ثلاثة وصفها الله بالجمال .. فمن تحلى بها ازداد جمالا..! / ( 1 من 3 )
صبر وصفح وهجر
• لأهمية الصبر ذكره الله في أكثر من تسعين موضعاً في القرآن و قرنه بالصلاة وجعل مقامات الدين كلها مرتبطة به
• من ثمرات الصبر تحقيق الإيمان والهداية والخضوع لله ونيل الرحمة وتكفير السيئات ومعية الله ومحبته ودخول الجنة
• للصبر مجالات كثيرة منها
الصبر على العبادة والصبر
على المعصية والصبر على البلاء والصبر على فراق الأحباب
• من ثمرات الصبر تحقيق الإيمان والهداية والخضوع لله ونيل الرحمة وتكفير السيئات ومعية الله ومحبته ودخول الجنة
• للصبر مجالات كثيرة منها
الصبر على العبادة والصبر
على المعصية والصبر على البلاء والصبر على فراق الأحباب
قال الله تعالى مخاطباً نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» (5) سورة المعارج، وقال جل في علاه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) «سورة الحجر، وقال رب العزة سبحانه وتعالى: «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا» (10) سورة المُزّمل.
ثلاثة سلوكيات وصفها الله تعالى بالجمال (صبر- هجر - صفح ) وطالب الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحلي بها، والخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إنما هو لأتباعه وأمته أيضا، فمن تحلى بها ازداد جمالا..
فما هو (الصبر الجميل) و (الصفح الجميل) و(الهجر الجميل)؟؟
سئل الشيخ الإمام، العالم العامل، الحبر الكامل، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، تقي الدين بن تيمية رحمه الله، عن الصبر الجميل والصفح الجميل، والهجر الجميل، فأجاب رحمه الله:
إن الله أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا عتاب، والصبر الجميل صبر بلا شكوى. قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله» مع قوله: «فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون» فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل. ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله» ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف!. بخلاف الشكوى إلى المخلوق. قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طاوساً كره أنين المرض وقال: إنه شكوى. فما أنّ حتى مات!. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال، إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: «فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب». وفي قوله تعالى: «فاصفح الصفح الجميل» أمر الله - جل وعلا - نبيه - عليه الصلاة والسلام - في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل: أي: بالحلم والإغضاء. وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه وسلم يشمل حكمة الأمة: لأنه قدوتهم والمشرع لهم. وقال تعالى: «واصبِر على مَا يقُولُونَ واهجُرهُم هَجراً جَمِيلاً» (المزمل 10).
أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية المباركة بالصبر ـ الذي منه كظم الغيظ ـ على ما يسمعه من الاَقوال البذيئة التي لا تليق ومقام النبوة الشامخ، صبراً لا عتاب فيه على أحد، ولا اعتزاز بالشخصية، أو دفاع عن الذات، بل تركهم إلى الله سبحانه، مع الهجر الجميل الذي لا يترك في نفوسهم شيئاً من وخز الضمير ما داموا لم يقابلوا بالمثل، بل بالهجر الجميل الذي لم يترك في نفوسهم اشمئزازاً من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزرع فيهم ما يحول بينهم وبينه صلى الله عليه و وسلم مستقبلاً فلا يُقبلوا عليه ولا يسمعوا هديه، بل كان هجراً جميلاً لم يقطع خيوط المودة ولم يهدم جسور التواصل التي تمر من خلالها رسالة السماء التي تنشد لاُولئك التكامل وسعادة الدارين.
ولبيان حقيقة هذه السلوكيات ( الصبر والهجر والصفح ) ومدى ارتباطها بالإيمان، وكيف السبيل الى تحقيقها بالشكل الذي اقتضته الحكمة الإلهية، وأوصافها، ومجالاتها، وثمرات الالتزام بها، والحكمة من وصفها بالجمال... سنفرد لكل سلوك منها حلقة خاصة بشيء من التفصيل... فتابع معنا،،
الصبر الجميل... الترفّع على الألم والاستعلاء على الشكوى والتسليم لله تعالى والقبول لحكمه والرضا به
الصبر الجميل ليس مجرد كلمة تُرددها الألسنة مع ضيق الصدر وتململ القلب ..!
انما هو الصبر المطمئن الذي لا يُصاحب السخط ولا القلق ولا الشكَّ في صدق الوعد ، صبر الواثق مِن العاقبة ، الراضي بقدر الله ، الشاعر بحكمته مِنْ وراء الابتلاء ، الموصول بالله ، المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.
و هو الترفّع على الألم ، والاستعلاء على الشكوى ، والثبات على تكاليف الدّعوة ، والتسليم لله عز وجل ، والاستسلام لما يُريد من الأمور ، والقبول لحكمه والرضا به ... وهو الذي يكون ابتغاء وجه الله جل وعلا ، لا تحرجاً من الناس حتى لا يقولوا جزعوا ، ولا تجملاً للناس حتى يقولوا صبروا ..
الصبرُ الجميل : هو الثبات على طول الطريق دون عجلةٍ أو قنوط..
والصبر في اللغة: الحبس.. وفي تعريف الصبر في الاصطلاح: الثبات على أحكام الكتاب والسنة، وحبس النفس عن الجزع والسخط.
والصبر على ثلاثة أقسام: صبر على الطاعات، صبر عن المحرمات، صبر على الابتلاءات، لأنّ العمل بالطاعة يحتاج الى صبر، وترك المخالفات والمنكرات يحتاج الى صبر.
أهمية الصبر
أربعة أمور تدل على أهمية الصبر:
الأول: أن الله ذكره في أكثر من تسعين موضعاً في القرآن.
الثاني: أن الله قرنه بالصلاة.
الثالث: أن مقامات الدين كلها مرتبطة به.
فالدين فعل طاعة وترك معصية، وقوام ذلك على الصبر.. ألا ترى أن العفة هي الصبر عن الفواحش وعن سؤال الناس، والزهد الصبر عن فضول العيش، وحسن الخلق الصبر على أذى الناس، والقناعة الصبر والرضا بما قسم الله، والحلم الصبر عن الغضب؟
الرابع: أن الله تعالى لما أقسم بالعصر على خسران الانسان استثنى فقال: {الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. أي: أوصى بعضهم بعضاً بذلك.
ثمرات الصبر
للصبر ثمرات عديدة، منها:
تحقيق الايمان:
فالايمان قول وعمل واعتقاد، والصبر من الايمان، وقد دل على ذلك القرآن..
فكل ما أمر الله به بعد ندائه بـ {يا أيها الذين آمنو} دليل على دخوله في مسمى الايمان.
ودلت على ذلك سنة خير الأنام.. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الايمان: الصبر والسماحة» [أحمد].
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : «الصبر نصف الايمان» [رواه الطبراني في الكبير]
تحقيق الاخبات: والاخبات الخضوع.
قال تعالى: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ* الَّذِينَ اِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 34-35].
تحقيق الصدق والتقوى:
قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ اِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة 177].
والبأساء: حال الفقر، والضراء: حال المرض.
تحقيق الهداية:
قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه (11)} [التغابن].
قال ابن مسعود رضي الله عنه : «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم» [رواه البيهقي في الشعب والسنن].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الصبر ضياء» [رواه مسلم]. أي: لا يزال صاحبه مستضيئاً به ومهتدياً مستمراً على الصواب.
ومما قاله علي رضي الله عنه في الصبر: «الصبر مطية لا تكبو».
وقال عمر رضي الله عنه : «وجدنا خير عيشنا بالصبر».
وذلك لأن به هداية القلب وراحة البال.
التمكين:
قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي اِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُو} [الأعراف 137].
وقال: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة 24].
نيل الرحمة:
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ اِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا اِنَّا لِلَّهِ وَاِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155- 157].والصلوات المغفرة كما قال الطبري رحمه الله.
تكفير السيئات:
قال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء 123].
وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: كل سوء عملنا جزينا به؟ وأينا لم يعمل سوء؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به» [أحمد].
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا اِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
والنصب: التعب. والوصب: الوجع.
وعند أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِي مَالِهِ وَفِي وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ».
وله في صحيح البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»
الأجر الجزيل:
قال تعالى: {انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر 10].
وفي سنن الترمذي عن عَنْ جَابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ».
وقد جمع الله بين المغفرة والأجر الجزيل للصابرين في آية فقال: {اِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)} [هود].
معية الله :
قال تعالى: {اِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153، والأنفال: 46].
وقال: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249، والأنفال: 66]
محبة الله:
قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]
الجنة:
قال تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} [آل عمران].
وفي الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعطاء رحمه الله: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قال: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: اِنِّي أُصْرَعُ، وَاِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: «اِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَاِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»؟ فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: اِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
فمن صبر فله الجنة لقوله: «اِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ».
والصبر يرفع العبد درجات عالية في الجنة:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ان الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه اياها» [رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه].
ولهذه الثمار كلها قال نبينا صلى الله عليه وسلم -في الصحيحين- : «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».
فما أوسع العيش به وبالأمل، وما أضيقه بدونهما!
مجالات الصبر
* الصبر على عبادة الله
فالعبادة –كما مر معنا- لا يوفق العبد اليها الا بالصبر، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّ} [مريم 65].
فالصلاة تحتاج الى الصبر، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَ} [طه 132].
والحج يحتاج الى صبر، ولذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم جهادا.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى الله مما يحتاج الى صبر، قال تعالى-حاكياً عن لقمان-: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ اِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان 17].
وقال في المدثر: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)}.
وفي المزمل: {يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ اِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) اِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) اِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ اِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا اِلهَ اِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (10)}.
وطلب العلم كذلك، قال تعالى-عن موسى وفتاه في سورة الكهف-: { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ اِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لم تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي اِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)}.
العفة هي الصبر عن الشهوة المحرمة، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِاِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِاِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَاِذَا أُحْصِنَّ فَاِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)} [النساء]. والمعنى: والصبر عن نكاح الاماء مع العفة أولى وأفضل.
والصوم يحتاج الى الصبر، ولقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم رمضان شهر الصوم..
* الصبر عن المعصية
واذا ذكر هذا النوع من الصبر ذكر الكريم يوسف عليه السلام، الذي راودته المرأة الجميلة، وهددته وتوعدته، وبدأته وأفصحت عن رغبتها، وكان شابا غريبا قويا، وانغلقت الأبواب فأمنا من دخول أحد عليهما، مع ذلك كله كان رده على طلبها: {معاذ الله}..
* الصبر على الابتلاء
قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)} [العنكبوت].
وهنا يندرج من الأفراد ما يحصيه الا رب العباد...
* الصبر على فقد الأحبة:
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ اِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا اِنَّا لِلَّهِ وَاِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة].
وعند النسائي حديث نبينا صلى الله عليه وسلم : «ان الله لا يرضى لعبده المؤمن اذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة».
وفي سنن الترمذى، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «اِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ»..
* الصبر على المرض
قال صلى الله عليه وسلم : «لا يمرض مؤمن ولا مؤمنة، ولا مسلم ولا مسلمة، الا حط الله عنه من خطاياه» [أحمد].
وقال: «المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر» [رواه ابن أبي الدنيا].
وفي صحيح مسلم قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفِينَ»؟ -ترعدين- قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا. فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَاِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
وفي صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اِنَّ اللَّهَ قَالَ: اِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ». يُرِيدُ عَيْنَيْهِ..
* الصبر على قلة ذات اليد وشظف العيش
قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} [البقرة]
البأساء: الفقر، والضراء: المرض، حين البأس: عند مجابهة العدو..
* الصبر على جهاد الأعداء
قال تعالى في آخر آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وقال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) اِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى اِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)} [آل عمران].
وقد سأل رجل نبي الله صلى الله عليه وسلم : أَرَأَيْتَ اِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، اِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ قُلْتَ»؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ اِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، اِلَّا الدَّيْنَ، فَاِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِي ذَلِكَ» [صحيح مسلم]..
* الصبر على تربية البنات
ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا اِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ»..
* صبر الزوجة على زوجها، وصبره عليها
فقد قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، اِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» [مسلم].
وتصبر الزوجة على زوجها لتستقيم الحياة، ولئلا يقع ما يحبه الشيطان منا..
* الصبر على التكسب لاعالة الأسرة
ورد في معجم الطبراني، عَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «اِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ».
أوصــاف
اننا من خلال النظر في أمر الصبر نستطيع أن نخرج بأوصاف لابد أن تلازم الصبر ليكون الصبر صبراً جميلا...
الصفة الأولى: انما الصبر عند الصدمة الأولى
صدمة الألم... صدمة الاعراض والتكذيب... صدمة المواجهة من أعز قريب.
فلا جزع ولا تسخّط... بل ايمان ورضا... وتفاؤل وأمل!
الداعية الى الله... لا يدعو لذاته وفكره وخلقه ومبدأه...
انما دعوته ربانية سماوية (قل هذه سبيلي أدعو الى الله...)
وهذه الدعوة الربانية هذا هو طريقها... (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم
مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا...)
لكن كيف تقابل هذه البأساء، وهذه الضراء، وهذه الزلزلة...؟!
تقابلها بالصبر... والصبر الجميل عند الصدمة الأولى الذي لا سخط معه ولا جزع.!
الصفة الثانية: صبر يورث الثبات...!
فلا ييأس أو يفتر... بل صبرا يزيده ثباتا على المبدأ... وقوة في الطرح... وتجددا في الأسلوب والوسيلة سرا وجهارا... اعلانا واسرارا... جدالاً وحوراً... بالحكمة والموعظة الحسنة...!
دعوة لا تعرف الفتور أو الانطفاء بمجرد همزة أو لمزة أو صلب على خشبة الاعدام...!
دعوة لا تنهزم من واقع مرير...!
انما هي دعوة الحريص المشفق (حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)
ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم...! انه الصبر الجميل... صبر يورث الثبات.
الصفة الثالثة: صبر الاختيار لا الاضطرار...!
صبر في عزة لا ذلة في قهر...!
الداعية يمنع نفسه من الغضب لذاته، في سبيل ان يبلغ دعوته...!
لكن اذا انتهكت محارم الله فلا ذلّة في المواجهة...
وكثيرا ما يخلط بعض الدعاة بين حقيقة الصبر والقهر...
يظن القهر صبراً... والذلّة حمدا وفخرا...
كيف السبيل إلى الصبر؟
يكون السبيل إلى الصبر بأمور:
أما الصبر على الطاعة فباستحضار ثوابها وفضلها..
وأما الصبر على المحرمات فباستحضار عقوبة المعاصي ومخالفة أمر الله تعالى..
وأما الصبر على البلاء فيتحقق بأمور، منها:
1/ التأمل في سير الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين
قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» (الأحقاف 35).
وقال: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)» (الأنعام)، وقال: «قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)» (إبراهيم).
وقال: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)» (الأنعام).
وقال: «وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)» (الأنبياء).
وفي شأن إسماعيل عليه السلام -أيضاً- في قصة الفداء: «قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)» (الصافات).
وقال عن أيوب عليه السلام: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)» (ص).
لقد مرض عليه السلام سنوات طويلة، جفاه الناس فيها، وافتقر بعدما كان ذا مال وفير، ولم يبق جزء سالم في بدنه سوى لسانه وقلبه، عملت زوجته خادمةً في البيوت لتطعمه، ولما صدَّها الناس خوفاً من أن تنقل إليهم مرض زوجها باعت شعر رأسها، فلما رأى أيوب عليه السلام رأسها تضرع لله فكانت العافية بعد الضراء، والفرج بعد البلاء.
وقال عن يعقوب عليه السلام: «قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)» (يوسف).
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قِسْمَةَ حُنَيْنٍ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
وفي مسند الإمام أحمد قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
ويقتدى بالأولياء الصالحين، قال تعالى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)» (آل عمران).
2/ الدعاء
وفي القرآن الكريم في موضعين: «ربنا أفرغ علينا صبراً».
ولا تعارض بين هذا وبين الأحاديث التي ندب فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى سؤال العافية..
فالمرء قبل البلاء يسأل الله العافية، فإذا نزل البلاء كان على قسمين:
أ- بلاء يرجى زواله، فنسأل الله تعالى عنده العافية والصبر.
ب- وبلاء لا يرجى زواله كموت أحد، فهنا نسأل الله الصبر.
ويسأل العبد ربه أن يصبره على العبادة، وعلى ترك المحرمات. أما سؤال الصبر على البلاء ابتداء فهو متضمن لسؤال البلاء، لأن الصبر مرتب عليه، ولهذا لا ينبغي.
3/التفكر في ثمراته.
4/ الصلاة
قال تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)» (البقرة).
وقال: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)» (البقرة).
وفي تفسير الطبري رحمه الله أن ابن عباس رضي الله عنهما لما نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر استرجع، ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ».
5/ أنّ تعلم أنّ الله قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم.
رســــالة الى كل مُبتلى كيـف تنال الفضل العظيم وتصير من عباد الله الصابريـن؟
البــــلاء سُنَّة الله الجارية في خلقه؛ فهناك من يُبتلى بنقمة أو مرض أو ضيق في الرزق أو حتى بنعمة .. فقد قضى الله عزَّ وجلَّ على كل انسان نصيبه من البــــلاء؛ قال تعالى {اِنَّا خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعا بَصِيرا * اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ اِمَّا شَاكِرا وَاِمَّا كَفُورا} [الانسان: 2,3] .. فمنهم من سيفهم حكمة الله تعالى في ابتلائه، فيهون عليه الأمر .. ومنهم من سيجزع ويتسخَّط، فيزداد الأمر سوءا عليه .. وهذه رســــالة الى كل مُبتلى، وكل الناس مُبتلى ومُصاب .. هوِّن على نفسك، فمهما كانت شدة البلاء سيأتي الفرج من الله لا محالة . كان محمد بن شبرمة اذا نزل به بلاء، قال «سحابة صيف ثم تنقشع» [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (19:2)]. فكيــــف تنــــال هذا الفضل العظيــــم وتصير من عبــــاد الله الصــابريـــن؟؟ اعلم انك لن تتحصل على الصبر الا بالتدريب .. قال رسول الله «.. من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر» [متفق عليه] .. وعلى قدر استعدادك، يكن صبرك على المشاكل والابتلاءات التي تعتريك في الطريق .. فعليك أن تستعد بأخذ الأسباب وخطوات التصبر التالية؛ حتى يهون عليك البلاء وتنال عظيم الثواب
معرفة الحكمة من البـــلاء .. فالله سبحانه وتعالى يبتلي ليُهذب لا ليُعذب .. فعليك أن تفهم لماذا يبتليك الله تعالى ..
1) البلاء في حق المؤمن كفارة وطهور .. فقد نُبتلي بذنوبنا ومعاصينا؛ كي يُكفِّرها الله عزَّ وجلَّ عنا فلا نقابله بها، ويوم القيامة ستتمنى لو أنه قد أعطاك المزيد من الابتلاءات في الدنيـــا..
1-
عن النبي قال «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفَّر الله بها من خطاياه» [متفق عليه] ..
2 البـــلاء دليل حب الله للعبد .. والمُحِب لا يتضجر من فعل حبيبه أبدا، قال رسول الله «اذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع» [رواه أحمد وصححه الألباني] .. وقال رسول الله «مَنْ يُرِد الله به خيرا يُصِبْ منه» [صحيح البخاري ].
3) البـــلاء يُبلغك المنازل العلا .. برفقة النبي محمد ، فالعبد تكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه اياها .. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله «ان الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه اياها» [رواه أبو يعلى وابن حبان وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب (3408)] ..
وهكذا يكون حال المؤمن ما بين الابتلاءات ونزول الرحمات حتي يُلاقي الله عزَّ وجلَّ، أما الكافر فاذا أخذه لم يفلته .. وكم في البلية من نعمةٍ خفية .. وليس معنى هذا أن تتمنى البـــلاء، ولكن عليك أن تسأل الله العفو والعافيــة.
2-
تذكَّر أحوال الأشد منك بلاء .
قال سلام بن أبى مطيع: دخلت على مريض أعوده، فاذا هو يئن .. فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم، قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك، فسمعته يقول لنفسه: اذكري المطروحين في الطريق، اذكري من لا مأوى له ولا له من يخدمه. [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (22:27)]
3-
تلقى البـــلاء بالرضا بقضــاء الله وقدره .
وهذا من أعظم ما يُعين العبد على المصيبة، قال تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ اِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا اِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]
فالبلاء من قدر الله المحتوم، وقدر الله لا يأتي الا بخيـــر.
4-
الجزع وعدم الرضا لا ينفعا .. فالتحسر على المفقود لا يأتي به ..
كان يحيي بن معاذ يقول «يا ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟!، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟!» [صفة الصفوة (2:295)].
5-
معرفة طبيعة الدنيـــا وأنها دار عنــاء .
فالدنيـــا بمثابة القنطرة التي تعبر بها الى الدار الآخرة، فلا تحزن على ما فاتك فيها ..
قال ابن الجوزي «أما بعد؛ فاني رأيت عموم الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجا يزيد على الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت! .. وهل ينتظر الصحيح الا السقم؟، والكبير الا الهرم ؟، والموجود سوى العدم ؟!» [تسلية أهل المصائب (1:71)] .
6-
معرفة ثواب الصبر العظيم ..
وحينها يهون عليك كل بــلاء، قال تعالى {.. اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]
7-
ثِق بحدوث الفرج من الله سبحانه وتعالى ..
اذا رأيت أمرا لا تستطيع غيره، فاصبر وانتظر الفرج .. قال تعالى {فَاِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا * اِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا} [الشرح: 5,6].
8-
استعن بالله والجأ اليه واطلب منه المعونة .واسأله أن يُلهمك الصبر والرضـــا بقضائه؛ كي يهون عليك البلاء وتنجح في الامتحــان الذي يورثك الجنة ان شاء الله تعالى .
فلابد من التوكل والاستعانة، كي تنال الصبر .. قال الله تعالى {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ اِلَّا بِاللَّهِ ..} [النحل: 127].
9-
انما الصبر عند الصدمة الأولى ..
عن أنس قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر، فقال «اتقي الله واصبري»، قالت: اليك عني، فأنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه فقيل لها انه النبي . فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال «انما الصبر عند الصدمة الأولى» [متفق عليه].
10-
ترك التشكي . فينبغي أن تحفظ لسانك عن الشكوى لأي أحد، سوى الله عزَّ وجلَّ ..
بُث شكواك الى مولاك، كما فعل نبي الله يعقوب عليه السلام عندما قال {قَالَ اِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي اِلَى اللَّهِ ..} [يوسف: 86].. وكان ميمون بن مهران يقول «اِنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُوْنَ وَلاَ يَغْفِرُوْنَ، وَالله يَغْفِرُ وَلاَ يُعَيِّرُ» [سير أعلام النبلاء (9:81)].
11-
ايـــــاك والغضب عند البــــلاء . فان الغضب ينافي الصبر، قال تعالى {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ اِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]
12-
لا تستعجل . فوِّض أمرك الى الله وخذ بالأسباب، ولا تستعجل فكلٌ يأتي بقدر..
13-
لا تيأس وتستسلم لتثبيط الشيطان .
لا تيأس مهما كانت شدة البـــلاء، فانه دائما يبدأ كبيرا ثمَّ يتلاشى .. وقد قال الله تعالى {.. وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].
14-
التأمل في قصص الصابرين .
فأي بلاء قد تتعرض له، فقد تعرض النبي لمحن وابتلاءات أشد منه .. وكان خير الصابرين والشاكرين والحامدين .. فتأمل في صبره وصبر الصالحين من قبله وبعده .
مسك الختـــام، قول الله تعالى تسلية لكل مُبتلى {.. لَا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ..} [النور: 11]
الأمر بالصبر
أمر به الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: {فاصبر ان وعد الله حق}، وقال: {فاصبر على ما يقولون}.
وأمر به لقمان ابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ اِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}
وأمر به الله عباده:
قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَاِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}.
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ اِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
وفي آخر آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
ثلاثة سلوكيات وصفها الله تعالى بالجمال (صبر- هجر - صفح ) وطالب الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحلي بها، والخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إنما هو لأتباعه وأمته أيضا، فمن تحلى بها ازداد جمالا..
فما هو (الصبر الجميل) و (الصفح الجميل) و(الهجر الجميل)؟؟
سئل الشيخ الإمام، العالم العامل، الحبر الكامل، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، تقي الدين بن تيمية رحمه الله، عن الصبر الجميل والصفح الجميل، والهجر الجميل، فأجاب رحمه الله:
إن الله أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا عتاب، والصبر الجميل صبر بلا شكوى. قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله» مع قوله: «فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون» فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل. ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله» ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف!. بخلاف الشكوى إلى المخلوق. قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طاوساً كره أنين المرض وقال: إنه شكوى. فما أنّ حتى مات!. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال، إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: «فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب». وفي قوله تعالى: «فاصفح الصفح الجميل» أمر الله - جل وعلا - نبيه - عليه الصلاة والسلام - في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل: أي: بالحلم والإغضاء. وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه وسلم يشمل حكمة الأمة: لأنه قدوتهم والمشرع لهم. وقال تعالى: «واصبِر على مَا يقُولُونَ واهجُرهُم هَجراً جَمِيلاً» (المزمل 10).
أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية المباركة بالصبر ـ الذي منه كظم الغيظ ـ على ما يسمعه من الاَقوال البذيئة التي لا تليق ومقام النبوة الشامخ، صبراً لا عتاب فيه على أحد، ولا اعتزاز بالشخصية، أو دفاع عن الذات، بل تركهم إلى الله سبحانه، مع الهجر الجميل الذي لا يترك في نفوسهم شيئاً من وخز الضمير ما داموا لم يقابلوا بالمثل، بل بالهجر الجميل الذي لم يترك في نفوسهم اشمئزازاً من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزرع فيهم ما يحول بينهم وبينه صلى الله عليه و وسلم مستقبلاً فلا يُقبلوا عليه ولا يسمعوا هديه، بل كان هجراً جميلاً لم يقطع خيوط المودة ولم يهدم جسور التواصل التي تمر من خلالها رسالة السماء التي تنشد لاُولئك التكامل وسعادة الدارين.
ولبيان حقيقة هذه السلوكيات ( الصبر والهجر والصفح ) ومدى ارتباطها بالإيمان، وكيف السبيل الى تحقيقها بالشكل الذي اقتضته الحكمة الإلهية، وأوصافها، ومجالاتها، وثمرات الالتزام بها، والحكمة من وصفها بالجمال... سنفرد لكل سلوك منها حلقة خاصة بشيء من التفصيل... فتابع معنا،،
الصبر الجميل... الترفّع على الألم والاستعلاء على الشكوى والتسليم لله تعالى والقبول لحكمه والرضا به
الصبر الجميل ليس مجرد كلمة تُرددها الألسنة مع ضيق الصدر وتململ القلب ..!
انما هو الصبر المطمئن الذي لا يُصاحب السخط ولا القلق ولا الشكَّ في صدق الوعد ، صبر الواثق مِن العاقبة ، الراضي بقدر الله ، الشاعر بحكمته مِنْ وراء الابتلاء ، الموصول بالله ، المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.
و هو الترفّع على الألم ، والاستعلاء على الشكوى ، والثبات على تكاليف الدّعوة ، والتسليم لله عز وجل ، والاستسلام لما يُريد من الأمور ، والقبول لحكمه والرضا به ... وهو الذي يكون ابتغاء وجه الله جل وعلا ، لا تحرجاً من الناس حتى لا يقولوا جزعوا ، ولا تجملاً للناس حتى يقولوا صبروا ..
الصبرُ الجميل : هو الثبات على طول الطريق دون عجلةٍ أو قنوط..
والصبر في اللغة: الحبس.. وفي تعريف الصبر في الاصطلاح: الثبات على أحكام الكتاب والسنة، وحبس النفس عن الجزع والسخط.
والصبر على ثلاثة أقسام: صبر على الطاعات، صبر عن المحرمات، صبر على الابتلاءات، لأنّ العمل بالطاعة يحتاج الى صبر، وترك المخالفات والمنكرات يحتاج الى صبر.
أهمية الصبر
أربعة أمور تدل على أهمية الصبر:
الأول: أن الله ذكره في أكثر من تسعين موضعاً في القرآن.
الثاني: أن الله قرنه بالصلاة.
الثالث: أن مقامات الدين كلها مرتبطة به.
فالدين فعل طاعة وترك معصية، وقوام ذلك على الصبر.. ألا ترى أن العفة هي الصبر عن الفواحش وعن سؤال الناس، والزهد الصبر عن فضول العيش، وحسن الخلق الصبر على أذى الناس، والقناعة الصبر والرضا بما قسم الله، والحلم الصبر عن الغضب؟
الرابع: أن الله تعالى لما أقسم بالعصر على خسران الانسان استثنى فقال: {الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. أي: أوصى بعضهم بعضاً بذلك.
ثمرات الصبر
للصبر ثمرات عديدة، منها:
تحقيق الايمان:
فالايمان قول وعمل واعتقاد، والصبر من الايمان، وقد دل على ذلك القرآن..
فكل ما أمر الله به بعد ندائه بـ {يا أيها الذين آمنو} دليل على دخوله في مسمى الايمان.
ودلت على ذلك سنة خير الأنام.. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الايمان: الصبر والسماحة» [أحمد].
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : «الصبر نصف الايمان» [رواه الطبراني في الكبير]
تحقيق الاخبات: والاخبات الخضوع.
قال تعالى: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ* الَّذِينَ اِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 34-35].
تحقيق الصدق والتقوى:
قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ اِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة 177].
والبأساء: حال الفقر، والضراء: حال المرض.
تحقيق الهداية:
قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه (11)} [التغابن].
قال ابن مسعود رضي الله عنه : «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم» [رواه البيهقي في الشعب والسنن].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الصبر ضياء» [رواه مسلم]. أي: لا يزال صاحبه مستضيئاً به ومهتدياً مستمراً على الصواب.
ومما قاله علي رضي الله عنه في الصبر: «الصبر مطية لا تكبو».
وقال عمر رضي الله عنه : «وجدنا خير عيشنا بالصبر».
وذلك لأن به هداية القلب وراحة البال.
التمكين:
قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي اِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُو} [الأعراف 137].
وقال: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة 24].
نيل الرحمة:
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ اِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا اِنَّا لِلَّهِ وَاِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155- 157].والصلوات المغفرة كما قال الطبري رحمه الله.
تكفير السيئات:
قال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء 123].
وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: كل سوء عملنا جزينا به؟ وأينا لم يعمل سوء؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به» [أحمد].
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا اِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
والنصب: التعب. والوصب: الوجع.
وعند أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِي مَالِهِ وَفِي وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ».
وله في صحيح البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»
الأجر الجزيل:
قال تعالى: {انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر 10].
وفي سنن الترمذي عن عَنْ جَابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ».
وقد جمع الله بين المغفرة والأجر الجزيل للصابرين في آية فقال: {اِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)} [هود].
معية الله :
قال تعالى: {اِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153، والأنفال: 46].
وقال: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249، والأنفال: 66]
محبة الله:
قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]
الجنة:
قال تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} [آل عمران].
وفي الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعطاء رحمه الله: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قال: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: اِنِّي أُصْرَعُ، وَاِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: «اِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَاِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»؟ فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: اِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
فمن صبر فله الجنة لقوله: «اِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ».
والصبر يرفع العبد درجات عالية في الجنة:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ان الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه اياها» [رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه].
ولهذه الثمار كلها قال نبينا صلى الله عليه وسلم -في الصحيحين- : «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».
فما أوسع العيش به وبالأمل، وما أضيقه بدونهما!
مجالات الصبر
* الصبر على عبادة الله
فالعبادة –كما مر معنا- لا يوفق العبد اليها الا بالصبر، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّ} [مريم 65].
فالصلاة تحتاج الى الصبر، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَ} [طه 132].
والحج يحتاج الى صبر، ولذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم جهادا.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى الله مما يحتاج الى صبر، قال تعالى-حاكياً عن لقمان-: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ اِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان 17].
وقال في المدثر: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)}.
وفي المزمل: {يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ اِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) اِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) اِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ اِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا اِلهَ اِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (10)}.
وطلب العلم كذلك، قال تعالى-عن موسى وفتاه في سورة الكهف-: { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ اِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لم تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي اِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)}.
العفة هي الصبر عن الشهوة المحرمة، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِاِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِاِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَاِذَا أُحْصِنَّ فَاِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)} [النساء]. والمعنى: والصبر عن نكاح الاماء مع العفة أولى وأفضل.
والصوم يحتاج الى الصبر، ولقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم رمضان شهر الصوم..
* الصبر عن المعصية
واذا ذكر هذا النوع من الصبر ذكر الكريم يوسف عليه السلام، الذي راودته المرأة الجميلة، وهددته وتوعدته، وبدأته وأفصحت عن رغبتها، وكان شابا غريبا قويا، وانغلقت الأبواب فأمنا من دخول أحد عليهما، مع ذلك كله كان رده على طلبها: {معاذ الله}..
* الصبر على الابتلاء
قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)} [العنكبوت].
وهنا يندرج من الأفراد ما يحصيه الا رب العباد...
* الصبر على فقد الأحبة:
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ اِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا اِنَّا لِلَّهِ وَاِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة].
وعند النسائي حديث نبينا صلى الله عليه وسلم : «ان الله لا يرضى لعبده المؤمن اذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة».
وفي سنن الترمذى، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «اِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ»..
* الصبر على المرض
قال صلى الله عليه وسلم : «لا يمرض مؤمن ولا مؤمنة، ولا مسلم ولا مسلمة، الا حط الله عنه من خطاياه» [أحمد].
وقال: «المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر» [رواه ابن أبي الدنيا].
وفي صحيح مسلم قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفِينَ»؟ -ترعدين- قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا. فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَاِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
وفي صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اِنَّ اللَّهَ قَالَ: اِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ». يُرِيدُ عَيْنَيْهِ..
* الصبر على قلة ذات اليد وشظف العيش
قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} [البقرة]
البأساء: الفقر، والضراء: المرض، حين البأس: عند مجابهة العدو..
* الصبر على جهاد الأعداء
قال تعالى في آخر آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وقال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) اِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى اِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)} [آل عمران].
وقد سأل رجل نبي الله صلى الله عليه وسلم : أَرَأَيْتَ اِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، اِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ قُلْتَ»؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ اِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، اِلَّا الدَّيْنَ، فَاِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِي ذَلِكَ» [صحيح مسلم]..
* الصبر على تربية البنات
ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا اِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ»..
* صبر الزوجة على زوجها، وصبره عليها
فقد قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، اِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» [مسلم].
وتصبر الزوجة على زوجها لتستقيم الحياة، ولئلا يقع ما يحبه الشيطان منا..
* الصبر على التكسب لاعالة الأسرة
ورد في معجم الطبراني، عَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «اِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ».
أوصــاف
اننا من خلال النظر في أمر الصبر نستطيع أن نخرج بأوصاف لابد أن تلازم الصبر ليكون الصبر صبراً جميلا...
الصفة الأولى: انما الصبر عند الصدمة الأولى
صدمة الألم... صدمة الاعراض والتكذيب... صدمة المواجهة من أعز قريب.
فلا جزع ولا تسخّط... بل ايمان ورضا... وتفاؤل وأمل!
الداعية الى الله... لا يدعو لذاته وفكره وخلقه ومبدأه...
انما دعوته ربانية سماوية (قل هذه سبيلي أدعو الى الله...)
وهذه الدعوة الربانية هذا هو طريقها... (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم
مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا...)
لكن كيف تقابل هذه البأساء، وهذه الضراء، وهذه الزلزلة...؟!
تقابلها بالصبر... والصبر الجميل عند الصدمة الأولى الذي لا سخط معه ولا جزع.!
الصفة الثانية: صبر يورث الثبات...!
فلا ييأس أو يفتر... بل صبرا يزيده ثباتا على المبدأ... وقوة في الطرح... وتجددا في الأسلوب والوسيلة سرا وجهارا... اعلانا واسرارا... جدالاً وحوراً... بالحكمة والموعظة الحسنة...!
دعوة لا تعرف الفتور أو الانطفاء بمجرد همزة أو لمزة أو صلب على خشبة الاعدام...!
دعوة لا تنهزم من واقع مرير...!
انما هي دعوة الحريص المشفق (حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)
ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم...! انه الصبر الجميل... صبر يورث الثبات.
الصفة الثالثة: صبر الاختيار لا الاضطرار...!
صبر في عزة لا ذلة في قهر...!
الداعية يمنع نفسه من الغضب لذاته، في سبيل ان يبلغ دعوته...!
لكن اذا انتهكت محارم الله فلا ذلّة في المواجهة...
وكثيرا ما يخلط بعض الدعاة بين حقيقة الصبر والقهر...
يظن القهر صبراً... والذلّة حمدا وفخرا...
كيف السبيل إلى الصبر؟
يكون السبيل إلى الصبر بأمور:
أما الصبر على الطاعة فباستحضار ثوابها وفضلها..
وأما الصبر على المحرمات فباستحضار عقوبة المعاصي ومخالفة أمر الله تعالى..
وأما الصبر على البلاء فيتحقق بأمور، منها:
1/ التأمل في سير الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين
قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» (الأحقاف 35).
وقال: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)» (الأنعام)، وقال: «قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)» (إبراهيم).
وقال: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)» (الأنعام).
وقال: «وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)» (الأنبياء).
وفي شأن إسماعيل عليه السلام -أيضاً- في قصة الفداء: «قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)» (الصافات).
وقال عن أيوب عليه السلام: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)» (ص).
لقد مرض عليه السلام سنوات طويلة، جفاه الناس فيها، وافتقر بعدما كان ذا مال وفير، ولم يبق جزء سالم في بدنه سوى لسانه وقلبه، عملت زوجته خادمةً في البيوت لتطعمه، ولما صدَّها الناس خوفاً من أن تنقل إليهم مرض زوجها باعت شعر رأسها، فلما رأى أيوب عليه السلام رأسها تضرع لله فكانت العافية بعد الضراء، والفرج بعد البلاء.
وقال عن يعقوب عليه السلام: «قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)» (يوسف).
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قِسْمَةَ حُنَيْنٍ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
وفي مسند الإمام أحمد قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
ويقتدى بالأولياء الصالحين، قال تعالى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)» (آل عمران).
2/ الدعاء
وفي القرآن الكريم في موضعين: «ربنا أفرغ علينا صبراً».
ولا تعارض بين هذا وبين الأحاديث التي ندب فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى سؤال العافية..
فالمرء قبل البلاء يسأل الله العافية، فإذا نزل البلاء كان على قسمين:
أ- بلاء يرجى زواله، فنسأل الله تعالى عنده العافية والصبر.
ب- وبلاء لا يرجى زواله كموت أحد، فهنا نسأل الله الصبر.
ويسأل العبد ربه أن يصبره على العبادة، وعلى ترك المحرمات. أما سؤال الصبر على البلاء ابتداء فهو متضمن لسؤال البلاء، لأن الصبر مرتب عليه، ولهذا لا ينبغي.
3/التفكر في ثمراته.
4/ الصلاة
قال تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)» (البقرة).
وقال: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)» (البقرة).
وفي تفسير الطبري رحمه الله أن ابن عباس رضي الله عنهما لما نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر استرجع، ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ».
5/ أنّ تعلم أنّ الله قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم.
رســــالة الى كل مُبتلى كيـف تنال الفضل العظيم وتصير من عباد الله الصابريـن؟
البــــلاء سُنَّة الله الجارية في خلقه؛ فهناك من يُبتلى بنقمة أو مرض أو ضيق في الرزق أو حتى بنعمة .. فقد قضى الله عزَّ وجلَّ على كل انسان نصيبه من البــــلاء؛ قال تعالى {اِنَّا خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعا بَصِيرا * اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ اِمَّا شَاكِرا وَاِمَّا كَفُورا} [الانسان: 2,3] .. فمنهم من سيفهم حكمة الله تعالى في ابتلائه، فيهون عليه الأمر .. ومنهم من سيجزع ويتسخَّط، فيزداد الأمر سوءا عليه .. وهذه رســــالة الى كل مُبتلى، وكل الناس مُبتلى ومُصاب .. هوِّن على نفسك، فمهما كانت شدة البلاء سيأتي الفرج من الله لا محالة . كان محمد بن شبرمة اذا نزل به بلاء، قال «سحابة صيف ثم تنقشع» [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (19:2)]. فكيــــف تنــــال هذا الفضل العظيــــم وتصير من عبــــاد الله الصــابريـــن؟؟ اعلم انك لن تتحصل على الصبر الا بالتدريب .. قال رسول الله «.. من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر» [متفق عليه] .. وعلى قدر استعدادك، يكن صبرك على المشاكل والابتلاءات التي تعتريك في الطريق .. فعليك أن تستعد بأخذ الأسباب وخطوات التصبر التالية؛ حتى يهون عليك البلاء وتنال عظيم الثواب
معرفة الحكمة من البـــلاء .. فالله سبحانه وتعالى يبتلي ليُهذب لا ليُعذب .. فعليك أن تفهم لماذا يبتليك الله تعالى ..
1) البلاء في حق المؤمن كفارة وطهور .. فقد نُبتلي بذنوبنا ومعاصينا؛ كي يُكفِّرها الله عزَّ وجلَّ عنا فلا نقابله بها، ويوم القيامة ستتمنى لو أنه قد أعطاك المزيد من الابتلاءات في الدنيـــا..
1-
عن النبي قال «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفَّر الله بها من خطاياه» [متفق عليه] ..
2 البـــلاء دليل حب الله للعبد .. والمُحِب لا يتضجر من فعل حبيبه أبدا، قال رسول الله «اذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع» [رواه أحمد وصححه الألباني] .. وقال رسول الله «مَنْ يُرِد الله به خيرا يُصِبْ منه» [صحيح البخاري ].
3) البـــلاء يُبلغك المنازل العلا .. برفقة النبي محمد ، فالعبد تكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه اياها .. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله «ان الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه اياها» [رواه أبو يعلى وابن حبان وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب (3408)] ..
وهكذا يكون حال المؤمن ما بين الابتلاءات ونزول الرحمات حتي يُلاقي الله عزَّ وجلَّ، أما الكافر فاذا أخذه لم يفلته .. وكم في البلية من نعمةٍ خفية .. وليس معنى هذا أن تتمنى البـــلاء، ولكن عليك أن تسأل الله العفو والعافيــة.
2-
تذكَّر أحوال الأشد منك بلاء .
قال سلام بن أبى مطيع: دخلت على مريض أعوده، فاذا هو يئن .. فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم، قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك، فسمعته يقول لنفسه: اذكري المطروحين في الطريق، اذكري من لا مأوى له ولا له من يخدمه. [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (22:27)]
3-
تلقى البـــلاء بالرضا بقضــاء الله وقدره .
وهذا من أعظم ما يُعين العبد على المصيبة، قال تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ اِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا اِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]
فالبلاء من قدر الله المحتوم، وقدر الله لا يأتي الا بخيـــر.
4-
الجزع وعدم الرضا لا ينفعا .. فالتحسر على المفقود لا يأتي به ..
كان يحيي بن معاذ يقول «يا ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟!، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟!» [صفة الصفوة (2:295)].
5-
معرفة طبيعة الدنيـــا وأنها دار عنــاء .
فالدنيـــا بمثابة القنطرة التي تعبر بها الى الدار الآخرة، فلا تحزن على ما فاتك فيها ..
قال ابن الجوزي «أما بعد؛ فاني رأيت عموم الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجا يزيد على الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت! .. وهل ينتظر الصحيح الا السقم؟، والكبير الا الهرم ؟، والموجود سوى العدم ؟!» [تسلية أهل المصائب (1:71)] .
6-
معرفة ثواب الصبر العظيم ..
وحينها يهون عليك كل بــلاء، قال تعالى {.. اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]
7-
ثِق بحدوث الفرج من الله سبحانه وتعالى ..
اذا رأيت أمرا لا تستطيع غيره، فاصبر وانتظر الفرج .. قال تعالى {فَاِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا * اِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا} [الشرح: 5,6].
8-
استعن بالله والجأ اليه واطلب منه المعونة .واسأله أن يُلهمك الصبر والرضـــا بقضائه؛ كي يهون عليك البلاء وتنجح في الامتحــان الذي يورثك الجنة ان شاء الله تعالى .
فلابد من التوكل والاستعانة، كي تنال الصبر .. قال الله تعالى {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ اِلَّا بِاللَّهِ ..} [النحل: 127].
9-
انما الصبر عند الصدمة الأولى ..
عن أنس قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر، فقال «اتقي الله واصبري»، قالت: اليك عني، فأنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه فقيل لها انه النبي . فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال «انما الصبر عند الصدمة الأولى» [متفق عليه].
10-
ترك التشكي . فينبغي أن تحفظ لسانك عن الشكوى لأي أحد، سوى الله عزَّ وجلَّ ..
بُث شكواك الى مولاك، كما فعل نبي الله يعقوب عليه السلام عندما قال {قَالَ اِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي اِلَى اللَّهِ ..} [يوسف: 86].. وكان ميمون بن مهران يقول «اِنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُوْنَ وَلاَ يَغْفِرُوْنَ، وَالله يَغْفِرُ وَلاَ يُعَيِّرُ» [سير أعلام النبلاء (9:81)].
11-
ايـــــاك والغضب عند البــــلاء . فان الغضب ينافي الصبر، قال تعالى {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ اِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]
12-
لا تستعجل . فوِّض أمرك الى الله وخذ بالأسباب، ولا تستعجل فكلٌ يأتي بقدر..
13-
لا تيأس وتستسلم لتثبيط الشيطان .
لا تيأس مهما كانت شدة البـــلاء، فانه دائما يبدأ كبيرا ثمَّ يتلاشى .. وقد قال الله تعالى {.. وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].
14-
التأمل في قصص الصابرين .
فأي بلاء قد تتعرض له، فقد تعرض النبي لمحن وابتلاءات أشد منه .. وكان خير الصابرين والشاكرين والحامدين .. فتأمل في صبره وصبر الصالحين من قبله وبعده .
مسك الختـــام، قول الله تعالى تسلية لكل مُبتلى {.. لَا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ..} [النور: 11]
الأمر بالصبر
أمر به الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: {فاصبر ان وعد الله حق}، وقال: {فاصبر على ما يقولون}.
وأمر به لقمان ابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ اِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}
وأمر به الله عباده:
قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَاِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}.
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ اِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
وفي آخر آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.