خواطر صعلوك / جائزة «نوبل» للوزير ... والديناميت للمعلمين

| u0645u062du0645u062f u0627u0644u0639u0637u0648u0627u0646 |
| محمد العطوان |
تصغير
تكبير
ينسب إلى وزير الدعاية النازية بول جوزيف جوپلز أنه قال «كلما سمعت كلمة مثقف أتحسس مسدسي».

وعلى ما يبدو أن السياسات التعليمية في دولتنا تتبنى نفس المنطق، فهي تخاف من أن تُخرِّج مثقفا قد ينغص عليها استقرارها… ويدعوها لدينٍ جديد يحطم فيه أصنام الكسل والخمول والترف، فلا يخفى عليكم أننا نحتل المركز الثاني بعد المملكة العربية السعودية في نسبة الكسل والخمول البدني على مستوى الدول العربية بمعدل 64 في المئة حسب مجلة «ذا لانسيت» البريطانية!

دعني أتقمس شخصية «هدهد» سليمان لأخبرك بيومية الطالب في «الكاتراز» التعليمي: في البداية يلبس الزي المفروض عليه «إجباريا» تحت مسمى توحيد النظام، ويبدو أن النظام في المدارس بالملابس فقط! ثم يدخل الطالب «السجين» إلى مرحلة التفتيش عن الشعر الطويل أو الحذاء المخالف، ويصطف الطلاب اصطفاف عسكري «مربع ناقص ضلع» ليستمعوا إجباريا لأسوأ اختراع في التاريخ وهو الإذاعة المدرسية… يقف مديرو المدارس على الجهة الأخرى وقفة «الكولونيل» أمام جنوده الذين على وشك الدخول في معركة شديدة الوطيس بالفصول الدراسية، فالذي اتضح لي بعد سنوات من التدريس أن التعليم عندنا هو حرب ولكن من دون إطلاق نار!

ثم تبدأ الكتيبة بالتحرك بعد سماع «للخلف در... للفصول سر» تحت اصوات الموسيقى العسكرية، والتي عادةً ما يؤديها طلاب منبوذون من غالبية المعلمين وينظر إليهم باشمئزار! يدخل الطلاب للفصل «الثكنة» ويدخل عليهم في الغالب معلم وافد «أجنبي» ينظرون إليه باستعلاء ثقافي واجتماعي، وبكره أحيانا كثيرة… وما الغريب في هذا ألسنا نعاني من مرض «زينو?وبيا-xenophobia» وهو كراهية الأجانب واستحقارهم… أليست القاعدة تقول ان القانون لا يحمي المغفلين أو(المدرسين) فالعدالة عمياء.

يشرح المعلم المنهج المفروض «إجباريا» وغير مسموح بالخروج عنه إلا بوصفة طبيب مختص، ويُعطى الطلاب الواجب الإجباري، ويُطلب منهم المشاركة في حصص الديكور والفنية والموسيقى والبدنية إجباريا… كما يطلب منهم المشاركة في احد الانشطة المدرسية إجباريا، وفي الامتحان عليه أن يجاوب الاجابة المفروضة عليه اجباريا بطريقة اجبارية في امتحان اجباري في مكان اجباري.

والمعلم راحته «احتياط» أو مراقبات في الساحات وطوال يوميه بين إرضاء الطالب أو ولي الأمر أو رئيس قسمه أو موجهه أو مدير المدرسة، وربما يتحول لبائع في المقصف حسب نظرية «التطور» لدارون! وما الغريب ألم يتطور «المفتش» إلى «موجه» بسبب الطفرات الجينية في الوزارة؟

ربما قام بعض الطلبة بإهانة المعلم، أو رميه «بالطماطم» أو تصويره بالتلفون ونشر صوره بالانستغرام ساخراً منه… فتقول له الإدارة (مشكلتك! أنت ذو شخصية ضعيفة ولا تملك أدوات المعلم «السوبرمان») ويرد المعلم على الإدارة (لماذا لم تحفظوا لي هيبتي؟ أين نظامكم التربوي؟ أين القانون الذي يحميني؟ ألم يأمر الله باحترام العلم؟). ولكن يبدو في النهاية أن أجر المعلم بيد الله ولكن التقادير بيد المدير! وكلا الطرفين يحفظ نظريات تربوية تؤيده، فأحياناً الطالب محور العملية التربوية وأحيانا المعلم مركز التعليم وأحيانا يكون المبنى التعليمي! وقريباً سينظر في أثر عمال النظافة على «المحور والمركز» لنلقي باللوم على حارس المدرسة.

فكان الحل الأمثل من وزارة التربية بأن حولت المسمى الوظيفي للمعلم من «مربٍ» إلى «موظف»!

ربما رأيي لا يخلو من مبالغة، ولكنه لا يخلو من صواب، الا تلاحظون أنه خلال الخمسين عاما المنصرمة لم تُخرج لنا المدارس شيئا يذكر في التاريخ او الجغرافيا! لقد صدق جون كنيدي عندما قال «إن الحرية دون تعليم في خطر دائم، والتعليم دون حرية يذهب سدي».

كلام بعض المسؤولين في المؤسسة التعليمية عن تطوير التعليم يؤهلهم للجائزة التي وضعها «نوبل» ولكن أفعالهم وقراراتهم تؤهلم للبارود الذي «اخترعه»! وفي الوقت الذي يدخل فيه العالم أجمع نهضة تربوية، فإننا أيضا سندخل ولكن كي نسلم على الجالسين ونخرج من الباب الخلفي!

أنتظر ذاك «المثقف الفيلسوف» الذي يطلق رصاصة الرحمة على هذا النظام التعليمي البائس، كما أطلقها ذلك الطالب الصربي على ولي عهد النمسا فكانت الحرب العالمية الأولى… أو كالسهم الذي أطلقه شيخ بني تغلب على ناقة البسوس.

سؤال بريء (بحكم محكمة): لماذا أغلب من صنعوا التاريخ وقدموا للبشرية ما لم يقدمه غيرهم لم يمروا بالسلك التعليمي الديكتاتوري النمطي الذي ينتقل فيه الغباء بين الطلاب كما تنتقل الحرارة بين أجزاء المعدن؟

الآن بعد سبع سنين عجاف في التعليم أستطيع أن أُعرف المعلم على أنه (ذلك الإنسان الذي يحاول أن يعلم الفتيان كيف يتجنبون المصاعب التي لولاها ما صار معلما).

***

نكشة:

مفهوم حرية التعليم عند السياسات التعليمية العربية تلخصه لنا الفنانة الفاضلة المحتشمة جداً مروة عندما قالت «مشربش الشاي أشرب أزوزه أنا»…

يقول أبا النيزك -غفر الله له وزادة من علمه:

جاءني ألبرت آينشتاين ذات مره في المنام وهمس في أذني قائلاً بعد أن رآني في حيرة من نظامنا التعليمي( إذا لم توافق النظرية الواقع، فغير الواقع).
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي