مقال / إيران - عرب

تصغير
تكبير
هناك عداوات عربية لايران بعضها قديم وبعضها جديد، لاسباب وجيهة واسباب غير وجيهة، وهناك صداقات لإيران قديمة وجديدة، مبدأية وانتهازية، وبعض الصداقات المبدئية لا يبخل بنقد ايران والاعتراض عليها من دون أن يقطع، أو يقطع ثم يرجع... ولكني سمعتها باذني من حاكم عربي يعرفه كبار من أهل الحكم في ايران، حرصه على التفاهم مع طهران، من دون وقوف الا قليلاً، عند ما يتعرض له من تهم تأتي عادة من أطراف عربية محسوبة على طهران. قال وكان أحد كبار رجال العراق في زيارة له... قال: من قال اننا نريد أن تكون ايران ضعيفة؟ ضعفها ضعف لنا وكذلك قوتها... ونحن الرعيل الأول من حاضني الثورة والثوار، مؤمني ما قبل الفتح، نريد خيراً لإيران القادرة على فعل الخيرات لجيرانها وأصدقائها العرب وغير العرب، ولكننا ومن أجل ذلك، نريد اولاً الخير لها ولشعبها، حتى اذا كان شعبها بخير، كان حقنا قد وصلنا، حتى لو لم يصلنا شيء، لا مال ولا سلاح، فإن وصلنا مال تنموي وحتى استثماري، لا ريعي ولا زبائني، كان خيراً على خير... وبناء على نوايانا الخيرة، نريد لإيران أن تعود الى ايران، بعيداً عن المأزق السوري واللبناني والعراقي واليمني والفلسطيني وغيره، لتتعامل معه عبر مداخله وقوانينه الداخلية، محكومة بالطموح لا بالطمع، وبالشراكة والدور لا النفوذ والهيمنة، وإيران العامرة المرفهة، ايران العدالة والنهوض والنمو والحرية والعدالة والوحدة والديموقراطية، هي مرتجانا واحتمالنا الضروري والقلق.

ان قوة ايران، لا استقواؤها، قوة للعرب. وقوة اي دولة عربية رقم اضافي في رصيد ايران، يلزمها بالمحافظة عليه، لها ولغيرها، على أن تأخذ في اعتبارها ان فلسطين مشترك لا يقبل القسمة ولا الاحتكار عبر الاختراق، ان قسمة فلسطين بكل الاغراءات الجذابة للمتعجلين او المخاطرين، الذين يصرون على قطف الثمرة قبل نضجها، لتكون لهم وحدهم، هذه القسمة تلغي شراكة ايران في الهم الفلسطيني وتصبح مصدراً للهموم... ايران قادرة ان تقدم نموذجاً يحتذى، من خلال مراجعات أصبحت لازمة، كما اصبح لازماً الا تذهب ايران بعيداً في الورم او التضخم الاستراتيجي، لأن من فعلها سابقاً عندما استشعر قوة فائقة لديه وضعفاً ظاهراً لدى خصومه، خسر كل شيء، والنماذج كثيرة ومعروفة، من برلين الى موسكو وواشنطن ولندن الخ... ايران ليست في حاجة الى السلاح في لبنان، إلا في حدود الشراكة المنظمة بين «حزب الله» والدولة اللبنانية، على استراتيجية دفاعية عن حدود الكيان واستقلاله، مع التسليم بآمرية الدولة عبر مؤسستها السيادية، وتوثيق ذلك والحفاظ عليه، بعيداً عن مناطق النزاع، طبعاً مع جاهزية للشراكة الفاعلة والمميزة في اي قرار عربي مدروس للمواجهة الميدانية في اي لحظة... ان سلاح «حزب الله» في لبنان، ومن أجل فلسطين وإيران، عليه أن يستثمر التحرير في بناء الدولة وشراكته مسلمة لا يجادل فيها أحد، اما اعتبار السلاح ملكاً يخضع لارادة مالكه وحدها، فهو خطر على الجميع.


لابد من شهادة للتاريخ على حقائق تبدلت من دون شك. فحتى النظام العراقي في زمن احمد حسن البكر تعاون ولم يضيق كثيراً مع الثورة الإيرانية من خلال فريق عمل الإمام الخميني في النجف وروحاني ومحتشمي وغيرهما إن كان النظام هذا قد باع كل شيء حتى شط العرب للشاه في اتفاقية الجزائر عام 1975... والتي مايزال الحكم في ايران متمسكاً بها ويصر على تطبيقها بحذافيرها.

وعندما نجحت الثورة وبدأ النظام العراقي وحزب البعث التابع له بالحرتقة على ايران فطلب مني أصدقاء ناصحون ان أكلم قيادة البعث في لبنان لإيصال رسالة الى القيادة العليا في العراق، أو نصيحة، وقد نسيت أو تناسيت، ان أي قيادي قطري أو قومي، لا يستطيع سماع نصيحة بهذا المستوى، واذا سمع كرر رجاءه لك مع دمعة في عينه، الا تخبر احداً انك كلمته في الأمر، اما ان ينقل فهذا سابع المستحيلات.

وقلت للصديق البعثي: يا عمي قل لقيادتك هذا الخميني مرجع ديني يحب العراق الذي له جميل عليه كبير سياسي وعلمي وأمني إلا وفياً مهما اختلفت معه. فقال قيادتي لا تؤمن بذلك واسقاط الشاه جعلها في قلق... ومن هنا وعندما احتدمت المعركة مع نظام الشاه عجل صدام حسين بإسقاط البكر ونفي الخميني. ونحن، أعني المعتدلين من أهل النصح والغيرة على الجميع، نذكر ان الشعوب العربية بعضها تقدم جداً على نظامه في تأييد الثورة وكان معها في محنتها في الحرب العراقية - الايرانية مع ميل شديد الى التوازن بسبب مكانة العراق في نفوس الشعوب العربية ورغم الانقسام العربي عليها، ظلت الوفود العربية الاسلامية والوطنية تتدفق على ايران في كل المناسبات منتصرة لها وساكتة أو ناقدة، واذكر حيث كنت حاضراً في تفاصيل الحياة السياسية في ايران حتى اواخر الثمانينات كيف عجلت دولة الكويت في ارسال وفد عال منها هنأ الثورة وقياداتها ووضع امكاناته في خدمة المصالح المشتركة (قبل احتلال صدام للكويت) ولم تتأخر المملكة العربية السعودية عن مثل هذه الخطوة... لم يتأخر أحد، وكنت شخصياً رفيق الرئيس ياسر عرفات والرئيس محمود عباس والسيد هاني الحسن في أول طائرة حطت في مطار طهران بعد الثورة بأيام، وكان أبو عمار فيها ممثلاً لكل العرب... وانتظرتنا طائرة المرحوم الشيخ زايد بن سلطان يوماً كاملاً في مطار طهران لتنقلنا بعد عودتنا من خراسان والأهواز الى قصر البطين حيث قال الشيخ زايد كلاماً قليلاً وبسيطاً كالذهب وقال لا نريد ان نحل مشكلة الجزر بمشكلة اخرى والزمان واسع والجغرافية ثابتة وليست الجزر قطعة سجاد يلفها احد ويأخذها الى منزله. هذا تذكير يمليه الخوف من مشهد ينذر بالويل والتدابر بدل التواصل، فهل من مذّكر؟
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي