فاصلة / الحمد ... ورحلة مع الفائق
فهد توفيق الهندال
الأديب الكويتي حمد الحمد، من أنشط أدباء الكويت وأكثرهم حضورا في المناسبات الثقافية، من خـلال إصـدارات عديدة، تنوعت ما بين المجاميع القصصية، الروائية، الصحافية و التوثيقية. ويتمتع بو عبدالمحسن بحس ثقافي عال جدا، تشكل قبل انضمامه لرابطة الأدباء، متدرجا بالمناصب الإدارية المنتخبة في مجلس إدارة الرابطة منذ عام 1999، مستذكرين تأسيسه المثمر مع القاص وليد المسلم والأديبة ليلى محمد صالح ورعاية الأمين العام الأسبق الأستاذ عبدالله خلف لمنتدى المبدعين الذي تخرج منه العديد من الكتاب الشباب باتوا اليوم شعلة الحراك الثقافي والأدبي في الكويت، لينتخب أمينا عاما لمجلس الإدارة خلال الفترة 2007– 2009، ولم يشغله ذلك أبدا عن حضوره ودعمه المستمر للكتاب الشباب، والاطلاع على نتاجهم واشتغالهم الإبداعي. فكانت إدارة الحمد من أكثر الإدارات نشاطا وتميزا وانفتاحا، برغم ما واجهته من تحديات وظروف أبعدت الحمد شخصيا عن نتاجه الفكري والإبداعي، ليعوض ذلك بعد انتهاء دورة الإدارة متفرغا للكتابة، فيصدر عدة اعمال خلال وقت قصير، تؤكد حضوره الأدبي اللافت بعدما تميز بالإدارة الأدبية.
وآخر إصداراته كتابه التوثيقي (فائق عبدالجليل رحلة الابداع والأسر والشهادة) الصادر أخيرا عن مكتبة آفاق، لتكون شرارة الكتاب مقالا نشره الحمد في جريدة القبس أغسطس 2013، ليجمعه بعده لقاء مع فارس ابن الشهيد، فبدأت قصة الكتاب.
يقع الكتاب في 7 فصول، يبدأها الحمد بضوء خاص يسلطه على جهد الكتاب وفضل الآخرين معه في جمع مادته، ثم تتصدره رسالة أخيرة من الشهيد عبدالجليل إلى زوجته أم فارس عثرت عليها أسرته بعد التحرير، عبر الشاعر من خلالها عن خياره القدري في البقاء داخل الوطن/ الكويت وصرفه النظر عن الخروج منه:
«لقد وعدتك أن أغادر الكويت الخميس... ذهبت وجلست أتصفح أفكاري التي تتكاثر ثم تصبح فكرة واحدة... وهي فكرة البقاء... كل أفكار الرحيل التي أتت إلي كانت مهزوزة وغير ثابتة وغير مستقرة إلا فكرة البقاء كانت هي الأكثر ثباتا وقوة».
لتبدأ فصول الكتاب بالحكي، وأجاد الحمد وهو الأديب لغة السرد وتمكن من ربط فقراته بحبل مشدود بالتشويق، يقصي الملل وكسل الجمل التي غالبا ما تعتري كتب التاريخ والتوثيق. ليتنقل الحمد في رحلاته مع الشاعر ما بين الإبداع حيث الكلمة الفائقة جمالا وروعة، ومواقفه المشكلة لشخصيته كإنسان أولا وكفنان ثانيا، وشاعر له حضوره الأدبي بشهادات وردت في الكتاب من قبل كبار الكتاب والشعراء والفنانين داخل الكويت وخارجها. فلم يكن شاعر حب أو غزل، وإنما شاعر قضية وطنية وقومية، كان الإنسان محورها في علاقته مع محبوبته الأرض:
«إن الأرض كروية... والإنسان كروي أيضا، وإن كان أحيانا يشق بقامته الطويلة غيوم السماء... فالأشكال الكروية نتوقع منها أن تصل إلى أي زمان وتبلغ أي مدى».
حفل الكتاب بكم هائل من المعلومات التي تُذكر لأول مرة، مع توثيق دقيق لها، مما يعبر عن دقة الكاتب في جمعها من مصادرها وأصحابها لتخرج لفضاء الأبيض بعدما بقيت فترة طويلة ساكنة في صدورهم.
ووسط هذا الجهد الكبير الذي بذله مشكورا الأديب حمد الحمد في إتمام الكتاب حول شخصية فائق عبدالجليل والاحاطة بجوانب مهمة في حياته، والآثار الباقية لكثير من أعماله وأقواله وسط الاهتمام الخاص من أهله في متابعة حثيثة لهذا الجهد كما أشار إليها الحمد في مقدمة الكتاب، بقي أمر بالغ الأهمية ويأتي تساؤل في محله: بعدما قدّم فائق عبدالجليل حياته قربانا لهذا الوطن... ماذا قدّم له الوطن وفاء له؟
هل نكتفي بتسمية شارع أو مدرسة على اسمه، أم أن هناك ما هو أكبر من ذلك بكثير تجعلنا نؤمن بجدوى تضحيته؟
أسئلة ربما لم يصرح بها الكتاب، لكنها خطرت ببالي كثيرا وأنا أقرأه وأجدها ضرورية جدا!
أخيرا... اختم باحدى أغاني هتاف الصامدين الواردة بالكتاب من كلمات الشاعر الشهيد فائق عبدالجليل والتي دفع حياته ثمنا لها:
ما نطلع منها ما نطلع
صوت الحق أقوى من المدفع
تغيب الشمس وترجع تطلع
ياللي بالداخل أو برا
عن حب بلادك لا ترجع
واحنا اللي بالداخل ما نطلع
ما نطلع منها ما نطلع
والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.
* كاتب وناقد كويتي
bo_salem72@
وآخر إصداراته كتابه التوثيقي (فائق عبدالجليل رحلة الابداع والأسر والشهادة) الصادر أخيرا عن مكتبة آفاق، لتكون شرارة الكتاب مقالا نشره الحمد في جريدة القبس أغسطس 2013، ليجمعه بعده لقاء مع فارس ابن الشهيد، فبدأت قصة الكتاب.
يقع الكتاب في 7 فصول، يبدأها الحمد بضوء خاص يسلطه على جهد الكتاب وفضل الآخرين معه في جمع مادته، ثم تتصدره رسالة أخيرة من الشهيد عبدالجليل إلى زوجته أم فارس عثرت عليها أسرته بعد التحرير، عبر الشاعر من خلالها عن خياره القدري في البقاء داخل الوطن/ الكويت وصرفه النظر عن الخروج منه:
«لقد وعدتك أن أغادر الكويت الخميس... ذهبت وجلست أتصفح أفكاري التي تتكاثر ثم تصبح فكرة واحدة... وهي فكرة البقاء... كل أفكار الرحيل التي أتت إلي كانت مهزوزة وغير ثابتة وغير مستقرة إلا فكرة البقاء كانت هي الأكثر ثباتا وقوة».
لتبدأ فصول الكتاب بالحكي، وأجاد الحمد وهو الأديب لغة السرد وتمكن من ربط فقراته بحبل مشدود بالتشويق، يقصي الملل وكسل الجمل التي غالبا ما تعتري كتب التاريخ والتوثيق. ليتنقل الحمد في رحلاته مع الشاعر ما بين الإبداع حيث الكلمة الفائقة جمالا وروعة، ومواقفه المشكلة لشخصيته كإنسان أولا وكفنان ثانيا، وشاعر له حضوره الأدبي بشهادات وردت في الكتاب من قبل كبار الكتاب والشعراء والفنانين داخل الكويت وخارجها. فلم يكن شاعر حب أو غزل، وإنما شاعر قضية وطنية وقومية، كان الإنسان محورها في علاقته مع محبوبته الأرض:
«إن الأرض كروية... والإنسان كروي أيضا، وإن كان أحيانا يشق بقامته الطويلة غيوم السماء... فالأشكال الكروية نتوقع منها أن تصل إلى أي زمان وتبلغ أي مدى».
حفل الكتاب بكم هائل من المعلومات التي تُذكر لأول مرة، مع توثيق دقيق لها، مما يعبر عن دقة الكاتب في جمعها من مصادرها وأصحابها لتخرج لفضاء الأبيض بعدما بقيت فترة طويلة ساكنة في صدورهم.
ووسط هذا الجهد الكبير الذي بذله مشكورا الأديب حمد الحمد في إتمام الكتاب حول شخصية فائق عبدالجليل والاحاطة بجوانب مهمة في حياته، والآثار الباقية لكثير من أعماله وأقواله وسط الاهتمام الخاص من أهله في متابعة حثيثة لهذا الجهد كما أشار إليها الحمد في مقدمة الكتاب، بقي أمر بالغ الأهمية ويأتي تساؤل في محله: بعدما قدّم فائق عبدالجليل حياته قربانا لهذا الوطن... ماذا قدّم له الوطن وفاء له؟
هل نكتفي بتسمية شارع أو مدرسة على اسمه، أم أن هناك ما هو أكبر من ذلك بكثير تجعلنا نؤمن بجدوى تضحيته؟
أسئلة ربما لم يصرح بها الكتاب، لكنها خطرت ببالي كثيرا وأنا أقرأه وأجدها ضرورية جدا!
أخيرا... اختم باحدى أغاني هتاف الصامدين الواردة بالكتاب من كلمات الشاعر الشهيد فائق عبدالجليل والتي دفع حياته ثمنا لها:
ما نطلع منها ما نطلع
صوت الحق أقوى من المدفع
تغيب الشمس وترجع تطلع
ياللي بالداخل أو برا
عن حب بلادك لا ترجع
واحنا اللي بالداخل ما نطلع
ما نطلع منها ما نطلع
والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.
* كاتب وناقد كويتي
bo_salem72@