الدليل الفقهي
| الدكتور عبدالرؤوف الكمالي |
هذا تلخيص وتهذيب, لكتاب الطلاق, من كتاب العلامة الصنعاني: «سبل السلام شرح بلوغ المرام», بعد أن نشرنا في العام السابق كتاب النكاح منه, و«البلوغ» هو للامام الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب الكتاب الفذ: «فتح الباري شرح صحيح البخاري», اجتهدت في تسهيل عرض مسائله, وما زدته من اشياء يسيرةٍ جعلته بين معقوفين, فأسأل الله تعالى أن ينفعنا جميعا به, وأن يجعله في موازيننا يوم نلقاه.
حكم التطليقات الثلاث في مجلسٍ واحدٍ
اختلف العلماء في إرسال الثلاث تطليقات في مجلسٍ واحدٍ (مِن حيث وقوعُها وعدمُه) على أربعة أقوال:
الأول: أنه لا يقع بها شيء؛ لأنها طلاق بدعةٍ, وتقدم ذكرهم وأدلتهم.
الثاني: أنه يقع به الثلاث. وإليه ذهب عمر وابن عباس وعائشةَ, وهو رواية عن عليٍّ, وقول الأئمة الأربعة وجمهورِ السلف والخلف.
واستدلوا بآيات الطلاق؛ وأنها لم تفرق بين واحدةٍ ولا ثلاث.
وأجيب بما سلف أنها مطْلَقاتٌ تحتمل التقييد بالأحاديث.
واستدلوا بما في الصحيحين: «أن عُوَيْمِرًا العجلانيَّ طلَّق امرأته ثلاثًا بحضرته صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه», فدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها.
وأجيب بأن هذا التقرير لا يدل على الجواز، ولا على وقوع الثلاث؛ لأن النهي إنما هو فيما يكون في طلاقٍ رافعٍ لنكاحٍ كان مطلوبَ الدوام, والملاعنُ أوقع الطلاق على ظن أنه بقيَ له إمساكها ولم يعلم أنه باللعان حصلت فرقةُ الأبد, سواء أكان فراقه بنفس اللعان أم بتفريق الحاكم، فلا يدل على المطلوب. واستدلوا بما في المتفق عليه – أيضًا - في حديث فاطمة بنت قيس: « أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، وأنه صلى الله عليه وسلم لما أُخبِر بذلك قال: ليس لها نفقة وعليها العدة». قالوا: وعدم استفصاله صلى الله عليه وسلم: هل كان في مجلسٍ أو مجالسٍ دال على أنه لا فرق في ذلك.
وأجيب بأنه ليس في الحديث تصريحٌ بأنه أوقع الثلاث في مجلسٍ واحد، فلا يدل على المطلوب, وأما أنه لم يستفصل؛ فلأنه كان الواقع في ذلك العصر غالبًا عدمَ إرسال الثلاث كما تقدم.
[قلت: والأحسن في الجواب مما سبق كلِّه: أنه ثبت في الرواية أنه بعث بالطلقة الثالثة التي بقِيت له].
ومثل هذا: ما استدلوا به من حديث عائشة: «أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت فطلق الآخر, فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ قال: لا؛ حتى يذوق عُسَيلتها» أخرجه البخاري.
والجواب عنه هو ما سلف.
القول الثالث: أنها تقع بها واحدةً رجعيَّةً، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس, ونصره أبو العباس ابنُ تيمية, وتبعه ابن القيم تلميذه.
واستدلوا بما مَرَّ من حديثَيِ ابن عباسٍ, وهما صريحان في المطلوب, وبأن أدلة غيره من الأقوال غير ناهضة.
القول الرابع: أنه يفرَّق بين المدخول بها وغيرِها: فتقع الثلاث على المدخول بها, وتقع على غير المدخول بها واحدةً. وهو قول جماعةٍ من أصحاب ابن عباس, وإليه ذهب إسحاق بن راهويه.
واستدلوا بما وقع في رواية أبي داود: «أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها, جعلوها واحدةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم » الحديث.
وبالقياس؛ فإنه إذا قال: (أنت طالق) بانت منه بذلك، فإذا أعاد اللفظ لم يصادف محلًّا للطلاق فكان لغْوًا. وأجيب بما مَرَّ من ثبوت ذلك في حق المدخولة وغيرها, [وأنَّ روايةَ أبي داود في التقييد بالمدخول بها ضعيفة].
واعلم أن ظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين أن يقول أنت طالق ثلاثا أو يكرر هذا اللفظ ثلاثا.
قال الصنعاني - رحمه الله -: «وقد أطال الباحثون في الفروع في هذه المسألة الأقوال، وقد أطبق أهل المذاهب الأربعة على وقوع الثلاث؛ متابعةً لإمضاء عُمَرَ لها, واشتد نكيرهم على من خالف ذلك ..., وعوقب بسبب الفتيا بها شيخ الإسلام ابن تيمية, وطيف بتلميذه الحافظ ابن القيم على جمل بسبب الفتوى بعدم وقوع الثلاث.
ولا يخفى أن هذه محض عصبيةٍ شديدةٍ في مسألة فرعية قد اختلف فيها سلف الأمة وخلفها، فلا نكير على من ذهب إلى قول من الأقوال المختلف فيها كما هو معروف, وهاهنا يتميز المنصف من غيره من فحول النظار والأتقياء من الرجال»اهـ.
(قلت: وعامة المحاكم الشرعية اليوم في البلدان الإسلامية تحكم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة, ولا شك أنها من مسائل الاجتهاد, فالكل مأجور إن شاء الله, وغفر الله لجميع علمائنا).
الاستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية
كلية التربية الأساسية
حكم التطليقات الثلاث في مجلسٍ واحدٍ
اختلف العلماء في إرسال الثلاث تطليقات في مجلسٍ واحدٍ (مِن حيث وقوعُها وعدمُه) على أربعة أقوال:
الأول: أنه لا يقع بها شيء؛ لأنها طلاق بدعةٍ, وتقدم ذكرهم وأدلتهم.
الثاني: أنه يقع به الثلاث. وإليه ذهب عمر وابن عباس وعائشةَ, وهو رواية عن عليٍّ, وقول الأئمة الأربعة وجمهورِ السلف والخلف.
واستدلوا بآيات الطلاق؛ وأنها لم تفرق بين واحدةٍ ولا ثلاث.
وأجيب بما سلف أنها مطْلَقاتٌ تحتمل التقييد بالأحاديث.
واستدلوا بما في الصحيحين: «أن عُوَيْمِرًا العجلانيَّ طلَّق امرأته ثلاثًا بحضرته صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه», فدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها.
وأجيب بأن هذا التقرير لا يدل على الجواز، ولا على وقوع الثلاث؛ لأن النهي إنما هو فيما يكون في طلاقٍ رافعٍ لنكاحٍ كان مطلوبَ الدوام, والملاعنُ أوقع الطلاق على ظن أنه بقيَ له إمساكها ولم يعلم أنه باللعان حصلت فرقةُ الأبد, سواء أكان فراقه بنفس اللعان أم بتفريق الحاكم، فلا يدل على المطلوب. واستدلوا بما في المتفق عليه – أيضًا - في حديث فاطمة بنت قيس: « أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، وأنه صلى الله عليه وسلم لما أُخبِر بذلك قال: ليس لها نفقة وعليها العدة». قالوا: وعدم استفصاله صلى الله عليه وسلم: هل كان في مجلسٍ أو مجالسٍ دال على أنه لا فرق في ذلك.
وأجيب بأنه ليس في الحديث تصريحٌ بأنه أوقع الثلاث في مجلسٍ واحد، فلا يدل على المطلوب, وأما أنه لم يستفصل؛ فلأنه كان الواقع في ذلك العصر غالبًا عدمَ إرسال الثلاث كما تقدم.
[قلت: والأحسن في الجواب مما سبق كلِّه: أنه ثبت في الرواية أنه بعث بالطلقة الثالثة التي بقِيت له].
ومثل هذا: ما استدلوا به من حديث عائشة: «أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت فطلق الآخر, فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ قال: لا؛ حتى يذوق عُسَيلتها» أخرجه البخاري.
والجواب عنه هو ما سلف.
القول الثالث: أنها تقع بها واحدةً رجعيَّةً، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس, ونصره أبو العباس ابنُ تيمية, وتبعه ابن القيم تلميذه.
واستدلوا بما مَرَّ من حديثَيِ ابن عباسٍ, وهما صريحان في المطلوب, وبأن أدلة غيره من الأقوال غير ناهضة.
القول الرابع: أنه يفرَّق بين المدخول بها وغيرِها: فتقع الثلاث على المدخول بها, وتقع على غير المدخول بها واحدةً. وهو قول جماعةٍ من أصحاب ابن عباس, وإليه ذهب إسحاق بن راهويه.
واستدلوا بما وقع في رواية أبي داود: «أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها, جعلوها واحدةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم » الحديث.
وبالقياس؛ فإنه إذا قال: (أنت طالق) بانت منه بذلك، فإذا أعاد اللفظ لم يصادف محلًّا للطلاق فكان لغْوًا. وأجيب بما مَرَّ من ثبوت ذلك في حق المدخولة وغيرها, [وأنَّ روايةَ أبي داود في التقييد بالمدخول بها ضعيفة].
واعلم أن ظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين أن يقول أنت طالق ثلاثا أو يكرر هذا اللفظ ثلاثا.
قال الصنعاني - رحمه الله -: «وقد أطال الباحثون في الفروع في هذه المسألة الأقوال، وقد أطبق أهل المذاهب الأربعة على وقوع الثلاث؛ متابعةً لإمضاء عُمَرَ لها, واشتد نكيرهم على من خالف ذلك ..., وعوقب بسبب الفتيا بها شيخ الإسلام ابن تيمية, وطيف بتلميذه الحافظ ابن القيم على جمل بسبب الفتوى بعدم وقوع الثلاث.
ولا يخفى أن هذه محض عصبيةٍ شديدةٍ في مسألة فرعية قد اختلف فيها سلف الأمة وخلفها، فلا نكير على من ذهب إلى قول من الأقوال المختلف فيها كما هو معروف, وهاهنا يتميز المنصف من غيره من فحول النظار والأتقياء من الرجال»اهـ.
(قلت: وعامة المحاكم الشرعية اليوم في البلدان الإسلامية تحكم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة, ولا شك أنها من مسائل الاجتهاد, فالكل مأجور إن شاء الله, وغفر الله لجميع علمائنا).
الاستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية
كلية التربية الأساسية