العروة الوثقى

u0627u0644u062fu0643u062au0648u0631 u0648u0644u064au062f u0645u062du0645u062f u0627u0644u0639u0644u064a
الدكتور وليد محمد العلي
تصغير
تكبير
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام، فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.

ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.

عظم حرمة شهادة التوحيد

وإنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان؛ وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: عظمَ حُرمةِ شهادة التَّوحيد لا إله إلا الله وكذا حُرمةِ من شهد بها حقاً، فما أجلَّ هذه الكلمة الطَّيِّبة وأجلَّ فضلَها وفضلَ من نطقَ بها وصدقاً، فقد أخرج البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أُسامة بن زيدِ بن حارثةَ رضي الله عنهما قال: (بعثنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحُرَقَةِ من جُهينة، فصبَّحنا القومَ فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً منهم، فلمَّا غَشِينَاهُ قال: لا إله إلا الله. فكفَّ عنه الأنصاريُّ، وطعنتُه برُمْحِي حتَّى قتلتُه. فلمَّا قدمنا بلغَ ذلك النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال لي: يا أُسامة؛ أقتلتَه بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله؛ إنَّما كان مُتعوِّذاً. فقال: أقتلتَه بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ فما زال يُكرِّرها عليَّ؛ حتَّى تمنَّيتُ أنِّي لم أكن أسلمتُ قبلَ ذلك اليوم).

إنَّ شروط (لا إله إلا الله) التي يجب على كلِّ عبدٍ أن يستكمل معرفتَها: هي سبعةُ شروطٍ بيَّنت الدَّلائلُ الشَّرعيَّةُ مُقتضياتها ومعانيها وعدَّتَها.

فأوَّلُ ذلك علمُ القائلِ بمعناها؛ المُصاحبُ لنُطقِه ولفظِه بمبناها، وثاني ذلك يقينُه المُنافي لشكِّه وريبِه؛ فيتوافق نُطقُ لسانِه مع استيقانِ قلبِه، وثالثُ ذلك قبولُه بمُقتضاها؛ المُضادُّ لحالِ من ردَّها وأباها، ورابعُ ذلك انقيادُه لجميع ما دلَّت عليه؛ المُنافي لتركِه حقيقةَ ما أرشدت إليه، وخامسُ ذلك صدقُه في الأَخْذِ بِفحواهَا؛ المُباينُ من كلِّ وجهٍ للكذبِ في دعواها، وسادسُ ذلك إخلاصُه فيها مع حُسنِ نِيَّتِه؛ المُنزَّهُ عن شوائبِ شركِه وبدعتِه ومعصيتِه، وسابعُ ذلك المحبَّةُ لها والمُوالاةُ لأهلِها العاملينَ بهُداها؛ وبُغضُ من عبدَ هواهُ ولم يلتزم بشُروطها وعاداها.

فمن أحاط بهذه الشُّروط علماً وعملاً فهو الموعود بالجنَّة؛ والمُبشَّرُ على الأخذ بها بقُوَّةٍ بالفضل والإحسان والمنَّة، فقد أخرج البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (أتيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو نائمٌ؛ عليه ثوبٌ أبيضُ، ثُمَّ أتيتُه فإذا هو نائمٌ، ثُمَّ أتيتُه وقد استيقظ، فجلستُ إليه فقال: ما من عبدٍ قال: لا إله إلا الله؛ ثُمَّ مات على ذلك إلا دخل الجنَّة. قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. ثُمَّ قال في الرَّابعة: على رغم أنفِ أبي ذرٍّ. فخرج أبو ذرٍّ وهو يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرٍّ).

فكما أنَّ الشَّاهد بها بحقٍّ مبشَّرٌ بجنَّاتِ النَّعيم؛ فكذلك قد حُرِّمت على جسده نار الجحيم، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: (أنَّ نبيَّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعاذُ بنُ جبلٍ رديفُه على الرَّحْلِ فقال: يا مُعاذُ. فقال: لبَّيك رسولَ اللهِ وسعديك. قال: يا مُعاذُ. فقال: لبَّيك رسولَ اللهِ وسعديك. قال: يا مُعاذُ. فقال: لبَّيك رسولَ اللهِ وسعديك. قال: ما من عبدٍ يشهدُ أن لا إله إلا اللهُ؛ وأنَّ مُحمَّداً عبدُه ورسولُه: إلا حرَّمه الله على النَّار. قال: يا رسول الله؛ أفلا أُخبر بها النَّاس فيستبشروا؟ قال: إذا يتَّكلُوا. فأخبر بها معاذٌ عند موته تأثماً) أخرجه البُخاريُّ ومُسلمٌ.

قال كَثِيرُ بن مُرَّة رحمه الله تعالى: قال لنا معاذٌ رضي الله عنه في مرضه: قد سمعت من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شيئاً كنت أَكْتُمْكُمُوه، سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنَّة) أخرجه أحمد في مُسنده.

فهذه بعض فضائل شهادة لا إله إلا الله؛ التي هي أفضلُ ما يُعدُّه العبد للقاء الله، وإنَّ ذكر الربِّ الجليل؛ والثَّناء عليه بالتَّهليل: منه ما مُقيَّدٌ وخاصٌّ في بعض المُناسبات؛ ومنه ما هُوَ مُطلقٌ وعامُّ في سائر الأوقات، فمن التَّهليل المُتعلِّق ببعض المُناسبات: عند الأذان وعند التَّشهُّد بالصَّلوات، وعند استفتاح الصَّلوات؛ وفي ذكر أدبار الصَّلوات، وفي مواطن حجِّ بيت الله الحرام؛ لا سيَّما عرفة وهُو أشرف الأيَّام، وفي أذكار المساء والصَّباح، وتقال عند خُطبة النِّكاح، وعند الرُّجوع من الأسفار، وكذا عند ساعة الاحتضار، وكذا تُقال هذه الكلمة عند دُخول الأسواق، وكذا عند رُؤية أشراط السَّاعة قبل يوم التَّلاق، وكذلك تُقال عند الفتن والكُروب، وعند الحلف بغير الله علام الغُيوب.

العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريب

* كلية الشريعة - جامعة الكويت
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي