«نجوم» ... في عز الظهر!
سيل من الماء يتسلل على الوجوه، يتحدى الوسيلة اليدوية على مسحه، يرطب القمصان، ويبلل الأكمام، وسيل آخر ينساب إلى الحلوق هنيئا مريئا يعوض ذاك الخارج من المسام وكأنه سيل لا يريد أن يتوقف.
تلك الصورة الأولى التي تطالعك وأنت تتحدث إلى مجموعة من العمال، بل قل مجاميع من العمال الذين يتحدون حرارة شهر تموز أو يوليو لا فرق، يتسلقون على المباني قيد الإنجاز بعلوها الشاهق على ألواح من خشب، أو يتدلون من رافعة تلامس تلك الارتفاعات، وكل ما يحمي الرأس من أشعة شمس يوليو مجرد قبعة وأحيانا مع توابعها من القماش.
ومن الصورة في الأعلى إلى الصورة على الأرض حيث عمال يحفرون الأرض لتمديد أنابيب، المنظر لا يختلف إلا في أن تشخص ببصرك إلى فوق أو أن تشخص به إلى تحت، فدرجة الحرارة نفسها، وكمية العرق المنصبة على الأبدان أو منها هي نفسها. إنهم عمال يعملون في وقت الظهيرة، شاءت الكاميرا أن ترصدهم، وكثيرون منهم تركوا للعدسة أن تأخذ من حصتها ما شاءت، لكنهم امتنعوا حتى عن الكلام، وربما تغني الصورة عن الكثير من الكلام. وإلى نقطة البداية، فلا بد من التذكير بالقرار الصادر من وزارة الشؤون بمنع تشغيل العمالة في فترة الظهيرة، لكن البعض يفعل وإن كان الكثيرون لا يفعلون.
«ان الحديد له حد معين في تحمل الحرارة ثم يبدأ في الانصهار، والماء حين يتعرض لحرارة عالية يغلي ثم يتبخر، فكيف بالانسان المخلوق من لحم وعظم حين يعمل تحت هذه الشمس الحارقة؟!»، بهذه الكلمات العفوية عبر احد العمال البسطاء عن معاناتهم في العمل تحت اشعة الشمس الحارقة والتي تصل هذه الايام لاكثر من 50 درجة مئوية، رغم ان وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لديها قانون يحظر على اصحاب الشركات والاعمال اجبار العمال على العمل في فترة الظهيرة، وللاسف الشديد فإن آليات الرقابة اغمضت اعينها عن مئات العمال يجبرون على مزاولة اشق المهن في هذا اللهيب مستغلين حاجتهم إلى المال وعدم توافر الفرص الوظيفية... وفي السطور التالية نستعرض نماذج لهؤلاء المساكين:
في البداية قال احد المراقبين على مجموعة من العمال في احد المشاريع السكنية قيد الانشاء: لا بد من وقف الاعمال في الاماكن المكشوفة للشمس والمعرضة لحرارة الجو القاسية خصوصا في وقت الظهيرة حيث ترتفع درجة الحرارة إلى 50 درجة.
واضاف المراقب ان بعض الدول عندما تواجه اشعة الشمس القوية وارتفاع درجة الحرارة تقوم بوقف كل الاعمال في الاماكن المكشوفة وتسجل مخالفة جسيمة لكل من يخالف القانون لعدم تعريض حياة الانسان إلى الخطر.
وطالب المراقب المسؤولين في لجنة حقوق الانسان بالنظر بعين الرأفة للعمال وتفعيل قانون منع العمالة من ممارسة اعمالهم في وقت الظهيرة وفي اماكن مكشوفة بسبب حرارة الجو واشعة الشمس الشديدة حفظا لحقوق الانسان وحرصا على سلامته.
من جهته، قال فتحي محمود الذي يعمل بائعا متجولا لدى احدى الشركات الغذائية الكبرى انه يعمل في فترة الصيف فقط ولمدة خمسة اشهر وبراتب عبارة عن نسبة قليلة من قيمة البضاعة التي يوزعها.
واستغرب فتحي محمود من تصرف الشركة مع العاملين لديها بعدم توفير اماكن آمنة مثل كشك صغير يستطيع البائع من خلاله ان يحمي نفسه من حرارة الجو واشعة الشمس القاسية.وطالب فتحي المسؤولين في الشركة بعدم الركون للترخيص الذي يسمح لها بوقوفنا في الأماكن العامة والمكشوفة بل يجب ان يحرصوا على حياتنا ويحمونا من الاجواء التي تشتد فيها الحرارة وقساوة الشمس.
ومن جانبه، كشف جمال ذياب (معلم رخام) تابع، ان العمل تحت اشعة الشمس يسبب كثيرا من الامراض ويؤثر على صحة الانسان مثل ضربة الشمس وحروق البشرة والإنهاك الحراري.
واضاف ذياب ان مادة الحديد لها حد معين في تحمل درجة الحرارة ثم تبدأ في الانصهار وحتى الماء عندما يتعرض لدرجة حرارة عالية يبدأ في الغليان ثم التبخر فكيف على الانسان المخلوق من لحم وعظم يقف تحت اشعة الشمس القوية ولا يصاب بامراض عدة اذا لم ينصهر ويموت.
واوضح ذياب ان العمل تحت اشعة الشمس الحارة وفي الاماكن المكشوفة يضطر اليه بعض العمال المجبرين من قبل بعض الشركات واصحاب العمل حيث يهددونهم ان لم ينجزوا العمل فلن يحصلوا على رواتبهم او يتم تفنيشيهم.
ويصف احد العمال التابعين لاحدى الشركات الكبرى الشركة التي يعمل لديها بأنها ظالمة وغير انسانية حيث انها لا تراعي مشاعرنا ولا تراعي الجانب الانساني لأنها تجبرنا على العمل في وقت الظهيرة والاماكن المكشوفة على الشمس الحارة.
واشار إلى ان فترة الظهيرة صعبة للغاية في هذه الايام وقد تشتد حرارة الجو فيها بحيث لانستطيع الوقوف ولم نتمكن من السيطرة على انفسنا.
واضاف: ان اغلب الشركات والمؤسسات الانشائية لا تراعي مشاعر العاملين لديها وتطالبهم بانجاز اعمالهم في كل الاوقات وخاصة فترة الظهيرة حتى لو كان هناك براكين من النار تريد ان تنفجر ليس مهما في سبيل اكمال المشروع وانهائه بأسرع وقت.
اما خلف عبدالمنعم (عامل بناء) فيقول انه يعمل في اليوم اثنتي عشرة ساعة من الصباح الباكر الى غروب الشمس ولا توجد فترة راحة إلا ساعة واحدة فقط لتناول وجبة الغداء.
واضاف عبدالمنعم ان الفترة المتعبة والصعبة هي وقت الظهيرة حيث انني اعمل في مكان مكشوف ونسبة الحرارة فيه عالية واشعة الشمس ساطعة وقوية لذا لا يمكنني ممارسة عملي بحرية ولا استطيع ان اعمل بجدية بسبب حرارة الجو القوية.
واشار عبدالمنعم إلى ان اغلب الادوات التي تستخدم في العمل مصنوعة من الحديد وفي فترة الظهيرة تصبح هذه الادوات مثل النار لا نستطيع الامساك بها والعمل بها.
ويرى ابو السعود البدري ان هذه الفترة من هذه الايام خصوصا وقت الظهيرة ابتداء من الساعة الثانية عشرة الى الساعة الرابعة عصرا فترة صعبة جدا والجو غير مناسب للعمل بسبب حرارة الجو واشعة الشمس القوية لدرجة ان الانسان لا يستطيع الخروج من منزله إلى مكان اخر بسبب حرارة الجو.
وأكد أبوسعود ان الأعمال في هذه الفترة قليلة ولا توجد أعمال متوافرة فالفرص ضئيلة، لذلك نجبر على بعض الأعمال لتوفير لقمة العيش وكسب الرزق ومنها العمل في بعض الشركات والمؤسسات الخاصة بالمعمار والمباني، فهذه الأعمال أغلبها في الأماكن المكشوفة».
ويضيف انه لا يمكن على الإنسان انجاز وتحقيق العمل جيدا ان كان غير مستقر نفسيا وبدنيا، من ناحية الأجواء غير المناسبة التي تؤثر على نفسيته وعلى صحته من خلال العمل في الأماكن المكشوفة وفي فترة الظهيرة في هذه الأيام.
ويدين أحمد العبدو الذي يعمل لدى إحدى الشركات الكبيرة بعض المسؤولين الذين يجبرون العاملين لدى الشركة على العمل في الأماكن المكشوفة خصوصا في وقت الظهيرة.
وأضاف ان العمل في الأماكن المكشوفة إجراء انتقامي لا يرضي الله ولا بني آدم، حيث ان حرارة الجو شديدة ولا يستطيع العاملون أن يؤدوا أعمالهم على أكمل وجه.
وتمنى العبدو من أصحاب الشركات والمؤسسات الحرص على تسوية أوضاع العاملين لديهم ومراعاة حقوقهم خصوصا في هذه الفترة التي تشتد فيها حرارة الجو والأجواء غير المناسبة.
ويؤكد النجار عبدالغفار الذي يعمل في إحدى العمارات الاستثمارية بأنه لا يستطيع الامساك بالمسمار الصغير لكي يدقه في الخشب بسبب حرارته الشديدة، ويرى ان العمل في فترة الظهيرة تعرض حياتنا للخطر ويصيبنا بحالة هستيرية من شدة الحرارة وأشعة الشمس ولكن لا بد أن نعمل وأن نجبر أنفسنا بالعمل في سبيل أن نوفر لنا ولأبنائنا لقمة العيش والرزق.
وأوضح المعماري محمد العبد ان العمل في وقت الظهيرة وفي أماكن مكشوفة لا يتقبله الإنسان العاقل وهو عمل مرفوض تماماً، معرباً عن أسفه ان بعض الشركات والمؤسسات مازالت تسمح للعاملين لديها بالعمل في وقت الظهيرة وفي أماكن مكشوفة ما يسبب للعامل الارهاق والتعب من الناحية الصحية.
وتمنى محمد العبد من المسؤولين في الشركات والمؤسسات مراعاة مشاعر العاملين من الناحية الإنسانية وعدم اجبارهم على العمل في وقت الظهيرة وفي أماكن مكشوف
الكندري: ستكون لنا وقفة
مع مستخدمي العمالة في الظهيرة
أكد النائب محمد الكندري العضو في لجنة حقوق الإنسان ان هناك قرارات وتوصيات سابقة لا بد من تفعيلها لحفظ حقوق الإنسان خصوصا لمن يعملون في أماكن مكشوفة في ظل ارتفاع درجة الحرارة العالية. وأضاف الكندري ان أعضاء لجنة حقوق الإنسان سيكون لهم دور كبير وفعال تجاه هذا الموضوع، وذلك بعدم السماح لبعض الشركات والمؤسسات التي تقوم باستخدام العمالة في وقت الظهيرة واجبارهم على العمل في أماكن مكشوفة.
الحرارة الشديدة قد تؤدي إلى الموت
ذكرت مصادر طبية ان الوقوف في مكان مكشوف وفي أجواء حرارة ترتفع درجتها إلى 50 درجة مئوية قد تودي إلى فقدان الإنسان حياته أو اصابته بأمراض عدة منها ضربة الشمس وقد تودي أحياناً إلى الوفاة وبعض الأمراض المستعصية مثل الانهاك الحراري وحروق الوجه.
وأضافت المصادر أنه قد يكون التعرض للحر الشديد من أسباب الشعور بالاختناق والكسل والاكتئاب والاحساس بالضيق والملل، لذا لا بد من الحرص الشديد من حرارة الجو وأشعة الشمس القوية في مثل هذه الأيام.
وأشارت إلى ان الكويت في هذه الأيام تشتد فيها الحرارة القوية وربما ترتفع درجة الحرارة إلــــــى نسبة عالية جداً فلا بد من عدم الوقوف فــــــي أمـــــاكن مـــكــشــوفة فـــــي وقــــت الـــظــهــيــرة.
استراحة في خيمة كرتون
يحمل أثقل من وزنه
استراحة
إلى الأعلى
في الظل
انهماك في العمل
لا نخشى الحرارة
شربة ماء