خواطر تقرع الأجراس / الحجارة والبيوت الزجاجية
| مصطفى سليمان |
النقد الذاتي. الموضوعية. قل الحق ولو على نفسك. الاعتراف بالحق فضيلة... مقولات شائعة نتبجّح بها ولا نطبّقها. وعندما نواجهها أو يواجهوننا بها ننسلخ من جلودنا، وننطق بغير حناجرنا، وننكر ونستنكر... لأن هناك تطابقاً بين الشخصية والمبدأ. فعالم الذرة الهندوسي مثلاً عند انتقاد العقيدة البقرية يشعر أنك تنتقده شخصياً. فالموضوعية أو التجرد مدخل إلى الحقيقة. ومدخل الموضوعية الشك المنهجي، كما فعل الإمام الغزالي في تجربته الروحية الفكرية والتي سجلها في كتابه (المنقذ من الضلال) قبل ديكارت بقرون. ثم جاء طه حسين وطبّق فلسفة الشك المنهجي في كتابه الشهيرعن الشعر الجاهلي.
اقرأ كتب التراث وتجرّدْ من ذاتيتك تجدْ العجب العجاب. اقرأ مثلاً فن الغزل فستجدالتغزُّل بالغلمان أي المثلية الجنسية بما لا يجرؤ شاعر معاصرعلى البوح به في مجتمعنا وأدبنا. وهناك اللواط، وهو في عاداتنا وقيمنا وعقيدتنا ظاهرة مرفوضة وجريمة. وممارسات آل لوط في القرآن الكريم استدعت العقاب الإلهي. وفي عهد الخليفة عمر صدرت أوامر لعلي (رضي الله عنهما) بتحريق ورمي اللوطيين من حالقٍ.
بدأ التشبيب والغزل بالغلمان في العصر العباسي. فلم يكن ظاهراً في الدولة العربية الأموية. وكان أبو نواس يتغزل بالغلمان. بل تغزل بالخليفة الأمين المشهور بجماله حين رآه يسبح في بركة!
وتناقضت الفتاوى. بعضهم رأى اللواط بالغلمان كالزنى يستحق الرجم. وبعضهم فرّق بين الزنى بالغلام المملوك وغير المملوك (!) فالحدُّ لايلزم المملوك. والثاني لا حدَّ فيه، بل يلزمه التعزير؟!
ومن القصص المثيرة ما رواه ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن سعد الورّاق وهيامه المجنون بغلام نصراني في مدينة الرُّها الذي كان يتردد على دكّان الوِراقة، ويسمع أشعار الشعراء ويكتبها، فعشقه سعد!. وترهّب الغلام في الدير. وكان سعد يتردد على الدير يريد لقاءه فيمنعه الرهبان، فيهيم سعد على وجهه جنوناً. ثم يجدونه ميتاً قرب الدير. ويشكو العامةُ أمره إلى السلطان مدّعين أن الرهبان قتلوه. وكان الرأي ضرب رقبة الغلام وإحراقه وتعزير جميع الرهبان بالسياط (؟!) لكن الرهبان افتدَوا أنفسهم بألف درهم. وكان الغلام وهو في زيارة أهله يرميه الصبيان بالحجارة صائحين: يا قاتل سعد الورّاق! فامتنع الغلام من دخول المدينة وانتقل إلى دير سمعان.
وقصة ديك الجن الحمصي وتغزله بغلامه (بكر) مشهورة في حياته وديوانه وهي تشي بمثلية جنسية. جلسا يوماً يتحدثان إلى أن غاب القمر. فقال:
دعِ البدرَ فليغربْ فأنتَ لنا البدرُ
إذا ما تجلّى من محاسنك الفجرُ
إذا ما انقضى سحْر الذين ببابلٍ
فطرْفك لي سحرٌ وريقك لي خمرُ
ولو قيل لي قمْ فادعُ أحسنَ مَن ترى
لصحتُ بأعلى الصوت: يا بكرُ يا بكرُ
إذاً بيتنا من زجاج. فلا نرمِ أحداً بالحجارة؟ نتهم غيرنا بالفسق ونطهِّر أنفسنا (وعين الرضا عن كلّ عيب كليلةٌ/ ولكنّ عين السُّخط تُبدي المساويا).
ليت لنا جرأة الأدباء القدماء في التعبير عن الخفايا. رقابة القدماء أكثر حرية من رقابة المعاصرين الحضاريين! ليس ذلك دعوة لإشاعة الفاحشة بل لدراسة الظواهر النفسية والاجتماعية والأخلاقية، والبحث عن الحلول العلمية. كفانا نعاميةً! كفانا رشْق بيوت الناس بالحجارة... وبيوتنا شفافة رقيقة.
*كاتب سوري
اقرأ كتب التراث وتجرّدْ من ذاتيتك تجدْ العجب العجاب. اقرأ مثلاً فن الغزل فستجدالتغزُّل بالغلمان أي المثلية الجنسية بما لا يجرؤ شاعر معاصرعلى البوح به في مجتمعنا وأدبنا. وهناك اللواط، وهو في عاداتنا وقيمنا وعقيدتنا ظاهرة مرفوضة وجريمة. وممارسات آل لوط في القرآن الكريم استدعت العقاب الإلهي. وفي عهد الخليفة عمر صدرت أوامر لعلي (رضي الله عنهما) بتحريق ورمي اللوطيين من حالقٍ.
بدأ التشبيب والغزل بالغلمان في العصر العباسي. فلم يكن ظاهراً في الدولة العربية الأموية. وكان أبو نواس يتغزل بالغلمان. بل تغزل بالخليفة الأمين المشهور بجماله حين رآه يسبح في بركة!
وتناقضت الفتاوى. بعضهم رأى اللواط بالغلمان كالزنى يستحق الرجم. وبعضهم فرّق بين الزنى بالغلام المملوك وغير المملوك (!) فالحدُّ لايلزم المملوك. والثاني لا حدَّ فيه، بل يلزمه التعزير؟!
ومن القصص المثيرة ما رواه ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن سعد الورّاق وهيامه المجنون بغلام نصراني في مدينة الرُّها الذي كان يتردد على دكّان الوِراقة، ويسمع أشعار الشعراء ويكتبها، فعشقه سعد!. وترهّب الغلام في الدير. وكان سعد يتردد على الدير يريد لقاءه فيمنعه الرهبان، فيهيم سعد على وجهه جنوناً. ثم يجدونه ميتاً قرب الدير. ويشكو العامةُ أمره إلى السلطان مدّعين أن الرهبان قتلوه. وكان الرأي ضرب رقبة الغلام وإحراقه وتعزير جميع الرهبان بالسياط (؟!) لكن الرهبان افتدَوا أنفسهم بألف درهم. وكان الغلام وهو في زيارة أهله يرميه الصبيان بالحجارة صائحين: يا قاتل سعد الورّاق! فامتنع الغلام من دخول المدينة وانتقل إلى دير سمعان.
وقصة ديك الجن الحمصي وتغزله بغلامه (بكر) مشهورة في حياته وديوانه وهي تشي بمثلية جنسية. جلسا يوماً يتحدثان إلى أن غاب القمر. فقال:
دعِ البدرَ فليغربْ فأنتَ لنا البدرُ
إذا ما تجلّى من محاسنك الفجرُ
إذا ما انقضى سحْر الذين ببابلٍ
فطرْفك لي سحرٌ وريقك لي خمرُ
ولو قيل لي قمْ فادعُ أحسنَ مَن ترى
لصحتُ بأعلى الصوت: يا بكرُ يا بكرُ
إذاً بيتنا من زجاج. فلا نرمِ أحداً بالحجارة؟ نتهم غيرنا بالفسق ونطهِّر أنفسنا (وعين الرضا عن كلّ عيب كليلةٌ/ ولكنّ عين السُّخط تُبدي المساويا).
ليت لنا جرأة الأدباء القدماء في التعبير عن الخفايا. رقابة القدماء أكثر حرية من رقابة المعاصرين الحضاريين! ليس ذلك دعوة لإشاعة الفاحشة بل لدراسة الظواهر النفسية والاجتماعية والأخلاقية، والبحث عن الحلول العلمية. كفانا نعاميةً! كفانا رشْق بيوت الناس بالحجارة... وبيوتنا شفافة رقيقة.
*كاتب سوري