أماكن / فلين ! (2 من 2)

u062cu0645u0627u0644 u0627u0644u063au064au0637u0627u0646u064a
جمال الغيطاني
تصغير
تكبير
... فلم أتعرف على قيمة الفلين، وأهميته الا من خلال هذه الزيارة لذلك المتحف الفريد، قالت لي السيدة أنا ماريا يرا، قبل أن نجتاز بوابة المتحف الى الفناء الداخلي الفسيح، ان العديد من الممتلكات الخاصة والمتصلة بالصناعة بدأت تندثر وتختفي، نتيجة التطور التكنولوجي، عندئذ بدأ القلق على التراث الصناعي وظهر ما يسمى هنا بعلم الآثار الصناعية.

تجربة اقامة متحف داخل مصنع للفلين كانت جديدة على ثقافة البرتغال، في البداية بدا المصنع القديم وكأنه يحتاج الى ترميم فقط، لكنه بدا أيضا وكأنه أثر، يذكرني هذا بالمصانع البلدية في القاهرة القديمة، ومصانع النسيج اليدوية التي لاتزال تعمل في صعيد مصر، ومصانع الزجاج اليدوي، استقر الرأي على انشاء متحف لصناعة الفلين بدلا من إلقاء الآلات والأدوات القديمة، وهذا ما تم بالفعل من خلال أربع قاعات كانت في الأصل ورشا للتصنيع.

في بداية الزيارة نتوقف في قاعة تعد المدخل، حيث تُعرض أفلام قديمة عن الفلين، من خلالها عرفت: ما هو الفلين الذي لم أهتم من قبل بمعرفة من أين جاء؟

الفلين مادة طبيعية مصدرها نوع معين من الشجر، في الأصل هو عبارة عن لحاء، أي قشرة خارجية لشجر البلوط الفليني، تتميز هذه المادة بأنها لا تمتص الماء بسهولة ويمكن ضغطها، غير أنها تعود الى حالتها الطبيعية بعد زوال الضغط.

ويرجع استخدام الفلين الى القرن الرابع قبل الميلاد، صنع الرومان منه صنادل، واستخدموه لتعويم مراسي السفن وشباك الصيد.

أما سدادات الزجاجات فبدأت صناعتها منذ القرن السابع عشر الميلادي، وبالتحديد في البرتغال، لأن أشجار البلوط الفليني تنتشر بغزارة في البرتغال، وقد رأيت اللحاء المنتزع من الشجرة، انه قطع عريضة شبه اسطوانية تتبع استدارة الأشجار، يتراوح سمكها من اثنين سنتيمتر الى ثلاثة، الشجرة تعيش ثلاثة أو أربعة قرون، أي أنها شجرة معمرة، وينبغي أن يكون عمر الشجرة عشرين سنة حتى يصبح لحاؤها صالحا للاستخدام.

ويسمى اللحاء الذي يؤخذ لأول مرة اللحاء البكر، ويتم تقشيره في شهور يونيو يوليو وأغسطس، والشجرة تقشر مرة كل ثماني سنوات، وبعد نزع اللحاء مرتين تعطي الشجرة أنواعا جيدة من الفلين.

تقشير الشجر يتم باستخدام بلطة بمقبض طويل، أشكالها المختلفة معروضة في المتحف يتم نزع اللحاء بالطول، من أعلى الى أسفل، استخدام البلطة يجب أن يتم بحذر، اذ يجب ألا تجرح الغلاف الداخلي للشجرة، فلو جرح لن ينمو لحاء الفلين مرة أخرى.

تؤخذ قطع اللحاء بنية اللون الى المصنع ويتم غليها في الماء، وبواسطة سكاكين حادة، يتم كحت الطبقة الخارجية الرملية الخشنة، الغليان يؤدي الى اذابة حمض التانيك ويفصله عن الفلين، وهذا يؤدي الى نعومة اللحاء، وبالتالي تصبح الشرائح لينة قابلة للطي في أربطة، ويصنف الفلين طبقا لنوعه وكثافته.

عبر ورشتين رئيستين نرى مراحل تصنيع الفلين، وبالتحديد السدادات الخاصة بأنواع الزجاج، الورشة الأولى فيها أنواع الماكينات المستخدمة والتي هدفها تشكيل السدادات وتحديد أحجامها، هذه الماكينات مرت بمراحل مختلفة.

في البداية كانت يدوية، ثم تطورت مع عصر النهضة الصناعية، وتوجد ماكينة ضخمة مهمتها توليد طاقة كهربائية تدير الماكينات الصغيرة، حجم الماكينة الأم المولدة للطاقة في حجم قاطرة من النوع القديم التي كانت تستخدم الفحم والماء لتوليد البخار.

الورشة الثانية تظهر مراحل التصنيع، وفيها رأينا لحاء الشجر يدخل بعد غليه وتطريته ليقطع الى شرائح مستطيلة تدخل في ماكينات تخرج منها سدادات مستديرة طبقا للمقاسات المطلوبة، ثمة سدادات مستطيلة وأخرى قصيرة أو متوسطة، قطر كل منها يتراوح طبقا للطلب ويمكن التحكم في تلك السدادات بالنسبة للحجم، من خلال الماكينات المستخدمة. طبعا هناك مقاييس متعارف عليها بالنسبة للزجاجات، خاصة زجاجات النبيذ والمشروبات الكحولية، لكن توجد طلبات بمقاييس محددة.

المثير بالنسبة لي تعقيد الماكينات المخصصة لانتاج هذه السدادات التي كنت أتعامل معها ببساطة غير مدرك أو ملم بالخطوات العديدة التي تتم، بدءا من انتزاع اللحاء من الشجر وغليانه بالماء، الى تصنيفه ثم تقطيعه، غير أن السدادات ليست الاستخدام الوحيد للفلين، انما يستخدم كمادة عازلة، لهذا يجمع ويضغط في شكل ألواح وأغطية أنابيب، هكذا يستخدم في عزل أنابيب المياه والتجميد، وثلاجات حفظ اللحوم، ومصانع الآيس كريم وتنقية الزيت، ولأن الفلين يطفو في الماء فانه يستخدم في صناعة عوامات شباك الصيد، ونصنع منه شمعات الأرضيات بمزج مسحوق الفلين مع زيت بذرة الكتان، وينشر هذا المعجون فوق قماش القنب أو الخيش، ويمكن جعل الأرضيات والجدران والسقوف عازلة للصوت باستعمال ألواح الفلين.

أعود الى السدادات، هناك سدادات كاملة من الفلين تغطى بأوراق معدنية، وهناك سدادات معدنية لها سطح داخلي من الفلين الرقيق يحقق العزل للرطوبة وعوامل التأثير.

وأذكر زجاجات المياه الغازية في الخمسينات التي كان يلتصق بأغطيتها هذه الطبقات العازلة، والتي كنت أتسلى بكشطها.

الغريب أنني لم أكن أفهم تعبيرا عالميا متداولا في مصر عندما يزعق أحدهم في مواجهة شخص معتد بنفسه قائلا: «انت عامل لي فيها فلة!».

المقصود بالفلة طبعا سدادة الزجاجة، وحتى الآن ليس لديَّ تفسير مقنع لهذه العبارة.

فالفلة هناك مرادفة للاعتداد بالنفس والشعور القوي بالشخصية.

هل يعرف القائل تفاصيل الجهد الذي يسبق اعداد هذه الفلة من الأشجار حتى الصنع وصولا الى الزجاجة؟ أم لطبيعة الفلين الذي يبدو لينا لكن لا ينفذ منه أي شيء، حتى الحرارة والرطوبة.

ربما هذا التفسير أو ذاك، لكن المؤكد أنني شعرت وفهمت قيمة الفلين في هذا المتحف الفريد ولم أعد أتعامل معه باهمال واحتقار، بل أصبحت أمسك بسدادة الفلين وأتخيل الشجرة الأم، والأيدي التي قطعت ونسقت وشكلت.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي