العروة الوثقى / الإخبار عن كمال علم الله

| u0627u0644u062fu0643u062au0648u0631 u0648u0644u064au062f u0645u062du0645u062f u0627u0644u0639u0644u064a |
| الدكتور وليد محمد العلي |
تصغير
تكبير
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام،

فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.

ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.

وإنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان؛ وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: أنَّه لمَّا تقدَّم الإخبار عن كمال علم الرَّبِّ تبارك وتعالى المُحيطِ بجميع المخلوقات: أخبر الله سُبحانه وتعالى بأنَّه وحده المُستأثر بمعرفة ما غيَّبه عن خلقه من المُغيَّبات.

فكلُّ من ادَّعى معرفة شيءٍ من علم الغيب من غير طريق الوحي فقد ظلم وأساء، لمُخالفته لقول الرَّبِّ تبارك وتعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}.

إذ كيف يُحيط المخلوقُ الصَّغير؛ علماً وإدراكاً بالخالق الكبير؟ فالخالق سُبحانه وتعالى جبَّارٌ والمخلوق كسيرٌ، والخالق سُبحانه وتعالى عزيزٌ والمخلوق حقيرٌ، والخالق سُبحانه وتعالى غنيٌّ والمخلوق فقيرٌ، فسُبحان الله وبحمده؛ وسُبحان الله العظيم، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}.

فلا يُحيط أحدٌ من العباد بعلم الرَّبِّ تبارك وتعالى الذي غيَّبه، ولا يطَّلع عليه من غير رضاه لا نبيٌّ أرسله ولا مَلَكٌ قرَّبه، {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}.

فهذا نبي الله نوحٌ عليه السَّلام وهو أوَّل رسولٍ إلى العالمين؛ ينفي دعوى معرفة الغيب لئلا يكون من الظَّالمين، فيقول لقومه: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}.

وهذا رسول الله تعالى مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو خاتم النَّبيِّين؛ لو كان يعلم الغيب لما مسَّه بسوءٍ أحدٌ من العالمين، {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

فإذا كان الله عزَّ وجلَّ قد نفى معرفة الغيب عن الملائكة المُقرَّبين، وتبرَّأ من دعوى هذا العلم صفوة الخلق من الأنبياء والمُرسلين، فما الظَّنُّ بمن دونهم من الصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين؟

وهذا الخليفة أبوبكرٍ الصِّديق؛ المُعتصم بحبل الصِّدق الوثيق؛ يُقرُّ بهذا المعنى على التَّحقيق، فقد أخرج البيهقيُّ عن يوسف بن مُحمَّدٍ رحمه الله تعالى قال: (بلغني أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه أوصى في مرضه، فقال لعثمان رضي الله عنه أكتب: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا ما أوصى به أبوبكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدُّنيا خارجاً منها؛ وأوَّل عهده بالآخرة داخلاً فيها، حين يصدق الكاذب؛ ويُؤدِّي الخائن؛ ويُؤمن الكافر: أنِّي استخلف بعدي: عمر بن الخطَّاب، فإن عدل: فذلك ظنِّي به ورجائي فيه، وإن بدَّل وجار: فلا أعلم الغيب، ولكُلِّ امرئٍ ما اكتسب، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}).

ومن أعظم المُغيَّبات التي استأثر الله تعالى بها فلم يعلمها إنسٌ ولا جانٌّ: أصول الغيب الخمسة التي نصَّ الله تعالى عليها في خاتمة سُورة لقمان، فعن عبدالله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (مفاتح الغيب خمسٌ: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}) أخرجه البُخاريُّ.

ففي قول الرَّبِّ تبارك وتعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}: عَلَمٌ من أعلام استحقاق الله عزَّ وجلَّ لكمال الأُلوهيَّة فلا يكون شيءٌ إلا إذا شاء.

فلا يُحيط أحدٌ في السَّماوات والأرض بشيءٍ ممَّا يعلمه الله تعالى إلا بما شاء، ولا يُحيط أحدٌ في السَّماوات والأرض بشيءٍ من أسماء الله وصفاته إلا بما شاء.

فكلُّ من ادَّعى معرفة شيءٍ من علم الغيب من غير طريق الوحي فقد ظلم وأساء، لمُخالفته لقول الرَّبِّ تبارك وتعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}.

العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريب

كلية الشريعة - جامعة الكويت
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي