والمسلمون الآخرَ، وتعايشوا مع الثقافات والأديان وأسّسوا عولمةً متحضرة امتدت إلى الأندلس على مدى ثمانية قرون.

لم تكن تلك الحضارة- العولميّة يوتوبيا توماس مور، أو جمهوريةَ أفلاطون، ولا مدينةَ الفارابي الفاضلة. فلقد اعتراها انتفاضات شعبية، وحركات فكرية مضادة، بل وثورات. وتلك هي الدورة الحضارية الحتمية. لكنْ لا يستطيع أحد من الباحثين المنصفين أن يتهم تلك الحضارة، في تلك الفترة بأنها كانت حضارة عنصرية أو منغلقة على ذاتها. وأنا أدعو القارئ أو الباحث أن يقرأ الكتاب القيّم لأبي حيان التوحيدي (الإمتاع والمؤانسة) ليرى بنفسه أعظم مظهر من مظاهر التلاقح الثقافي، والانفتاح الحضاري على الآخر، والا عتراف به وبعقائده المختلفة حتى مع حقائق الدين الإسلامي. فالحضارة القوية ذات المنَعة لا تخشى الآخرَالمختلف، بل تستوعبه وتحاوره بموضوعية ودون تعصّب.

أما اليوم، فنحن منغلقون عن الآخر، بل ومعادون له، نتهمه، كما نتهم بعضنا، بالكفروالزندقة والرّدّة والانحلال... والسبب جهلنا به وبثقافته.

في باريس أعظم مركز لدراسة الثقافة العربية وهو معهد العالم العربي. وفي لندن وبروكسل وروما وميونخ وبرلين وليدن وبكين وموسكو... مراكز ومعاهد عريقة في دراسة حضارتنا ووديننا ولغتنا وثقافتنا... لذلك يعرفون كيف يتعاملون معنا لأنهم يفهموننا. ونحن لا نعرف كيف نتعامل معهم لأننا نجهلم. تُرى هل نفهم أنفسنا نحن ونعرف كيف نتعامل مع بعضنا بعضاً؟

لا شك أن لدى الآخر، في تعامله معنا، دوافع متعددة ، بعضها بريء ، وبعضها الآخر غير بريء . لكن دوافعنا كلها تقريباً في فهم الآخر غير بريئة مسبّقاً . العالم يُقبِل على تعلّم اللغة العربية ليفهمنا، فاللغة روح الأمة، وهويّتها، وبصمة روحها. ونحن نَنفُر منها، بل وأحياناً نُنفِّر أجيالنا منها. ولذلك لا نفهم غيرنا، ولا حتى أنفسنا. لا يوجد في عالمنا العربي معهد متكامل عن الثقافة الأوروبية، أو الصينية، أو الهندية، أو الأميركية، بل حتى الإسرائيلية- ولِمَ لا؟-... كل ما نعرفه بعض الفنون والآداب والأبحاث المترجمة، (والترجمة خيانة كما قال دانتي). لكنها خيانة لا بد منها. لذا علينا أن نترجم نحن ثقافتنا إلى العالم، بعيداً عن الشبهات، وخيانة الترجمات، حتى نجعل الآخر يفهمنا ويعترف بنا. ولن يعترف بنا الآخر حتى نفهمه نحن، ونعترف به.

*كاتب سوري
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي