ترجم شعاره «روح الدار... إبداع وابتكار» في فعالياته
مهرجان أبوظبي 2014... حكاية حوار ونَهَم
أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب يقودها فلاديمير أشكينازي بمشاركة عازف التشيللو غوتيه كابيسون
من اليمين: مارشال ماركوس وزكي أنور نسيبة وويليام روغ ومايكل كوربين
الزميل طارق ضاهر مع ماركوس
رينيه فليمنغ ومايكل شايد يتوسطان ساشا غوتزيل وسارة القيواني
• رينيه فليمنغ قدمت واحدة من أروع حفلاتها
• روح فلاديمير أشكينازي الشابة امتزجت بنغمات الأنامل الفتية
• أصوات لوحات بيل فونتانا سحرت زائري معرضه
• روح فلاديمير أشكينازي الشابة امتزجت بنغمات الأنامل الفتية
• أصوات لوحات بيل فونتانا سحرت زائري معرضه
إن كانت شهرزاد سكتت عن الكلام المباح لليال طوال لغاية في نفسها، فإن للكلام طعماً آخر في ليالي مهرجان أبوظبي... كلام لا ينحصر في حروف تنطق بها الشفتان، بل يتعداه كثيراً ليتغلغل في ثنايا ثقافات وفنون تمتمت وهمست، بل وصدحت على مدى ثلاثين يوماً في الفترة من 2 إلى 31 مارس الفائت، في سلسلة واقعية.
اختتم مهرجان أبوظبي 2014 فعالياته أول من أمس، بعد أيام وليال اختلطت فيها مشاعر الجمهور بين لهاث ونهم... فازدحام جدول الفعاليات جعل المهتمين يسارعون إلى حجز أماكنهم داخل قاعات فندق قصر الإمارات كي لا يفوتهم شيء. والقيمة المهنية والمعنوية للأسماء المشاركة جعلت الجمهور نهماً، بل طماعاً ليحظى بالمزيد.
«روح الدار... إبداع وابتكار» هو الشعار الذي اختاره القيمون على المهرجان لهذا العام. هذا المهرجان الذي يقام سنوياً – منذ 11 عاماً – بتنظيم من «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» التي تأسست في العام 1996 على يد هدى الخميس كانو، وبرعاية ورئاسة وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الشيخ نهيان مبارك آل نهيان. الشعار تم اختياره بعناية الداري بما يفعل. فالمشاركات التي تضمنها المهرجان، أقل ما يمكن القول عنها إنها إبداعية ومبتكرة، إذ إنها جمعت أشهر وأرقى فرق الباليه العالمية والفنانين والموسيقيين، من بينهم تسعة من الحاصلين على 21 جائزة غرامي، في مقدمهم أيقونة الجاز الأميركي هيربي هانكوك والسوبرانو الأميركية رينيه فليمنغ وقائد الأوركسترا الروسي فلاديمير أشكينازي إضافة إلى عازف الغيتار الشاب ميلوش كاراداغليتش، إضافة إلى إقامة معرض «رؤى صوتية» الذي يتضمن العمل بتكليف حصري «أصداء الصحراء»، أحدث أعمال الفنان بيل فونتانا.
أما روح الدار، الشق الأول من الشعار، فتمثل بإشراك الطاقات الإماراتية من المجالات الفنية المختلفة في الفعاليات، ما ترك أثراً إيجابياً ولمسة خاصة متميزة أعطت المهرجان روحاً خاصة.
ليال من العمر
ثلاث ليال «من العمر» أمضتها «الراي» في ضيافة المهرجان، شهدت فيها على إقامة أربع فاعليات، اثنتان منها موسيقيتان، فيما انقسمت الأخريان بين ندوة ثقافية بعنوان «الثقافة والدبلوماسية» ضمن مبادرة رواق الفكر، ومعرض «أصداء الصحراء» لفونتانا.
الأمسية الموسيقية الأولى كانت استثنائية، إذ أتت احتفاءً بالولايات المتحدة الأميركية، الدولة ضيفة شرف مهرجان أبوظبي 2014. وخلالها قدمت السوبرانو الأميركية رينيه فليمنغ، الحائزة على جوائز غرامي، واحدة من أروع الحفلات في إطلالتها الأولى على جمهور الإمارات، برفقة أوركسترا درسدن الفلهارمونية بقيادة ساشا غوتزيل، ومشاركة التينور المتألق مايكل شايد، والسوبرانو الإماراتية الأولى سارة القيواني.
داخل القاعة، جلس الجمهور متأهباً تارة ومسترخياً تارة أخرى. تأهب لتحية من وقفوا فوق خشبة المسرح وأعطوا كل ما في داخلهم، فيما الاسترخاء منحته الانسيابية والخفة التي تحلّى بها المغنون والعازفون.
كانت أمسية رينيه فليمنغ عبارة عن جملة متواصلة من لحظات التألق والإبهار، عبر أداء منفرد مبهر، ودويتو متألق مع التينور مايكل شايد.
قدمت فليمنغ وأوركسترا درسدن الفلهارمونية للجمهور أبعاداً جديدة للموسيقى الكلاسيكية، عبر روائع موزارت «زواج فيغارو» و«دون جيوفاني»، و«مانون» للعملاق ماسينيت، و«لا ترافياتا» للموسيقار فيردي، و«آني غيت يور غن» لبيرلين، و«روغي أند بيس» للموسيقار غريشوين، بالإضافة إلى مقطوعات موسيقية من بيزيت. بينما قدمت سارة القيواني مقطوعة «سولاري» في دويتو لافت مع رينيه فليمنغ حيث لعبت الأخيرة دور الكونتيسة، وأدت سارة دور سوزانا.
وقد كان لحضور مايكل شايد على خشبة المسرح أثره الرائع في إضفاء المزيد من الرونق والتألق بأسلوبه العذب، وتقنيات أدائه الاستثنائية، التي تطابقت مع المستوى الرفيع للأداء الذي قدمته أوركسترا درسدن الفلهارمونية.
أشكينازي المشاكس
خلال الأمسية الموسيقية الثانية، امتزجت روح المايسترو فلاديمير أشكينازي الشابة بالنغمات المنبعثة بفعل الأنامل الفتية الممسكة بالآلات الموسيقية. على المسرح، لم يرَ الجمهور أثراً للسنوات السابعة والسبعين، عمر ذلك الرجل الذي غطّى الشيب شعر رأسه، بل وجد إنساناً تنبعث من داخله روح الحياة والأمل التي لا شك أنها نتاج امتزاج الموسيقى بكل ذرة هواء تمتلئ به رئتاه. أظهر - الحائز على جوائز غرامي للموسيقى - فوق الخشبة حركات المراهق ورصانة الكبير، فأمسك بيديه المجعدتين بفعل الزمن زمام الأمور وراح يحلّق مع الأوركسترا في فضاء رحب تملأه النغمات.
في تلك الليلة «المارسية» الباردة في الخارج، انبعث الدفء في الداخل، فقدمت أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب أول عروضها في العالم العربي بقيادة الموسيقار أشكينازي، بمشاركة عازف التشيللو الاستثنائي غوتيه كابيسون.
أدت فرقة أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب التي تجمع شباب 28 دولة أوروبية أمسية استثنائية حفلت بروائع الموسيقى الكلاسيكية لجميع الأعمار، من مؤلفات غلينكا، د?ورجاك ورخمانينوف، التي تم أداؤها في قالب متميز من الإبداع والأداء الراقيين، حيث تفاعل معها الجمهور الذي ملأ قاعة مسرح فندق قصر الإمارات، وفي فقرة لاحقة صعد على المسرح عازف التشيللو والنجم الفرنسي غوتيه كابيسون حيث أشعل حماسة الجمهور الذي تفاعل مع إبداعاته في العزف المنفرد لمقطوعة كونشيرتو التشيللو للموسيقار د?ورجاك، ما أضفى على الأمسية مزيداً من السحر والشاعرية الموسيقية المتفردة».
وكانت مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، قد وقعت اتفاقية تعاون مشترك مع أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب، قبل انطلاق هذا الحفل، تهدف إلى الارتقاء بالتزام المجموعة تجاه تطوير المواهب الشابة في المجال الموسيقي، وتوطيد العلاقات الثقافية بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وذلك بحضور كل من هدى الخميس كانو، مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، ورئيسة لجنة الثقافة والتعليم في البرلمان الأوروبي دوريس باك.
السفير المحاور
تزامناً مع الحضور الأول لأوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب في العالم العربي، وضمن سلسلة مبادرة «رواق الفكر» التي ينظمها مهرجان أبوظبي سنوياً عبر برنامجه المجتمعي، أقيمت ندوة بعنوان «الثقافة والدبلوماسية»، بفندق قصر الإمارات، حيث سلّطت الندوة الضوء على أهمية الحوار الثقافي كأداة للتفاهم بين الشعوب.
شارك في الندوة، كل من سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى الإمارات مايكل كوربين (مديراً للجلسة)، البروفيسور الزائر للدبلوماسية العامة، من مدرسة فلتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في الولايات المتحدة الأميركية السفير ويليام روغ، مؤسسة ورئيسة كلية الملكة صوفيا للموسيقى، ومؤسسة ورئيسة مؤسسة ألبينيز في إسبانيا بالوما أوشيا أرتينانو، والرئيس التنفيذي لأوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب مارشال ماركوس، والمستشار في وزارة شؤون الرئاسة د. زكي أنور نسيبة.
تمحورت الندوة حول أسئلة رئيسية منها «كيف يمكن للتطور في مشهد الفنون في الإمارات أن يصبح عالميّ التأثير؟، مَنْ الجهة المستفيدة من نجاح الفنان عالمياً؟، وما هو الدور الذي تلعبه معاهد الفنون، المبادرات الحكومية والدبلوماسية العامة في دعم وتحفيز تطوّر القطاع الثقافي؟، وما التأثيرات الإيجابية لذلك، والتي تطول حتماً الجمهور وتسهم في ازدهار الاقتصاد؟».
وقد انعقدت الندوة الحوارية ترجمة لإعلان انطلاق الشراكة الاستراتيجية بين مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون والأوركسترا، التي تعتبر السفير الثقافي للاتحاد الأوروبي، وبالتزامن أيضاً مع الإعلان عن إطلاق الاتحاد الأوروبي لخطته الاستراتيجية الإبداعية لدعم القطاع الإبداعي والثقافي.
كما أكّدت الندوة على أهمية الحوار الثقافي والتنمية كسبيل أوحد لتحقيق الازدهار والتفاهم المشترك بين الشعوب، حيث تبادل المتحدّثون، انطلاقاً من تجاربهم العميقة، القواسم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين الثقافة والفنون وكيفية إسهامها في بناء جسور اللقاء الحضاري والإنساني.
لكل شيء صوت
فوق جدران قاعة جانبية داخل فندق قصر الإمارات، تتوزع لوحات ضخمة عُلّقت بعناية. بعضها لا يحتاج إلى شرح كون الخطوط والدوائر حُفظت في الذاكرة لأشياء رأتها الأعين. قد يتساءل من لا يعرف «المغزى» من ذلك المعرض عن سبب تكبّد صاحبه عناء تظهير وتكبير تلك الصور طالما أنها ملتقطة بعدسة كاميرا، لكن حين يدرك أن «السر» يكمن في ما هو أبعد من ذلك بكثير، فلا عجب أن يشرّع الفاه شفتيه دهشة مما... سيسمع.
نعم، فالملحن والفنان التشكيلي الأميركي بيل فونتانا، رائد النحت الصوتي منذ بدايات سبعينات القرن العشرين تخطى حدود الصورة ليدخل إلى عمق الصوت. من وجهة نظره، أن لكل شيء صوتا، وما عرضه يثبت وجهة النظر تلك من دون نقاش.
هو انطلق من مبدأ أن الموجودات تصدر أصواتاً محددة، وبالتالي هناك صلة متأصلة بين صورة البحر وصوت الأمواج على سبيل المثال.
إيمانه بما يفكر جعله يجوب العالم ليكتشف الصوت عبر تركيب مجسات حساسة في كل ما يدفعه فضوله إلى سماعه. وضع مجساته بين نوابض ساعة «بيغ بن» الشهيرة، وبين أعمدة برج إيفل. حتى الجرس الصامت انتزع منه صوته من دون قرعه. أما لحظة الكسوف، فترك للطبيعة وأصوات الطيور والحيوانات أن تتحدث عنها.
قدم فونتانا عملين حصريين بتكليف من مهرجان أبوظبي الأول بعنوان «أصداء الصحراء»، والأول من بيئة الصحراء الإماراتية في المساحة الشاسعة في امتداد إمارة أبوظبي، في صحراء الظفرة بالمنطقة الغربية من الإمارة. أما الثاني، فهو «الأصوات الموازية» لجسر الشيخ زايد. هذان العملان كما يؤكد «بيل» أظهرا له قطبين ضدّين لم يخطر بباله أن يكتشفهما أو يكشف عنهما: «الأول يرتبط بعنصر الأبدية واللانهائية، والصوت الداخلي للصحراء، أما الثاني فيعكس التطور العمراني لمدينة يبرز فيها معلم جديد من تصميم المعمارية العالمية زها حديد، يرتفع كعلامة ثبات وحياة، أو آلة عزف موسيقي أبدي حي.
في ذلك المعرض أيضاً، قدم الفنان التشكيلي الإماراتي محمد كاظم عمله الأخير ضمن مجموعة أعماله الفنية «اتجاهات» بتكليف حصري من المهرجان. يستخدم كاظم في عمله مبدئي التصنيف والقياس (كما في الجي بي اس)، لتحديد البيئات الطبيعية التي لا يمكن تحديدها كمياً، وتصير المواقع في تجربته مرتبطة بالظواهر المجتمعية كما تصبح الإحداثيات المكانية متشابكة هندسياً. ويحاول الفنان في مجموعته هذه أن يتتبع ملامح علاقته بالجغرافيا والمناطق عبر الإمارات.
«الراي» التقت الرئيس التنفيذي لأوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب
مارشال ماركوس: مشروعنا يتعلق بفهم الثقافات
حين تجد نفسك أمام 120 عازفاً من 28 دولة يجتمعون تحت قيادة واحدة، فالسؤال الذي يقفز إلى ذهنك هو «كيف اجتمعوا وكيف يتفاهمون؟» حتى وإن كنت تعلم أن الموسيقى لا تعترف بالهوية أو اللغة. المشهد تمثّل في رؤية عازفي أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب التي شاركت في إحدى أمسيات مهرجان أبوظبي. وذلك السؤال حمل معه أسئلة عدة وجدت إجاباتها لدى الرئيس التنفيذي للأوركسترا مارشال ماركوس الذي التقته «الراي» على هامش المهرجان.
• تقفون على مسرح عربي وأمام جمهور عربي، هل تعرفون شيئاً عن هذا الجمهور؟
- شخصياً، عليّ أن أقول إنني أعرف القليل عن هذا الجمهور، وقد حضرنا إلى أصحاب ثقافة لم نؤدّ أمامهم من قبل. يمكن للمرء أن يقرأ ويقابل ويتحدث معهم. أيضاً تحتاج لأن تكون هناك صلة وصل مع السكان المحليين، لذلك فبالنسبة إلينا نحن نأتي ونؤدي عملنا وساعدنا وجود تنظيم رائع من مهرجان أبوظبي الذي هو نقطة الاتصال بالنسبة إلينا.
• ماذا عن البرنامج... على أي أساس اخترتم المقطوعات الموسيقية؟
- البرنامج متناغم مع المهرجان، مع أشياء متعددة. لكن كانوا مهتمين بالتعامل مع هذا البرنامج. والحقيقة أنني أردت أن آتي بشيء يظهر الشخصية وقوة هذه الأوركسترا. لكن تم اختيارها مع المهرجان في نهاية الأمر.
• لنتحدث عن فلاديمير أشكينازي، ما الذي يضيفه وجوده في قيادة الأوركسترا؟
- إن وجود أوركسترا بهذا المستوى من التميز يمكنها أن تؤدي هذا البرنامج من بدايته وحتى نهايته من دون وجود المايسترو. فالمايسترو ليس رجل شرطة... ليس رجل مرور في هذا البرنامج. إنه رجل يتلقى ما تقدمه الأوركسترا ويقوم بترجمته، فيزيّننها لتكون أعظم ويضيف التفاصيل الخاصة بها. والسيمفونية الأوركسترالية في الغرب، وسيلة هامة لطريقة تواجد الأوركسترا. لذلك، فالمايسترو (قائد الأوركسترا) هو بمثابة قلب وروح الموسيقى ويجمع أناساً عديدين لتأدية العمل.
• نحن أمام أكثر من 100 عازف. وفي الوقت نفسه نشاهد عازفاً منفرداً (غوتييه كابيسون) يقدم عرضه بمرافقة الأوركسترا، كيف تصف الأمر؟
- في الواقع، هذه الفرقة الأوركسترالية تضم أكثر من 120 عازفاً، وهذا جزء من التقليد الغربي للكونشرتو (التأليفة الموسيقية التي يقدمها عازف واحد أو أكثر دون بقية الجوقة) وفيه تأخذ مجموعة كبيرة من العازفين وتجعلهم ينسقون عزفهم مع شخص واحد يقدم عزفاً منفرداً. هذا التناسق، وعملهم معاً، جزء من التقليد الغربي وجزء من هذا التأليف. يبدأ العزف بشيء اسمه كونشرتو جماعي (غروسو)، وباللغة الإيطالية هناك العزف المنفرد (صولو) وهناك (ريبيينو)، أي العزف مع الآخرين، لكنه الشيء نفسه. فلو نظرنا إلى عمل زخرفي، هناك جوهرة تحتاج إلى المساحة كلها لتعكس ما تفعله.
• أين يمكن أن نجد الروح في هذه الأوركسترا؟
- أرجو أن نجد روح الموسيقى في كل طرف، في كل عازف على المسرح. إنه شيء – أنا شخصياً – أجده مميزاً بخصوص هذه الأوركسترا، فلها روح مميزة. فكل عازف في الأوركسترا له المستوى والقدر نفسه من الأهمية والقدر نفسه من الاندماج في ما يفعله. ومن دون هذا الاندماج، لا توجد روح في الأداء. أذكر أنني عملت منذ سنوات بعيدة مع قائد أوركسترا رائع وهو ملحن أيضاً (ليونارد برنستاين). أتذكر ما قاله مصوره الخاص في إحدى المرات: «كلما دخل ليوناردو إلى الغرفة، تجد هناك تركيزاً من كل شخص موجود فيها بنسبة 110 في المئة». وأذكر أنني جربت ذلك. لذلك، فقد كنت أنتظر مع أوركسترا كبيرة، وقد دخل هذا الرجل فأخذت أشخص النظر نحوه. إنه تقليد قاس بشكل ما، فقد وقف الجميع، وكان هناك المشاهدون، وقد ارتدى العازفون الملابس بشكل مختلف. كل عازف يجمع تركيزه الكامل على المسرح... هم مجموعة عليها إظهار روح الموسيقى، وهذا هو المغزى. ويجب أن أقول إنه في مرات عديدة، ينسى الموسيقيون ذلك.
- أعتقد أنه حتى قبل أن يصعد الموسيقيون إلى خشبة المسرح، هناك خط خفي في الكواليس، متى عبره العازفون، فهناك كما أعتقد مكان مقدس. لا أبالي لأي ثقافة ينتمي هذا العازف، فمتى وصلت إلى هذا المكان عليك أن تكون في غاية التركيز عند تقديم الموسيقى.
عندما سئل موسيقيون عظماء قالوا «نحن كالشريان، تنساب الموسيقى من خلاله». ومتى أدى العازف بشكل طيب، تشعر بأن كل من على المسرح قد أدى شيئاً عظيماً، وأعتقد أن هذه الأوركسترا تعزف بشكل رائع.
• الموسيقى لا هوية لها. لكن هناك عازفين من 28 جنسية في هذه الأوركسترا. كيف تجمعهم معاً ليكونوا وحدة متناسقة ومتكاملة؟
- إنه أمر رائع. تستحضرني تلك العبارة التي تقول ان هناك وحدة في التنوّع (Unity in Density). في حفلنا هنا لم يتمكن عازفون سلوفاكيون من الحضور، علماً أن المعتاد وجود 28 دولة على المسرح. وهذا يعتبر تحدياً من الناحية الثقافية. غنه ليس تحدياً صعباً، إنه تحدي معقد لأنه يتكون من جنسيات مختلفة. لكنها في النهاية ليست مشكلة لا تستطيع حلها، فصحيح أن هناك 28 دولة، لكن هناك لغة واحدة في المقابل. كل عازف على خشبة المسرح يتحدث لغة الموسيقى، لذلك فإن الموسيقى هي الهوية في تلك اللحظة. أعتقد أن حتى مفهوم الأمة يمكن أن يهوي، فهناك الأوكرانيون والروس واماكن عديدة في أوروبا. اسكتلندا ستصبح دولة مستقلة في العام المقبل، وفي إسبانيا هناك مقاطعة كإقليم الباسك. بشكل ما، فإن فكرة الدولة – وهذه وجهة نظري الخاصة – فإنها تناسب التاريخ، ولذا يجب ألا يفاجئنا ذلك. يمكن للشعوب أن تتوحد عن طريق الموسيقى. بالنسبة إلي، يفاجئني أكثر أن نعتقد أنه أمر غريب، كيف يأتي الناس من شعوب مختلفة ليكونوا معاً؟ ولذلك ربما تكون هذه إجابة عن سؤالك السابق: «ماذا تفعل هنا؟».. نحن حضرنا كأناس لعمل اتصال، نبدأ بموسيقانا، لكنني أتطلع نحو اليوم الذي نعود فيه إلى أبوظبي كمستمعين للثقافة والموسيقى هنا. أعتقد أن هذا أمراً هاماً للغاية، لأن مشروعنا لا يتعلق فقط بأوركسترا كبيرة تضم عازفين شباب، وإنما يتعلق بفهم الثقافات. وأود أن يكون لدي المزيد من الوقت للأوركسترا. ذهبت بالأمس إلى مدرسة لنعزف هناك (كان عدد العازفين ستة) وما وجدته هو أننا تفاعلنا معهم كما تفاعلوا معنا. فالأمر ليس مجرد اهتمام المشاهدين لرؤية العازف، وإنما العازفون مهتمون أيضاً برؤية المشاهدين. هذه عملية يجب أن نتولاها، وهذا يجعلني سعيداً للغاية بتواجدي هنا. وأعتقد أن منظمي الاحتفال يودون القيام بذلك. ليس مجرد وجود أوركسترا على المسرح، ولكن تكوين علاقات بين الثقافات.
اختتم مهرجان أبوظبي 2014 فعالياته أول من أمس، بعد أيام وليال اختلطت فيها مشاعر الجمهور بين لهاث ونهم... فازدحام جدول الفعاليات جعل المهتمين يسارعون إلى حجز أماكنهم داخل قاعات فندق قصر الإمارات كي لا يفوتهم شيء. والقيمة المهنية والمعنوية للأسماء المشاركة جعلت الجمهور نهماً، بل طماعاً ليحظى بالمزيد.
«روح الدار... إبداع وابتكار» هو الشعار الذي اختاره القيمون على المهرجان لهذا العام. هذا المهرجان الذي يقام سنوياً – منذ 11 عاماً – بتنظيم من «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» التي تأسست في العام 1996 على يد هدى الخميس كانو، وبرعاية ورئاسة وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الشيخ نهيان مبارك آل نهيان. الشعار تم اختياره بعناية الداري بما يفعل. فالمشاركات التي تضمنها المهرجان، أقل ما يمكن القول عنها إنها إبداعية ومبتكرة، إذ إنها جمعت أشهر وأرقى فرق الباليه العالمية والفنانين والموسيقيين، من بينهم تسعة من الحاصلين على 21 جائزة غرامي، في مقدمهم أيقونة الجاز الأميركي هيربي هانكوك والسوبرانو الأميركية رينيه فليمنغ وقائد الأوركسترا الروسي فلاديمير أشكينازي إضافة إلى عازف الغيتار الشاب ميلوش كاراداغليتش، إضافة إلى إقامة معرض «رؤى صوتية» الذي يتضمن العمل بتكليف حصري «أصداء الصحراء»، أحدث أعمال الفنان بيل فونتانا.
أما روح الدار، الشق الأول من الشعار، فتمثل بإشراك الطاقات الإماراتية من المجالات الفنية المختلفة في الفعاليات، ما ترك أثراً إيجابياً ولمسة خاصة متميزة أعطت المهرجان روحاً خاصة.
ليال من العمر
ثلاث ليال «من العمر» أمضتها «الراي» في ضيافة المهرجان، شهدت فيها على إقامة أربع فاعليات، اثنتان منها موسيقيتان، فيما انقسمت الأخريان بين ندوة ثقافية بعنوان «الثقافة والدبلوماسية» ضمن مبادرة رواق الفكر، ومعرض «أصداء الصحراء» لفونتانا.
الأمسية الموسيقية الأولى كانت استثنائية، إذ أتت احتفاءً بالولايات المتحدة الأميركية، الدولة ضيفة شرف مهرجان أبوظبي 2014. وخلالها قدمت السوبرانو الأميركية رينيه فليمنغ، الحائزة على جوائز غرامي، واحدة من أروع الحفلات في إطلالتها الأولى على جمهور الإمارات، برفقة أوركسترا درسدن الفلهارمونية بقيادة ساشا غوتزيل، ومشاركة التينور المتألق مايكل شايد، والسوبرانو الإماراتية الأولى سارة القيواني.
داخل القاعة، جلس الجمهور متأهباً تارة ومسترخياً تارة أخرى. تأهب لتحية من وقفوا فوق خشبة المسرح وأعطوا كل ما في داخلهم، فيما الاسترخاء منحته الانسيابية والخفة التي تحلّى بها المغنون والعازفون.
كانت أمسية رينيه فليمنغ عبارة عن جملة متواصلة من لحظات التألق والإبهار، عبر أداء منفرد مبهر، ودويتو متألق مع التينور مايكل شايد.
قدمت فليمنغ وأوركسترا درسدن الفلهارمونية للجمهور أبعاداً جديدة للموسيقى الكلاسيكية، عبر روائع موزارت «زواج فيغارو» و«دون جيوفاني»، و«مانون» للعملاق ماسينيت، و«لا ترافياتا» للموسيقار فيردي، و«آني غيت يور غن» لبيرلين، و«روغي أند بيس» للموسيقار غريشوين، بالإضافة إلى مقطوعات موسيقية من بيزيت. بينما قدمت سارة القيواني مقطوعة «سولاري» في دويتو لافت مع رينيه فليمنغ حيث لعبت الأخيرة دور الكونتيسة، وأدت سارة دور سوزانا.
وقد كان لحضور مايكل شايد على خشبة المسرح أثره الرائع في إضفاء المزيد من الرونق والتألق بأسلوبه العذب، وتقنيات أدائه الاستثنائية، التي تطابقت مع المستوى الرفيع للأداء الذي قدمته أوركسترا درسدن الفلهارمونية.
أشكينازي المشاكس
خلال الأمسية الموسيقية الثانية، امتزجت روح المايسترو فلاديمير أشكينازي الشابة بالنغمات المنبعثة بفعل الأنامل الفتية الممسكة بالآلات الموسيقية. على المسرح، لم يرَ الجمهور أثراً للسنوات السابعة والسبعين، عمر ذلك الرجل الذي غطّى الشيب شعر رأسه، بل وجد إنساناً تنبعث من داخله روح الحياة والأمل التي لا شك أنها نتاج امتزاج الموسيقى بكل ذرة هواء تمتلئ به رئتاه. أظهر - الحائز على جوائز غرامي للموسيقى - فوق الخشبة حركات المراهق ورصانة الكبير، فأمسك بيديه المجعدتين بفعل الزمن زمام الأمور وراح يحلّق مع الأوركسترا في فضاء رحب تملأه النغمات.
في تلك الليلة «المارسية» الباردة في الخارج، انبعث الدفء في الداخل، فقدمت أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب أول عروضها في العالم العربي بقيادة الموسيقار أشكينازي، بمشاركة عازف التشيللو الاستثنائي غوتيه كابيسون.
أدت فرقة أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب التي تجمع شباب 28 دولة أوروبية أمسية استثنائية حفلت بروائع الموسيقى الكلاسيكية لجميع الأعمار، من مؤلفات غلينكا، د?ورجاك ورخمانينوف، التي تم أداؤها في قالب متميز من الإبداع والأداء الراقيين، حيث تفاعل معها الجمهور الذي ملأ قاعة مسرح فندق قصر الإمارات، وفي فقرة لاحقة صعد على المسرح عازف التشيللو والنجم الفرنسي غوتيه كابيسون حيث أشعل حماسة الجمهور الذي تفاعل مع إبداعاته في العزف المنفرد لمقطوعة كونشيرتو التشيللو للموسيقار د?ورجاك، ما أضفى على الأمسية مزيداً من السحر والشاعرية الموسيقية المتفردة».
وكانت مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، قد وقعت اتفاقية تعاون مشترك مع أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب، قبل انطلاق هذا الحفل، تهدف إلى الارتقاء بالتزام المجموعة تجاه تطوير المواهب الشابة في المجال الموسيقي، وتوطيد العلاقات الثقافية بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وذلك بحضور كل من هدى الخميس كانو، مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، ورئيسة لجنة الثقافة والتعليم في البرلمان الأوروبي دوريس باك.
السفير المحاور
تزامناً مع الحضور الأول لأوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب في العالم العربي، وضمن سلسلة مبادرة «رواق الفكر» التي ينظمها مهرجان أبوظبي سنوياً عبر برنامجه المجتمعي، أقيمت ندوة بعنوان «الثقافة والدبلوماسية»، بفندق قصر الإمارات، حيث سلّطت الندوة الضوء على أهمية الحوار الثقافي كأداة للتفاهم بين الشعوب.
شارك في الندوة، كل من سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى الإمارات مايكل كوربين (مديراً للجلسة)، البروفيسور الزائر للدبلوماسية العامة، من مدرسة فلتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في الولايات المتحدة الأميركية السفير ويليام روغ، مؤسسة ورئيسة كلية الملكة صوفيا للموسيقى، ومؤسسة ورئيسة مؤسسة ألبينيز في إسبانيا بالوما أوشيا أرتينانو، والرئيس التنفيذي لأوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب مارشال ماركوس، والمستشار في وزارة شؤون الرئاسة د. زكي أنور نسيبة.
تمحورت الندوة حول أسئلة رئيسية منها «كيف يمكن للتطور في مشهد الفنون في الإمارات أن يصبح عالميّ التأثير؟، مَنْ الجهة المستفيدة من نجاح الفنان عالمياً؟، وما هو الدور الذي تلعبه معاهد الفنون، المبادرات الحكومية والدبلوماسية العامة في دعم وتحفيز تطوّر القطاع الثقافي؟، وما التأثيرات الإيجابية لذلك، والتي تطول حتماً الجمهور وتسهم في ازدهار الاقتصاد؟».
وقد انعقدت الندوة الحوارية ترجمة لإعلان انطلاق الشراكة الاستراتيجية بين مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون والأوركسترا، التي تعتبر السفير الثقافي للاتحاد الأوروبي، وبالتزامن أيضاً مع الإعلان عن إطلاق الاتحاد الأوروبي لخطته الاستراتيجية الإبداعية لدعم القطاع الإبداعي والثقافي.
كما أكّدت الندوة على أهمية الحوار الثقافي والتنمية كسبيل أوحد لتحقيق الازدهار والتفاهم المشترك بين الشعوب، حيث تبادل المتحدّثون، انطلاقاً من تجاربهم العميقة، القواسم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين الثقافة والفنون وكيفية إسهامها في بناء جسور اللقاء الحضاري والإنساني.
لكل شيء صوت
فوق جدران قاعة جانبية داخل فندق قصر الإمارات، تتوزع لوحات ضخمة عُلّقت بعناية. بعضها لا يحتاج إلى شرح كون الخطوط والدوائر حُفظت في الذاكرة لأشياء رأتها الأعين. قد يتساءل من لا يعرف «المغزى» من ذلك المعرض عن سبب تكبّد صاحبه عناء تظهير وتكبير تلك الصور طالما أنها ملتقطة بعدسة كاميرا، لكن حين يدرك أن «السر» يكمن في ما هو أبعد من ذلك بكثير، فلا عجب أن يشرّع الفاه شفتيه دهشة مما... سيسمع.
نعم، فالملحن والفنان التشكيلي الأميركي بيل فونتانا، رائد النحت الصوتي منذ بدايات سبعينات القرن العشرين تخطى حدود الصورة ليدخل إلى عمق الصوت. من وجهة نظره، أن لكل شيء صوتا، وما عرضه يثبت وجهة النظر تلك من دون نقاش.
هو انطلق من مبدأ أن الموجودات تصدر أصواتاً محددة، وبالتالي هناك صلة متأصلة بين صورة البحر وصوت الأمواج على سبيل المثال.
إيمانه بما يفكر جعله يجوب العالم ليكتشف الصوت عبر تركيب مجسات حساسة في كل ما يدفعه فضوله إلى سماعه. وضع مجساته بين نوابض ساعة «بيغ بن» الشهيرة، وبين أعمدة برج إيفل. حتى الجرس الصامت انتزع منه صوته من دون قرعه. أما لحظة الكسوف، فترك للطبيعة وأصوات الطيور والحيوانات أن تتحدث عنها.
قدم فونتانا عملين حصريين بتكليف من مهرجان أبوظبي الأول بعنوان «أصداء الصحراء»، والأول من بيئة الصحراء الإماراتية في المساحة الشاسعة في امتداد إمارة أبوظبي، في صحراء الظفرة بالمنطقة الغربية من الإمارة. أما الثاني، فهو «الأصوات الموازية» لجسر الشيخ زايد. هذان العملان كما يؤكد «بيل» أظهرا له قطبين ضدّين لم يخطر بباله أن يكتشفهما أو يكشف عنهما: «الأول يرتبط بعنصر الأبدية واللانهائية، والصوت الداخلي للصحراء، أما الثاني فيعكس التطور العمراني لمدينة يبرز فيها معلم جديد من تصميم المعمارية العالمية زها حديد، يرتفع كعلامة ثبات وحياة، أو آلة عزف موسيقي أبدي حي.
في ذلك المعرض أيضاً، قدم الفنان التشكيلي الإماراتي محمد كاظم عمله الأخير ضمن مجموعة أعماله الفنية «اتجاهات» بتكليف حصري من المهرجان. يستخدم كاظم في عمله مبدئي التصنيف والقياس (كما في الجي بي اس)، لتحديد البيئات الطبيعية التي لا يمكن تحديدها كمياً، وتصير المواقع في تجربته مرتبطة بالظواهر المجتمعية كما تصبح الإحداثيات المكانية متشابكة هندسياً. ويحاول الفنان في مجموعته هذه أن يتتبع ملامح علاقته بالجغرافيا والمناطق عبر الإمارات.
«الراي» التقت الرئيس التنفيذي لأوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب
مارشال ماركوس: مشروعنا يتعلق بفهم الثقافات
حين تجد نفسك أمام 120 عازفاً من 28 دولة يجتمعون تحت قيادة واحدة، فالسؤال الذي يقفز إلى ذهنك هو «كيف اجتمعوا وكيف يتفاهمون؟» حتى وإن كنت تعلم أن الموسيقى لا تعترف بالهوية أو اللغة. المشهد تمثّل في رؤية عازفي أوركسترا الاتحاد الأوروبي للشباب التي شاركت في إحدى أمسيات مهرجان أبوظبي. وذلك السؤال حمل معه أسئلة عدة وجدت إجاباتها لدى الرئيس التنفيذي للأوركسترا مارشال ماركوس الذي التقته «الراي» على هامش المهرجان.
• تقفون على مسرح عربي وأمام جمهور عربي، هل تعرفون شيئاً عن هذا الجمهور؟
- شخصياً، عليّ أن أقول إنني أعرف القليل عن هذا الجمهور، وقد حضرنا إلى أصحاب ثقافة لم نؤدّ أمامهم من قبل. يمكن للمرء أن يقرأ ويقابل ويتحدث معهم. أيضاً تحتاج لأن تكون هناك صلة وصل مع السكان المحليين، لذلك فبالنسبة إلينا نحن نأتي ونؤدي عملنا وساعدنا وجود تنظيم رائع من مهرجان أبوظبي الذي هو نقطة الاتصال بالنسبة إلينا.
• ماذا عن البرنامج... على أي أساس اخترتم المقطوعات الموسيقية؟
- البرنامج متناغم مع المهرجان، مع أشياء متعددة. لكن كانوا مهتمين بالتعامل مع هذا البرنامج. والحقيقة أنني أردت أن آتي بشيء يظهر الشخصية وقوة هذه الأوركسترا. لكن تم اختيارها مع المهرجان في نهاية الأمر.
• لنتحدث عن فلاديمير أشكينازي، ما الذي يضيفه وجوده في قيادة الأوركسترا؟
- إن وجود أوركسترا بهذا المستوى من التميز يمكنها أن تؤدي هذا البرنامج من بدايته وحتى نهايته من دون وجود المايسترو. فالمايسترو ليس رجل شرطة... ليس رجل مرور في هذا البرنامج. إنه رجل يتلقى ما تقدمه الأوركسترا ويقوم بترجمته، فيزيّننها لتكون أعظم ويضيف التفاصيل الخاصة بها. والسيمفونية الأوركسترالية في الغرب، وسيلة هامة لطريقة تواجد الأوركسترا. لذلك، فالمايسترو (قائد الأوركسترا) هو بمثابة قلب وروح الموسيقى ويجمع أناساً عديدين لتأدية العمل.
• نحن أمام أكثر من 100 عازف. وفي الوقت نفسه نشاهد عازفاً منفرداً (غوتييه كابيسون) يقدم عرضه بمرافقة الأوركسترا، كيف تصف الأمر؟
- في الواقع، هذه الفرقة الأوركسترالية تضم أكثر من 120 عازفاً، وهذا جزء من التقليد الغربي للكونشرتو (التأليفة الموسيقية التي يقدمها عازف واحد أو أكثر دون بقية الجوقة) وفيه تأخذ مجموعة كبيرة من العازفين وتجعلهم ينسقون عزفهم مع شخص واحد يقدم عزفاً منفرداً. هذا التناسق، وعملهم معاً، جزء من التقليد الغربي وجزء من هذا التأليف. يبدأ العزف بشيء اسمه كونشرتو جماعي (غروسو)، وباللغة الإيطالية هناك العزف المنفرد (صولو) وهناك (ريبيينو)، أي العزف مع الآخرين، لكنه الشيء نفسه. فلو نظرنا إلى عمل زخرفي، هناك جوهرة تحتاج إلى المساحة كلها لتعكس ما تفعله.
• أين يمكن أن نجد الروح في هذه الأوركسترا؟
- أرجو أن نجد روح الموسيقى في كل طرف، في كل عازف على المسرح. إنه شيء – أنا شخصياً – أجده مميزاً بخصوص هذه الأوركسترا، فلها روح مميزة. فكل عازف في الأوركسترا له المستوى والقدر نفسه من الأهمية والقدر نفسه من الاندماج في ما يفعله. ومن دون هذا الاندماج، لا توجد روح في الأداء. أذكر أنني عملت منذ سنوات بعيدة مع قائد أوركسترا رائع وهو ملحن أيضاً (ليونارد برنستاين). أتذكر ما قاله مصوره الخاص في إحدى المرات: «كلما دخل ليوناردو إلى الغرفة، تجد هناك تركيزاً من كل شخص موجود فيها بنسبة 110 في المئة». وأذكر أنني جربت ذلك. لذلك، فقد كنت أنتظر مع أوركسترا كبيرة، وقد دخل هذا الرجل فأخذت أشخص النظر نحوه. إنه تقليد قاس بشكل ما، فقد وقف الجميع، وكان هناك المشاهدون، وقد ارتدى العازفون الملابس بشكل مختلف. كل عازف يجمع تركيزه الكامل على المسرح... هم مجموعة عليها إظهار روح الموسيقى، وهذا هو المغزى. ويجب أن أقول إنه في مرات عديدة، ينسى الموسيقيون ذلك.
- أعتقد أنه حتى قبل أن يصعد الموسيقيون إلى خشبة المسرح، هناك خط خفي في الكواليس، متى عبره العازفون، فهناك كما أعتقد مكان مقدس. لا أبالي لأي ثقافة ينتمي هذا العازف، فمتى وصلت إلى هذا المكان عليك أن تكون في غاية التركيز عند تقديم الموسيقى.
عندما سئل موسيقيون عظماء قالوا «نحن كالشريان، تنساب الموسيقى من خلاله». ومتى أدى العازف بشكل طيب، تشعر بأن كل من على المسرح قد أدى شيئاً عظيماً، وأعتقد أن هذه الأوركسترا تعزف بشكل رائع.
• الموسيقى لا هوية لها. لكن هناك عازفين من 28 جنسية في هذه الأوركسترا. كيف تجمعهم معاً ليكونوا وحدة متناسقة ومتكاملة؟
- إنه أمر رائع. تستحضرني تلك العبارة التي تقول ان هناك وحدة في التنوّع (Unity in Density). في حفلنا هنا لم يتمكن عازفون سلوفاكيون من الحضور، علماً أن المعتاد وجود 28 دولة على المسرح. وهذا يعتبر تحدياً من الناحية الثقافية. غنه ليس تحدياً صعباً، إنه تحدي معقد لأنه يتكون من جنسيات مختلفة. لكنها في النهاية ليست مشكلة لا تستطيع حلها، فصحيح أن هناك 28 دولة، لكن هناك لغة واحدة في المقابل. كل عازف على خشبة المسرح يتحدث لغة الموسيقى، لذلك فإن الموسيقى هي الهوية في تلك اللحظة. أعتقد أن حتى مفهوم الأمة يمكن أن يهوي، فهناك الأوكرانيون والروس واماكن عديدة في أوروبا. اسكتلندا ستصبح دولة مستقلة في العام المقبل، وفي إسبانيا هناك مقاطعة كإقليم الباسك. بشكل ما، فإن فكرة الدولة – وهذه وجهة نظري الخاصة – فإنها تناسب التاريخ، ولذا يجب ألا يفاجئنا ذلك. يمكن للشعوب أن تتوحد عن طريق الموسيقى. بالنسبة إلي، يفاجئني أكثر أن نعتقد أنه أمر غريب، كيف يأتي الناس من شعوب مختلفة ليكونوا معاً؟ ولذلك ربما تكون هذه إجابة عن سؤالك السابق: «ماذا تفعل هنا؟».. نحن حضرنا كأناس لعمل اتصال، نبدأ بموسيقانا، لكنني أتطلع نحو اليوم الذي نعود فيه إلى أبوظبي كمستمعين للثقافة والموسيقى هنا. أعتقد أن هذا أمراً هاماً للغاية، لأن مشروعنا لا يتعلق فقط بأوركسترا كبيرة تضم عازفين شباب، وإنما يتعلق بفهم الثقافات. وأود أن يكون لدي المزيد من الوقت للأوركسترا. ذهبت بالأمس إلى مدرسة لنعزف هناك (كان عدد العازفين ستة) وما وجدته هو أننا تفاعلنا معهم كما تفاعلوا معنا. فالأمر ليس مجرد اهتمام المشاهدين لرؤية العازف، وإنما العازفون مهتمون أيضاً برؤية المشاهدين. هذه عملية يجب أن نتولاها، وهذا يجعلني سعيداً للغاية بتواجدي هنا. وأعتقد أن منظمي الاحتفال يودون القيام بذلك. ليس مجرد وجود أوركسترا على المسرح، ولكن تكوين علاقات بين الثقافات.