مشاهد / أمينة هانم
رأيت أمينة السعيد لآخر مرة.. قبل وفاتها ورحيلها عن عالمنا بعدة أسابيع.. لقد توفيت يوم 13 أغسطس العام 1995.. بعد رحلة طويلة من النشاط والعطاء. مع أننا تعودنا أن نقول عمن ماتوا ورحلوا عن عالمنا أنهم ماتوا بعد رحلة طويلة مع المرض. كانت نشطة وحاضرة.. حتى آخر لحظة في عمرها. كنت حاضراً الى دار الهلال في الحادية عشرة والنصف صباحاً. وكانت هي منصرفة منها.. فقد كان من عاداتها الثابتة أن تأتي مبكرة. وتنصرف قبل الظهر وتنجز كل أعمالها خلال ساعات ثلاث تقضيها في دار الهلال. وكنت أتعجب من تبكيرها. الناس بالنسبة لي نوعان. ابن قرية لا بد أن يبكر في الاستيقاظ.. لأنه لو استمر نائماً حتى الظهر. لا يجد رزقه في انتظاره. لا بد أن يسبق الشمس في استيقاظه.. يصحو قبل أن تطلع. أما أبناء المدن. فليلهم نهار ونهارهم ليل. لكن أمينة السعيد خالفت هذه القاعدة.
الوجه غابة من التجاعيد. وكانت تمشي بخطوات قصيرة جداً.. أكثر قصراً من خطوات الأطفال. وكانت تتكئ على عمي محرز سائقها الخاص.. والذي أصبح في سنوات عمرها الأخيرة بمثابة سكرتير خاص لها. وكانت تملي عليه ردودها في بابها «اسألوني».
كان المرض قد هجم عليها بصورة لا تخطئها العين. وكانت آثاره شديدة الوضوح في وجهها بالذات.. ومع هذا لم تدخل المستشفى ولم تسكن سرير بيتها بحجة المرض. وقاومته بشدة. واجهت المرض بالعمل كعلاج.. كانت حريصة على الحضور الى دار الهلال في موعدها. والانصراف في نفس الموعد. كان التحصن وراء المواعيد نوعا من التشبث بالحياة. أو على الأقل نوعا من الاعلان عن ذلك.
سلمت عليها، ومن المؤكد أنها لم تعرفني.. ولذلك قلت لها اسمي بصوت عال. ويبدو أن اسمي لم يعن لها الكثير وهي في صراع المرض الأخير.. لأنها لم تقل سوى: يوسف أهلا بيك يا ابني.
لاحظت أن الصوت عميق وقوي رغم الوهن الذي تسلل اليه. وعندما ألقيت عليها نظرة أخيرة. كانت تقف أمام المصعد والبعض من المارة من حولها الذين يعرفونها والبعض الآخر ربما لا يعرف من هي.
وكانت المرة السابقة على ذلك.. التي أراها فيها وهي تصعد سلم دار الهلال بصعوبة بالغة.. كانت تنقل قدميها من سلمة الى أخرى، فقط بطريقة صعبة لحد الاستحالة. كانت المعجزة هي نقل القدم من درجة لأخرى. رأيت صعوبة رفع القدم عن الأرض بتأثير الشيخوخة اللعينة.. عندما كان يضع نجيب محفوظ يده في يدي ونحن نتمشى. كان يرفع قدمه بصعوبة من على الأرض. أشعر بها من ملمسه ليدي. وبعد ذلك أصبح «يشدها» على الأرض فأسمع صوت زحفها.. هي مولودة سنة 1910، وهو مولود سنة 1911. وقد استغرقت أمينة السعيد وقتاً طويلاً في الصعود حتى باب المصعد.. وكان كل الداخلين قد وقفوا احتراماً لمشهد هذه السيدة المصرة على الحضور الى مكتبها رغم المرض والشيخوخة. مع أن الأجيال اللاحقة لها. ما أن تصاب الواحدة منهن حتى بحالة أنفلونزا حتى يمكثن في البيت أياماً طويلة رافعات شعار المرض.
لقد أكد لي يومها مشهد «أمينة السعيد» وهي تحاول قهر الموت وابعاد شبحه عنها أن ارادة أكثر منها امكانية.. لقد كان صعود درجات السلم في نفس صعوبة صعود الجبل ولكنها كانت تحاول. وشرف المحاولة يذكر لها دائماً وأبداً.
وقصة أمينة السعيد في سنوات عمرها الأخيرة مع المرض طويلة. وقد ماتت قبل أن تموت موتها الأخير أكثر من مرة.. لدرجة أننا تصورنا أنها لن تموت أبداً. وأنها ربما كسرت المائة الأولى من عمرها.. وذلك لكثرة ما شارفت على الموت أكثر من مرة. ثم تعود الى الحياة. ولأن هذه الحالة تكررت أكثر من مرة.. فقد رحت أقارن بين امتداد عمرها وما جرى مع محمد عبدالوهاب وتوفيق الحكيم. وقلت انه جيل من المعمرين لأنه عاش الأيام الجميلة في مصر.
أما نحن.. فقد كنا منذ الأيام الأولى على موعد مع النار التي توشك أن تأكل الأخضر واليابس. في بر مصر. ولذلك فنحن الجيل الذي يموت قبل أن يحيا.
كان اكتشافي الأول والمبكر لأمينة السعيد في منتصف الستينات.. كنت مجنداً في القوات المسلحة. وكانت وحدتي في غمرة. وبالقرب منا كان هناك مسجد يخطب فيه خطيب.. كان شبه متخصص في الهجوم على أمينة السعيد.. لدرجة أنه كان يتكلم عنها بطريقة المسلسلات المعاصرة. بمعنى أنه كان يتوقف عند نقطة معينة. يستأنف منها الهجوم في الأسبوع التالي بعده. وقيل يومها أن خطب امام المسجد الشهير.. الذي كان يؤم الرجال وقليلا من النساء في نقطة في بحر بالنسبة لما يقوله هذا الشيخ في دروس العصر للنساء اللاتي يحضرن الى مسجده.
كان هذا الشيخ الكفيف الذي يخطب في مسجد في حي كان معروفاً عنه أن غالبية من يسكنونه من المسيحيين. يغالي في كل ما يتكلم فيه. كان يتناول المطربين. والممثلات. والصحافيين. ونجوم المجتمع، ولاعبي الكرة. وكل الأمور التي طرأت على المجتمع المصري في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. وما ان أتت قارعة الخامس من يونيو سنة 1967..حتى استغلها هذا الشيخ أسوأ استغلال.. كان تفسيره الوحيد للنكسة - ولا أقول الهزيمة أبداً - أن ما جرى لنا وقع بسبب بعدنا عن الله سبحانه وتعالى. هي التي أوقعت بنا فيما وقعنا فيه.
يومها أدركت.. أن هذه الكاتبة لديها مشروع استنفر قوى التخلف والظلام التي وقفت ضدها، كان مشروعها يقوم على فكرة نهوض المرأة.. باعتبارها المقدمة التي لا بد منها من أجل أن ينهض المجتمع المصري كله ويتقدم الى الأمام. وأنه بدلاً من أن تطلب المرأة مساواتها بالرجل. عليها أن تشاركه. جنباً لجنب. ورأساً برأس. في بناء المجتمع المتقدم الذي تحلم به.
لكن عنفوان الهجوم عليها لم تكن له قيمة تذكر، لأن مصر كانت تعرف الصواب وتلتقي معه كل بكة شمس ولم يكن الظلام قد بدأ زحفه على عقول المصريين. وكان الحكم لديه مشروع كامل للنهوض شارك فيه الجميع. ماعدا بعض خفافيش الظلام الذين لم يكونوا يمثلون حتى أنفسهم وسط طوفان هادر يعمل من أجل الغد.