خواطر تقرع الأجراس / الحقيقة بين الأُنقودة والأُغرودة؟!
| مصطفى سليمان* |
أنت شعوبي. زنديق. شيوعي. ماسوني. صهيوني. إمبريالي. انبطاحي. وصولي. عميل. معارض خائن. موالٍ انتهازي. سلفي. تكفيري. آذاري. نيساني (مصطلح لبناني)!.
تلك الإدانات السياسية وغير الأخلاقية اللاسعة اللاذعة العابرة للتقييم أو التقويم السياسي الموضوعي هي الأُنقودة: الكلام الذي قلّ... وما دل. مصطلح غريب حقاً. وأنا حرت قبلك في إيجاد مصطلح لتسمية تلك الإدانات العابرة. فالمصطلح قد ينشأ فردياً اعتباطياً، كما في هذا المصطلح الذي (اعتبطته). وقد يبدعه مجمع لغوي، بعد مجادلات وخلافات ومناكفات، بين لجان النحت والاشتقاق، والترجمة والتعريب، والصياغة... تماماً كما يحدث مع لجان صياغة بيان، أو إعلان، أو مقررات مؤتمرات القمم العربية (الاعتباطية)، أو مناقشات قرارات وبيانات مجلس الإرهاب الدولي، قصدي مجلس الأمن!
ثم أليس هناك في عالم الأدب (أُقصوصة) للدلالة على القُصَيْصَة أو القصة القصيرة جداً رغم تصنيفها في المعاجم في خانة (المُوَلَّد) أي اللقيطة!؟ فلتكن الأُنقودة إذاً للدلالة على الإدانات اللاسعة اللاذعة التي يطلقها الشعراء أو النقاد من خلال قصيدة، أو بيت مفرد، أو مقطعٍ... كما في بعض تراثنا النقدي القديم مثل: هذا أشعر الإنس والجن في قوله كذا، وذاك أشعر الثقلين، وهذا أشعر العرب والعجم في قوله كذا وكذا... وهكذ!
كنت أتصفح بعض المجلات القديمة فعثرت على (أناقيد.مثل أقصوصة أقاصيص أُغرودة أغاريد) أطلقها الشاعر الكبيرعمر أبو ريشة: «أنا لا أحب التهافت والابتذال، ولا الإطالة والشرح، لهذا أستثقل ابن الرومي، لأنه أشبه بمعلم في مدرسة تعلم القاصرين. وأضيق بالبحتري لأنه سطحي، وأعد المتنبي شاعر بيت من الطراز الأول، لكنه ليس شاعر قصيدة...».
أما إطالة ابن الرومي– في الدراسات النقدية الموضوعية- فهي سمة فنية ومعنوية قد تعود إلى جذوره اليونانية الموروثة حيث فن الملاحم. وهي سمة تنم عن تدفق غزير للمعاني على مخيلة هذا الشاعر الفنان الذي لم ينقده بحق، على أسس نقدية علمية موضوعية، سوى العقاد في كتابه الفريد (ابن الرومي– حياته من شعره) .
وها هي معلقة امرئ القيس 81 بيتاً، وقصيدة (معبد كاجوراو) لأبي ريشة نفسه 81 بيتاً، وقصيدته مع المعري 85، ومثلها حكاية سمّار! ومعلقة زهير 62، ومعلقة لبيد 89. أليست المعلقات هي المطوَّلات؟. وأبو ريشة نفسه يعترف في المقابلة بأن الذي يستهويه هو الشعر الجاهلي. العبرة ليست بالإطالة بل بجودتها وروعتها وعمقها. أما عن سطحية البحتري فأُنقودة ظالمة، وروائعه الكثيرة تبطلها مثل وصْف إيوان كسرى، والذئب، ولوحة الربيع البديعة، ووصف بركة المتوكل... وغير ذلك من روائع الوصف الفني، وقصائد الغزل التي تغنى بها عشاق الشعر ونقاده الموضوعيون. وهو الشاعر الذي قيل فيه: شَعَرَ فغنى. وأما المتنبي، كشاعر بيت لا قصيدة، فملاحمه الشعرية الكثيرة المتلاحمة ترد على تلك الأُنقودة!
النقد الموضوعي، في كل مجال هو علم وفن وإبداع. والأُنقودة شطحة وسخرية واستهزاء، وإدانة بل إهانة. إنها أشبه بـ (التويت) Tweet في عالم التويتر. يسمونها تغريدة وأنا أسميها أُغرودة لتناسب الأُنقودة؛ فهي شبيهتها في الإيجاز والتكثيف والنقد اللاسع العابر. وما بين الأنقودة والأغرودة تضيع الحقيقة.
*كاتب سوري
تلك الإدانات السياسية وغير الأخلاقية اللاسعة اللاذعة العابرة للتقييم أو التقويم السياسي الموضوعي هي الأُنقودة: الكلام الذي قلّ... وما دل. مصطلح غريب حقاً. وأنا حرت قبلك في إيجاد مصطلح لتسمية تلك الإدانات العابرة. فالمصطلح قد ينشأ فردياً اعتباطياً، كما في هذا المصطلح الذي (اعتبطته). وقد يبدعه مجمع لغوي، بعد مجادلات وخلافات ومناكفات، بين لجان النحت والاشتقاق، والترجمة والتعريب، والصياغة... تماماً كما يحدث مع لجان صياغة بيان، أو إعلان، أو مقررات مؤتمرات القمم العربية (الاعتباطية)، أو مناقشات قرارات وبيانات مجلس الإرهاب الدولي، قصدي مجلس الأمن!
ثم أليس هناك في عالم الأدب (أُقصوصة) للدلالة على القُصَيْصَة أو القصة القصيرة جداً رغم تصنيفها في المعاجم في خانة (المُوَلَّد) أي اللقيطة!؟ فلتكن الأُنقودة إذاً للدلالة على الإدانات اللاسعة اللاذعة التي يطلقها الشعراء أو النقاد من خلال قصيدة، أو بيت مفرد، أو مقطعٍ... كما في بعض تراثنا النقدي القديم مثل: هذا أشعر الإنس والجن في قوله كذا، وذاك أشعر الثقلين، وهذا أشعر العرب والعجم في قوله كذا وكذا... وهكذ!
كنت أتصفح بعض المجلات القديمة فعثرت على (أناقيد.مثل أقصوصة أقاصيص أُغرودة أغاريد) أطلقها الشاعر الكبيرعمر أبو ريشة: «أنا لا أحب التهافت والابتذال، ولا الإطالة والشرح، لهذا أستثقل ابن الرومي، لأنه أشبه بمعلم في مدرسة تعلم القاصرين. وأضيق بالبحتري لأنه سطحي، وأعد المتنبي شاعر بيت من الطراز الأول، لكنه ليس شاعر قصيدة...».
أما إطالة ابن الرومي– في الدراسات النقدية الموضوعية- فهي سمة فنية ومعنوية قد تعود إلى جذوره اليونانية الموروثة حيث فن الملاحم. وهي سمة تنم عن تدفق غزير للمعاني على مخيلة هذا الشاعر الفنان الذي لم ينقده بحق، على أسس نقدية علمية موضوعية، سوى العقاد في كتابه الفريد (ابن الرومي– حياته من شعره) .
وها هي معلقة امرئ القيس 81 بيتاً، وقصيدة (معبد كاجوراو) لأبي ريشة نفسه 81 بيتاً، وقصيدته مع المعري 85، ومثلها حكاية سمّار! ومعلقة زهير 62، ومعلقة لبيد 89. أليست المعلقات هي المطوَّلات؟. وأبو ريشة نفسه يعترف في المقابلة بأن الذي يستهويه هو الشعر الجاهلي. العبرة ليست بالإطالة بل بجودتها وروعتها وعمقها. أما عن سطحية البحتري فأُنقودة ظالمة، وروائعه الكثيرة تبطلها مثل وصْف إيوان كسرى، والذئب، ولوحة الربيع البديعة، ووصف بركة المتوكل... وغير ذلك من روائع الوصف الفني، وقصائد الغزل التي تغنى بها عشاق الشعر ونقاده الموضوعيون. وهو الشاعر الذي قيل فيه: شَعَرَ فغنى. وأما المتنبي، كشاعر بيت لا قصيدة، فملاحمه الشعرية الكثيرة المتلاحمة ترد على تلك الأُنقودة!
النقد الموضوعي، في كل مجال هو علم وفن وإبداع. والأُنقودة شطحة وسخرية واستهزاء، وإدانة بل إهانة. إنها أشبه بـ (التويت) Tweet في عالم التويتر. يسمونها تغريدة وأنا أسميها أُغرودة لتناسب الأُنقودة؛ فهي شبيهتها في الإيجاز والتكثيف والنقد اللاسع العابر. وما بين الأنقودة والأغرودة تضيع الحقيقة.
*كاتب سوري