كتب قبل 5 سنوات يتنبأ بالنهاية في مقاله «فوق الأربعين» ودعا أن يحسن الله خاتمته
الإعلاميون شيّعوا عبدالله كمال لمثواه الأخير
جثمان الراحل محمولاً على الأكتاف وفي الإطار صورة الفقيد
جابر القرموطي
وائل الإبراشي
«فوق الأربعين»، هو ليس فقط عنوان لأحد مقالات الكاتب الراحل عبدالله كمال 1965- 2014، الإنسانية الرائعة التي تحدث من خلالها عن مأزق العقد الرابع من العمر وعن نفسه وحياته فقط، ولكنه كان يستشرف فيه النهاية القريبة ويعرف أنه قد لا يتخطاه، وهو الذي حقق في هذا العقد من عمره ما لم يحققه غيره، فقد كتب يقول: «كل يوم تلاحقك النصائح... لابد أن تنتبه... أنت الآن فوق الأربعين... خد بالك. أو ديره إذا كنت تنطق الكلمة بالطريقة الخليجية. لا تدخن. خفف الأطعمة. مارس الرياضة. قلل ساعات العمل. الجميع ينبهك إلى مجموعة هائلة من الملاحظات. تقريبًا لا أنفذ منها شيئًا. فأنا أدخن كثيرًا. وأعمل كثيرًا. ولا أجد وقتًا للرياضة. وأتعامل مع الأكل باستمتاع يجعلني لا أقاومه. ومن ثم فقد اقتربت النهاية وفقًا لمدونة النصائح. فاللهم أحسن خاتمتنا».
وحينما تذكره بهذا المقال وأن عليه أن يهتم بصحته قليلا، كان يضحك ضحكته الشهيرة، ويقول: «لقد نسيت».
صدمة الفراق، جعلت تلاميذه ومحبيه يشككون في الخبر، ويتساءلون: «كيف وهو الذي كتب منذ دقائق معلقا على ما يحدث في العراق، الخبر كاذب، وحين تيقنوا قالوا: «سبقتنا إلى دار الحق»، وتحولت صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» إلى سرادق كبير، كل يحكي عن ذكرى أو موقف مع الأستاذ الذي ملأ هذا الفضاء الافتراضي كتابة وتحليلا وتعليقا، وانهالت آلاف «التغريدات» التي تقدم العزاء لعدد كبير من الصحافيين والإعلاميين والسياسيين، منهم البرلماني السابق محمد أبوحامد الذي قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون وفاة الأستاذ عبدالله كمال، ندعو الله له بالرحمة والمغفرة ولأهله الصبر»، بينما قالت عضو حزب «الدستور» جميلة إسماعيل: «اللهم ارحمه برحمتك الواسعة وثبته عند الحساب وألهم زوجته وابنتيه وأحباءه الصبر على فراقه».
وعلى أبواب مستشفى كليوباترا، في ضاحية مصر الجديدة، شرق القاهرة، وقف المئات من تلاميذ كمال وأصدقائه من الإعلاميين والسياسيين ينتظرون الجثمان ليلقوا عليه النظرة الأخيرة، وفي قريته السيفا التابعة لمركز طوخ في القليوبية، كان هناك الآلاف انتظروا لساعات وصول الجثمان ليشيعوه، في ساعة متقدمة، إلى مثواه الأخير في مشهد يكشف عن مدى الحب الذي تمتع به الراحل.
وخرجت الصحف المصرية تنعى الفقيد بداية من جريدة «الوطن» التي كتب رئيس تحريرها مجدي الجلاد مقالا يرثي فيه الراحل تحت عنوان «عبدالله كمال الذي غلبني»، وخرجت «المصري اليوم» في صفحتها الأولى تقول «الموت يغيب عبدالله كمال»، وجريدة «الأهرام» وفاة الكاتب الصحافي عبدالله كمال، وجريدتي «الجمهورية» و«الدستور» عبدالله كمال في ذمة الله، وكتبت جريدة «التحرير» رحيل مفاجئ للكاتب الصحافي عبدالله كمال، وكتبت «اليوم السابع» وفاة الإعلامي عبدالله كمال إثر أزمة قلبية، كما كتبت «الشروق» وفاة الكاتب الصحافي عبدالله كمال بعد إصابته بأزمة قلبية.
ونعى موقع «دوت مصر» الذي أسسه كمال قبل أسابيع في بيان اكد فيه: تنعى «دوت مصر» ببالغ الأسى والحزن، مؤسسها ورئيس تحريرها، الأستاذ عبدالله كمال، الذي وافته المنية صباح الجمعة الماضية. وتتقدم أسرة الموقع بأحر التعازي لأسرته وأصدقائه، راجين من الله أن يسكن الفقيد فسيح جناته ويرزق أهله وذويه الصبر والسلوان.
ومن المقرر أن يقام العزاء اليوم في مسجد الرحمن الرحيم، في شارع صلاح سالم.
... ودّعنا ورحل في هدوء
إذا كانت الصحافة المصرية والعربية، فقدت مهنيا متفردا وقلما لم ينكسر أبدا وفارسا نبيلا ظل يمتطي صهوة جواده حتى آخر نفس، وسياسيا بارعا ومتحدثا متفوها... فإنني على صعيدي الشخصي فقدت أخا نبيلا وإنسانا أعرف حقا قدر إنسانيته وكرمه وجوده.
يختلف معك بنبل ويوجهك باحترام... يناقشك نقاش الواعي المدرك والعارف بأمور كثيرة وأسرار ومعلومات دقيقة.
لن أنسى أبدا مواقف كثيرة وحكايات ومطبات وإسهامات شاركنا فيها معا..وهموما تحدثنا فيها كثيرا... وأمنيات تحركنا من أجل أن تكون واقعا.
تقفز أمامي محادثتنا الهاتفية الأخيرة مساء الخميس حول ملفات تعد من أجل رمضان والمونديال... وأمور أخرى كانت كلماته تحمل مداعباته المعتادة، لم يكن هناك شيء مختلف... انتهت المكالمة على ميعاد نلتقي فيه السبت... ولكنه لم يتم ولن يتم.
نم في قبرك أخي مرتاحا... لقد أنجبت نجباء... وتركت تجارب ثرية... وكتابات قوية... وظللت تغرد وتدون وتكتب حتى وأنت تستعد للرحيل.
لن أنسى مواقفنا معا... ملحنا وعيشنا معا... مشاوراتنا، محبتنا لمعشوقة منحناها كل وقتنا وصحتنا... حتى بات وجعنا في القلب واحدا وفي الهم واحدا.
نم مرتاحا أخي... تظلك رحمة الخالق... وتشفع لك صولاتك وجولاتك وإسهاماتك، ومن أنجبتهم وعلمتهم ووقفت بجانبهم ترعاهم للأمام.
عشت نجما مضيئا ومت نجما وستبقى هكذا.
في المستشفى وجسدك يرقد كانت هناك تظاهرة كبرى في محيط المكان، لأن الذي يغادرنا كبير وعزيز ومهم.
وفي الطريق إلى قريتك حيث ترقد الآن كان الطريق مشغولا بسيارات كثيرة والمسجد مأهولا بأعداد غفيرة... والصلاة تعلو فيها الأدعية.
وعند قبرك سالت الدموع وارتفعت أكف الدعاء..تركناك وحدك ولكنك معنا، وستبقى بما أسهمت وقدمت.
ودعنا عبدالله كمال ورحل في هدوء، ولكن سنبقى أصدقاء... سيبقى العيش والملح والهم والألم... رحمة واسعة وجنات عدن... إلى لقاء قد يكون قريبا عند عزيز مقتدر رحمته وسعت كل شيء.
محمد السنباطي
عبدالله كمال... الذي احترم نفسه أوّلاً
| خيرالله خيرالله |
على طريق النهوض بالإعلام المصري، كان عبدالله كمال من بين اولئك الذين يمكن الاعتماد عليهم. كان صحافيا مصريا مختلفا. كان عبدالله كمال الذي غاب يوم الجمعة الماضي عن 49 عاما، بعد تعرّضه لأزمة قلبية حادة، بين الإعلاميين القلائل في مصر الذين جمعوا بين المهنية والصدق والاحتراف، فضلا عن الوفاء والذكاء والحسّ السياسي المرهف.
كان صحافيا بكلّ معنى الكلمة وكان في الوقت ذاته مخلصا لكلّ المبادئ التي آمن بها رافضا أيّ نوع من المساومات، حتّى في أصعب الظروف، حتّى عندما كان الخطر يتهدّده.
كان صحافيا وسياسيا في آن، فقد كان رئيسا للتحرير لـ «روز اليوسف» وعضوا في مجلس الشورى المصري. وهذا لم يمنعه من أن يكون له موقف من التعيينات الصحافية في السنوات الأخيرة من عهد حسني مبارك. هذه التعيينات لم تكن موفقة في أي شكل ودون المستوى المطلوب. دفع ذلك عبدالله كمال إلى توجيه انتقادات شديدة إلى القيمين على الأعلام. وقد فعل ذلك علنا من دون خوف أو وجل، على الرغم من أن ذلك كان يمكن أن يكلّفه غاليا.
وعندما بدأت «ثورة الخامس والعشرين من يناير»، لم يتردد عبدالله كمال في الدفاع عن حسني مبارك. كان بين الأصوات القليلة التي حافظت على الحد الأدنى من الأخلاق رافضة ادارة ظهرها لرجل مثل مبارك كان عبدالله كمال يعتقد أن لديه حسنات كثيرة. لم يفعل ما فعله الانتهازيون الآخرون...وما أكثرهم، بل بقي منصفا لمبارك وعائلته مع تركيز خاص وبالإسم على الدور السلبي الذي لعبه عدد من المحيطين به الذين كان يوجّه إليهم لوما مباشرا ويحمّلهم مسؤولية تدهور الوضع المصري في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس السابق.
كنت على اتصال دائم معه، ليس بسبب زمالتنا الطويلة في مجموعة «الراي» فحسب، بل بسبب دعوته لي أيضا إلى الكتابة في «روز اليوسف» التي صارت تصدر صحيفة يومية أيضا. وسعى عبدالله كمال إلى ايجاد مكان للصحيفة في السوق المصرية. نجح في ذلك إلى حدّ كبير إلى أن ازيح من موقعه بعد الثورة مطلع السنة 2011. وقد تعرّض في تلك المرحلة لكل انواع الاتهامات التي بقيت اتّهامات، إذ ثبت أنّها كانت باطلة ولا اساس لها.
الأهمّ من ذلك أنّ عبدالله كمال كان من بين الذين كانوا يعترفون صراحة بأنّ مصر في حاجة إلى اعلام مختلف. كان يعتقد أن في استطاعتها بلوغ هذا الهدف بدل الإكتفاء بالتغني بالماضي تفاديا للقيام بأي جهد من أي نوع يصبّ في تطوير هذا القطاع الحيوي.
لم يكن يؤمن بصحيفة القارئ الواحد التي أسسها محمد حسنين هيكل احد الذين نظروا لهزيمة 1967. كان يؤمن بأن للصحيفة دورا في صنع الرأي العام الواعي بدل الاكتفاء بنيل رضا «الريّس» صباح كلّ يوم عبر مانشيت عريضة بالخط الأحمر تشيد بمواقفه أو عبر التلاعب بصورة من أجل وضعه في واجهة الأحداث كما حصل في إحدى المرّات في «الإهرام». كانت الصورة تلك، التي جرى فيها تقديم مبارك على رؤساء آخرين في «الفوتو شوب»، فضيحة لمصر التي رفضت أن يكون عبدالله كمال من المشرفين الفعليين على الإعلام فيها.
كان يؤمن صراحة بأنّ للصحيفة وللإعلام عموما دورا في توعية المواطن إلى خطورة الآراء التي يبثها المتطرفون على شاكلة الإخوان المسلمين الذين كانت السلطة تحاربهم علنا وتسترضيهم في الخفاء عبر وضع بعض اعلامها في تصرّفهم.
خاض عبدالله كمال حربه على الاخوان. لم يهادنهم يوما ولم يداهن كما فعل غيره. كان الموقع الذي أسّسه قبل أشهر قليلة وهو «دوت مصر» نموذجا لما يمكن أن يكون عليه الإعلام المصري الحديث. كان يتصوّر أن مصر تغيّرت وأن الإعلام يجب أن يرافق هذا التغيّر، بل أن يقوده عن طريق قول ما يجب قوله للحاكم من دون مواربة، ولكن من دون الرضوخ للإخوان المسلمين أو مهادنتهم في أيّ وقت من الأوقات وفي أي ظرف من الظروف.
في موقعه الجديد، استعان عبدالله كمال بطاقات صحافية من بلدان مختلفة. كان يراهن على صحافيين من خارج مصر، من لبنان تحديدا، يعرفون مدى خطورة ميليشيا مذهبية مسلّحة مثل ميليشيا «حزب الله» على المجتمع العربي عموما والمجتمع اللبناني على نحو خاص. لم تنطل شعارات «حزب الله» يوما على عبدالله كمال حتّى عندما صدّق بعض السذّج في مصر أن الحزب انتصر على اسرائيل في حرب صيف العام 2006، في حين أن انتصاره كان على لبنان واللبنانيين.
أعترف بأنّي من الذين سيفتقدون عبدالله كمال، وذلك ليس لأنّه كان صديقا حقيقيا فحسب، بل لأنّي كنت استعين بخبرته ومعلوماته الدقيقة كلّما كتبت مقالا عن مصر. كان خير معين لي في مهمّة اصلاح أي خطأ يمكن أن أقع فيه. كانت بوصلته المصرية لا تخطئ. كان بين الأوائل الذين راهنوا على مصر وعلى الشعب المصري وعلى أن هذا الشعب لا يمكن في نهاية المطاف الرضوخ لحكم الإخوان المسلمين.
كان عبدالله كمال مصريا في العمق. كان يؤمن بالدولة المصرية العميقة ومؤسساتها القديمة. الأكيد أنّه لم يكن يتوقّع سقوط مبارك بالطريقة التي سقط بها. كنت شاهدا على ذلك عن قرب. لكنّ الأكيد أيضا أنّه لم يلتحق على الفور، كما فعل كثيرون بالذين لعبوا دورا في اسقاط الرجل وفي اختطاف «ثورة الخامس والعشرين من يناير» لاحقا.
حافظ عبدالله كمال على صدقيته. رفض المساومة. لم يشمت بمبارك. كان صادقا مع نفسه. احترم نفسه كصحافي وكمواطن مصري يعشق مصر أوّلا. كان في الحقيقة صادقا مع مصر التي ساهم، بكلّ تواضع، في تحسين الإداء الإعلامي فيها. لم يغب في أي وقت عن باله أن مصر تمتلك طاقات كثيرة وكبيرة وأن ليس في الإمكان قطع الأمل بمستقبل أفضل لمصر ما دام هناك بين العرب الشرفاء من يقف إلى جانبها.
يظلّ عبدالله كمال خسارة كبيرة. ليس فقط خسارة لعائلته وأصدقائه والذين عملوا معه ورافقوه في مسيرته أكان ذلك في القاهرة أو في الكويت. إنّه خسارة لمصر وللإعلام المصري الذي كان عبدالله يراهن على تطويره وعلى اعادة وهجه على الصعيد العربي...بدل ترك الساحة للتخلّف والمتخلّفين الذين يقبلون بالرضوخ لإرهاب الأحزاب الدينية والمذهبية التي تتاجر بالإسلام وتستثمره في السياسة.
امتلك عبدالله كمال على الأقلّ ما يكفي من الشجاعة لتسمية الأشياء باسمائها في عصر عربي عزّ فيه الرجال الذين يتجرّأون على مواجهة المتاجرين بالدين والشعارات الطنانة.
وحينما تذكره بهذا المقال وأن عليه أن يهتم بصحته قليلا، كان يضحك ضحكته الشهيرة، ويقول: «لقد نسيت».
صدمة الفراق، جعلت تلاميذه ومحبيه يشككون في الخبر، ويتساءلون: «كيف وهو الذي كتب منذ دقائق معلقا على ما يحدث في العراق، الخبر كاذب، وحين تيقنوا قالوا: «سبقتنا إلى دار الحق»، وتحولت صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» إلى سرادق كبير، كل يحكي عن ذكرى أو موقف مع الأستاذ الذي ملأ هذا الفضاء الافتراضي كتابة وتحليلا وتعليقا، وانهالت آلاف «التغريدات» التي تقدم العزاء لعدد كبير من الصحافيين والإعلاميين والسياسيين، منهم البرلماني السابق محمد أبوحامد الذي قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون وفاة الأستاذ عبدالله كمال، ندعو الله له بالرحمة والمغفرة ولأهله الصبر»، بينما قالت عضو حزب «الدستور» جميلة إسماعيل: «اللهم ارحمه برحمتك الواسعة وثبته عند الحساب وألهم زوجته وابنتيه وأحباءه الصبر على فراقه».
وعلى أبواب مستشفى كليوباترا، في ضاحية مصر الجديدة، شرق القاهرة، وقف المئات من تلاميذ كمال وأصدقائه من الإعلاميين والسياسيين ينتظرون الجثمان ليلقوا عليه النظرة الأخيرة، وفي قريته السيفا التابعة لمركز طوخ في القليوبية، كان هناك الآلاف انتظروا لساعات وصول الجثمان ليشيعوه، في ساعة متقدمة، إلى مثواه الأخير في مشهد يكشف عن مدى الحب الذي تمتع به الراحل.
وخرجت الصحف المصرية تنعى الفقيد بداية من جريدة «الوطن» التي كتب رئيس تحريرها مجدي الجلاد مقالا يرثي فيه الراحل تحت عنوان «عبدالله كمال الذي غلبني»، وخرجت «المصري اليوم» في صفحتها الأولى تقول «الموت يغيب عبدالله كمال»، وجريدة «الأهرام» وفاة الكاتب الصحافي عبدالله كمال، وجريدتي «الجمهورية» و«الدستور» عبدالله كمال في ذمة الله، وكتبت جريدة «التحرير» رحيل مفاجئ للكاتب الصحافي عبدالله كمال، وكتبت «اليوم السابع» وفاة الإعلامي عبدالله كمال إثر أزمة قلبية، كما كتبت «الشروق» وفاة الكاتب الصحافي عبدالله كمال بعد إصابته بأزمة قلبية.
ونعى موقع «دوت مصر» الذي أسسه كمال قبل أسابيع في بيان اكد فيه: تنعى «دوت مصر» ببالغ الأسى والحزن، مؤسسها ورئيس تحريرها، الأستاذ عبدالله كمال، الذي وافته المنية صباح الجمعة الماضية. وتتقدم أسرة الموقع بأحر التعازي لأسرته وأصدقائه، راجين من الله أن يسكن الفقيد فسيح جناته ويرزق أهله وذويه الصبر والسلوان.
ومن المقرر أن يقام العزاء اليوم في مسجد الرحمن الرحيم، في شارع صلاح سالم.
... ودّعنا ورحل في هدوء
إذا كانت الصحافة المصرية والعربية، فقدت مهنيا متفردا وقلما لم ينكسر أبدا وفارسا نبيلا ظل يمتطي صهوة جواده حتى آخر نفس، وسياسيا بارعا ومتحدثا متفوها... فإنني على صعيدي الشخصي فقدت أخا نبيلا وإنسانا أعرف حقا قدر إنسانيته وكرمه وجوده.
يختلف معك بنبل ويوجهك باحترام... يناقشك نقاش الواعي المدرك والعارف بأمور كثيرة وأسرار ومعلومات دقيقة.
لن أنسى أبدا مواقف كثيرة وحكايات ومطبات وإسهامات شاركنا فيها معا..وهموما تحدثنا فيها كثيرا... وأمنيات تحركنا من أجل أن تكون واقعا.
تقفز أمامي محادثتنا الهاتفية الأخيرة مساء الخميس حول ملفات تعد من أجل رمضان والمونديال... وأمور أخرى كانت كلماته تحمل مداعباته المعتادة، لم يكن هناك شيء مختلف... انتهت المكالمة على ميعاد نلتقي فيه السبت... ولكنه لم يتم ولن يتم.
نم في قبرك أخي مرتاحا... لقد أنجبت نجباء... وتركت تجارب ثرية... وكتابات قوية... وظللت تغرد وتدون وتكتب حتى وأنت تستعد للرحيل.
لن أنسى مواقفنا معا... ملحنا وعيشنا معا... مشاوراتنا، محبتنا لمعشوقة منحناها كل وقتنا وصحتنا... حتى بات وجعنا في القلب واحدا وفي الهم واحدا.
نم مرتاحا أخي... تظلك رحمة الخالق... وتشفع لك صولاتك وجولاتك وإسهاماتك، ومن أنجبتهم وعلمتهم ووقفت بجانبهم ترعاهم للأمام.
عشت نجما مضيئا ومت نجما وستبقى هكذا.
في المستشفى وجسدك يرقد كانت هناك تظاهرة كبرى في محيط المكان، لأن الذي يغادرنا كبير وعزيز ومهم.
وفي الطريق إلى قريتك حيث ترقد الآن كان الطريق مشغولا بسيارات كثيرة والمسجد مأهولا بأعداد غفيرة... والصلاة تعلو فيها الأدعية.
وعند قبرك سالت الدموع وارتفعت أكف الدعاء..تركناك وحدك ولكنك معنا، وستبقى بما أسهمت وقدمت.
ودعنا عبدالله كمال ورحل في هدوء، ولكن سنبقى أصدقاء... سيبقى العيش والملح والهم والألم... رحمة واسعة وجنات عدن... إلى لقاء قد يكون قريبا عند عزيز مقتدر رحمته وسعت كل شيء.
محمد السنباطي
عبدالله كمال... الذي احترم نفسه أوّلاً
| خيرالله خيرالله |
على طريق النهوض بالإعلام المصري، كان عبدالله كمال من بين اولئك الذين يمكن الاعتماد عليهم. كان صحافيا مصريا مختلفا. كان عبدالله كمال الذي غاب يوم الجمعة الماضي عن 49 عاما، بعد تعرّضه لأزمة قلبية حادة، بين الإعلاميين القلائل في مصر الذين جمعوا بين المهنية والصدق والاحتراف، فضلا عن الوفاء والذكاء والحسّ السياسي المرهف.
كان صحافيا بكلّ معنى الكلمة وكان في الوقت ذاته مخلصا لكلّ المبادئ التي آمن بها رافضا أيّ نوع من المساومات، حتّى في أصعب الظروف، حتّى عندما كان الخطر يتهدّده.
كان صحافيا وسياسيا في آن، فقد كان رئيسا للتحرير لـ «روز اليوسف» وعضوا في مجلس الشورى المصري. وهذا لم يمنعه من أن يكون له موقف من التعيينات الصحافية في السنوات الأخيرة من عهد حسني مبارك. هذه التعيينات لم تكن موفقة في أي شكل ودون المستوى المطلوب. دفع ذلك عبدالله كمال إلى توجيه انتقادات شديدة إلى القيمين على الأعلام. وقد فعل ذلك علنا من دون خوف أو وجل، على الرغم من أن ذلك كان يمكن أن يكلّفه غاليا.
وعندما بدأت «ثورة الخامس والعشرين من يناير»، لم يتردد عبدالله كمال في الدفاع عن حسني مبارك. كان بين الأصوات القليلة التي حافظت على الحد الأدنى من الأخلاق رافضة ادارة ظهرها لرجل مثل مبارك كان عبدالله كمال يعتقد أن لديه حسنات كثيرة. لم يفعل ما فعله الانتهازيون الآخرون...وما أكثرهم، بل بقي منصفا لمبارك وعائلته مع تركيز خاص وبالإسم على الدور السلبي الذي لعبه عدد من المحيطين به الذين كان يوجّه إليهم لوما مباشرا ويحمّلهم مسؤولية تدهور الوضع المصري في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس السابق.
كنت على اتصال دائم معه، ليس بسبب زمالتنا الطويلة في مجموعة «الراي» فحسب، بل بسبب دعوته لي أيضا إلى الكتابة في «روز اليوسف» التي صارت تصدر صحيفة يومية أيضا. وسعى عبدالله كمال إلى ايجاد مكان للصحيفة في السوق المصرية. نجح في ذلك إلى حدّ كبير إلى أن ازيح من موقعه بعد الثورة مطلع السنة 2011. وقد تعرّض في تلك المرحلة لكل انواع الاتهامات التي بقيت اتّهامات، إذ ثبت أنّها كانت باطلة ولا اساس لها.
الأهمّ من ذلك أنّ عبدالله كمال كان من بين الذين كانوا يعترفون صراحة بأنّ مصر في حاجة إلى اعلام مختلف. كان يعتقد أن في استطاعتها بلوغ هذا الهدف بدل الإكتفاء بالتغني بالماضي تفاديا للقيام بأي جهد من أي نوع يصبّ في تطوير هذا القطاع الحيوي.
لم يكن يؤمن بصحيفة القارئ الواحد التي أسسها محمد حسنين هيكل احد الذين نظروا لهزيمة 1967. كان يؤمن بأن للصحيفة دورا في صنع الرأي العام الواعي بدل الاكتفاء بنيل رضا «الريّس» صباح كلّ يوم عبر مانشيت عريضة بالخط الأحمر تشيد بمواقفه أو عبر التلاعب بصورة من أجل وضعه في واجهة الأحداث كما حصل في إحدى المرّات في «الإهرام». كانت الصورة تلك، التي جرى فيها تقديم مبارك على رؤساء آخرين في «الفوتو شوب»، فضيحة لمصر التي رفضت أن يكون عبدالله كمال من المشرفين الفعليين على الإعلام فيها.
كان يؤمن صراحة بأنّ للصحيفة وللإعلام عموما دورا في توعية المواطن إلى خطورة الآراء التي يبثها المتطرفون على شاكلة الإخوان المسلمين الذين كانت السلطة تحاربهم علنا وتسترضيهم في الخفاء عبر وضع بعض اعلامها في تصرّفهم.
خاض عبدالله كمال حربه على الاخوان. لم يهادنهم يوما ولم يداهن كما فعل غيره. كان الموقع الذي أسّسه قبل أشهر قليلة وهو «دوت مصر» نموذجا لما يمكن أن يكون عليه الإعلام المصري الحديث. كان يتصوّر أن مصر تغيّرت وأن الإعلام يجب أن يرافق هذا التغيّر، بل أن يقوده عن طريق قول ما يجب قوله للحاكم من دون مواربة، ولكن من دون الرضوخ للإخوان المسلمين أو مهادنتهم في أيّ وقت من الأوقات وفي أي ظرف من الظروف.
في موقعه الجديد، استعان عبدالله كمال بطاقات صحافية من بلدان مختلفة. كان يراهن على صحافيين من خارج مصر، من لبنان تحديدا، يعرفون مدى خطورة ميليشيا مذهبية مسلّحة مثل ميليشيا «حزب الله» على المجتمع العربي عموما والمجتمع اللبناني على نحو خاص. لم تنطل شعارات «حزب الله» يوما على عبدالله كمال حتّى عندما صدّق بعض السذّج في مصر أن الحزب انتصر على اسرائيل في حرب صيف العام 2006، في حين أن انتصاره كان على لبنان واللبنانيين.
أعترف بأنّي من الذين سيفتقدون عبدالله كمال، وذلك ليس لأنّه كان صديقا حقيقيا فحسب، بل لأنّي كنت استعين بخبرته ومعلوماته الدقيقة كلّما كتبت مقالا عن مصر. كان خير معين لي في مهمّة اصلاح أي خطأ يمكن أن أقع فيه. كانت بوصلته المصرية لا تخطئ. كان بين الأوائل الذين راهنوا على مصر وعلى الشعب المصري وعلى أن هذا الشعب لا يمكن في نهاية المطاف الرضوخ لحكم الإخوان المسلمين.
كان عبدالله كمال مصريا في العمق. كان يؤمن بالدولة المصرية العميقة ومؤسساتها القديمة. الأكيد أنّه لم يكن يتوقّع سقوط مبارك بالطريقة التي سقط بها. كنت شاهدا على ذلك عن قرب. لكنّ الأكيد أيضا أنّه لم يلتحق على الفور، كما فعل كثيرون بالذين لعبوا دورا في اسقاط الرجل وفي اختطاف «ثورة الخامس والعشرين من يناير» لاحقا.
حافظ عبدالله كمال على صدقيته. رفض المساومة. لم يشمت بمبارك. كان صادقا مع نفسه. احترم نفسه كصحافي وكمواطن مصري يعشق مصر أوّلا. كان في الحقيقة صادقا مع مصر التي ساهم، بكلّ تواضع، في تحسين الإداء الإعلامي فيها. لم يغب في أي وقت عن باله أن مصر تمتلك طاقات كثيرة وكبيرة وأن ليس في الإمكان قطع الأمل بمستقبل أفضل لمصر ما دام هناك بين العرب الشرفاء من يقف إلى جانبها.
يظلّ عبدالله كمال خسارة كبيرة. ليس فقط خسارة لعائلته وأصدقائه والذين عملوا معه ورافقوه في مسيرته أكان ذلك في القاهرة أو في الكويت. إنّه خسارة لمصر وللإعلام المصري الذي كان عبدالله يراهن على تطويره وعلى اعادة وهجه على الصعيد العربي...بدل ترك الساحة للتخلّف والمتخلّفين الذين يقبلون بالرضوخ لإرهاب الأحزاب الدينية والمذهبية التي تتاجر بالإسلام وتستثمره في السياسة.
امتلك عبدالله كمال على الأقلّ ما يكفي من الشجاعة لتسمية الأشياء باسمائها في عصر عربي عزّ فيه الرجال الذين يتجرّأون على مواجهة المتاجرين بالدين والشعارات الطنانة.