مشهد
«الفاضي يعمل قاضي»!
د. زياد الوهر
كنت في زيارة لفلسطين المحتلة أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وقررنا؛ أنا ومن يرافقني الذهاب لصلاة الجمعة في مدينة القدس وزيارة المسجدين الأقصى المبارك ومسجد قبة الصخرة المشرّفة. وفي منتصف الطريق أوقفنا حاجز إسرائيلي ومنعنا من التقدم، وأمرنا بالعودة لمدينة نابلس. كانت الساعة الثامنة والنصف صباحا، وكان وقت صلاة الجمعة في حوالي الساعة الواحدة ظهرا، وقت طويل... فكيف نقضيه؟ وقررنا بعد نقاش سطحي ساذج أن ندخل السينما جميعا لتمضية الوقت، وكان يُعرض يومها فيلم «رام بلرام» الهندي من بطولة الممثل الشهير أميتاب باتشان. كانت مدة عرض الفيلم أربع ساعات كاملة أمضيناها في مشاهدة الفيلم دون أن يرف لنا جفن لضياع هذا الوقت الثمين. هذه الحادثة في حياتي كانت دليلا قاطعا على عدم أهمية الوقت لدينا نحن الشباب حينها، ولو كان أحدنا يتسم برجاحة في الرأي لشار علينا في غير مشاهدة الفيلم الذي ما زال عالقا في ذهني بعد أكثر من 30 عاما.
بعض الناس؛ وقد أكون أنا منهم، لديه الكثير من أوقات الفراغ التي لا يُحسن استغلالها في ما هو مفيد أو ممتع. فبدلا من أن يكون هذا الوقت في طاعة وعبادة أو عمل ذي فائدة أو حتى لعب وترفيه مع أولاده الصغار، فإنه يقضيه في سفاسف الأمور واصطياد أخطاء خلق الله.
ولكن مَن منّا مَن ليس لديه وقت فراغ لا يعرف فعلا كيف يُشغله، والذي تمضي فيه الساعات بكل رتابة وملل، ولا نجني منه سوى النكد والكدر.
والملاحظ أن ذوي الأوقات الفارغة تزيد لديهم حاسة النقد للآخرين والتنقيب عن أخطائهم، ليتخذوا لأنفسهم مهنة جديدة وهي الإصلاح الاجتماعي، فيقوّمون سلوك هذا وينتقدون تصرف ذاك، ويقدمون المقترحات والحلول لشغل أوقاتهم وتمضية ساعات النهار والليل الطويلة.
أشخاص فارغون ليست لديهم قضية حقيقية ولا مبدأ ثابتاً، ويلعبون على كل الأوتار. فهم في السياسة ساسة محترفون، وفي التربية والتعليم تربويون مصلحون، وفي المرور ومشاكله تراهم يتصدرون القائمة في تقديم الحلول الجاهزة.
من المؤكد أن المشاركة في القضايا التي تهم المجتمع من صحة وتعليم وغيرها أمر حسن ومحمود على ألاّ يكون عملهم الوحيد من خلال النقد. ذلك أن كثرة النقد قد تولد اليأس والقنوط لدى المبدعين وصناع القرار فيجْنح بعضهم للسلبية وتنحية القضايا الرئيسة إلى آخر اهتماماتهم والانشغال بسفاسف الأمور وتوافهها والرد على المُنتقدين، وتفادي الوقوع في الأخطاء خشية التعرض للنقد اللاذع، لا بأس أيضا أن نقترح ونُعين صناع القرار برأي سديد وحكيم لتقويم الخطأ ولا نتركه ليستفحل فيصعب تداركه أو تفاديه.
كل ذلك بسبب وقت الفراغ، ذلك أن أولئك الناقدين المحترفين لو كانت لديهم أعمال يشغلون بها عقولهم وأجسادهم لما جلسوا على قارعة الطريق يراقبون الناس بعدسة مكبرة للبحث عن مكامن الخلل. فعلا لو كان للوقت لديهم قيمة أو معنى لشغلوه في ما يفيدهم ويفيد أمّتهم، فاصطياد الأخطاء مثلمة كبيرة، والناس لا تحب من يُركّز على عيوبها ويقتنص لها نواقصها.
يقول المثل الصيني الشهير: «الكلب القابع في الحظيرة ينبح على البراغيث من حوله، وأما الكلب الصياد فلا يدري عنها».
ألا يعلم أولئك أن الوقت من النّعم التي سيحاسب الله الفرد عليها يوم الحساب. ألا يعلم أحدهم أن الوقت كالسيف إن لم يقطعه قطعه. ألسنا أمة تُتهم بالكسل وقلة الانتاجية مع وفرة الوقت والمال. ألا يوجد لدينا من المشاكل ما يكفي لنقضي أوقاتنا في حلها بدلا من نقد الآخرين وتعريتهم. والأدهى إن سألت أحدهم عما حققه في السنوات الخمس الماضية لصال معك وجال في إنجازاته وابداعاته الكلامية والهوائية. فعلا الفاضي بيعمل قاضي، هذا مثل عربي شعبي معروف شَخّص هذه العلة منذ قرون مضت وصدق الشاعر المعاصر محمد ظافر الهلالي حين قال:
الوقتُ أغلى من الياقوتِ والذهبِ
ونحن نَخسرهُ في اللهوِ واللعبِ
وسوف نُسأل عنه عند خالقِنا
يوم الحسابِ بذاك الموقفِ النّشبِ
نلهو ونلعبُ والأيامُ مدْبِرةٌ
تجريْ سراعاً تُجِدُّ السيرَ في الهربِ
وقت الفراغ هذا أعطى البعض الحق في الحكم على نوايا الناس لا على ظواهر الأمور، فاصبحوا محللين نفسيين يقرأون بواطن الأمور، ويحللونها، ويستنتجون ما أرادوا منها، ثم يطلقون الأحكام بناء على ذلك. أرثي فعلا لحال بعض شبابنا هذه الأيام الذين يهدرون أوقاتهم وأعمارهم وريعان شبابهم تائهين في الطرقات، وعلى المقاهي والانترنت في ما لا يفيد في بناء شخصياتهم بناء سليما.
فتراهم يلهثون وراء الموضة، أو يتابعون كرة القدم بطريقة تتجاوز المعقول؛ فيشجعون برشلونة أو ريال مدريد، والويل لمن كان مُشجّعا للطرف الآخر، فقد يناله من السباب السيل العميم.
لقد أدركت الآن وأنا أخط كلمات المقال أني شخصيا لا أخلو من آفة نقد الآخرين أيضا، لذلك سأتوقف هنا وأقول في كلمة ختامية أن الوقت نعمة، والعمر يمضي، ومن لا يحاسب نفسه على ما أنجز يوميا فسوف يفوته الكثير، وتمضي حياته بلا معنى، وسيغيب عن الأرض تاركا... إرثا اسمه «إنسان فارغ».
[email protected]
Twitter: @zoodiac100
بعض الناس؛ وقد أكون أنا منهم، لديه الكثير من أوقات الفراغ التي لا يُحسن استغلالها في ما هو مفيد أو ممتع. فبدلا من أن يكون هذا الوقت في طاعة وعبادة أو عمل ذي فائدة أو حتى لعب وترفيه مع أولاده الصغار، فإنه يقضيه في سفاسف الأمور واصطياد أخطاء خلق الله.
ولكن مَن منّا مَن ليس لديه وقت فراغ لا يعرف فعلا كيف يُشغله، والذي تمضي فيه الساعات بكل رتابة وملل، ولا نجني منه سوى النكد والكدر.
والملاحظ أن ذوي الأوقات الفارغة تزيد لديهم حاسة النقد للآخرين والتنقيب عن أخطائهم، ليتخذوا لأنفسهم مهنة جديدة وهي الإصلاح الاجتماعي، فيقوّمون سلوك هذا وينتقدون تصرف ذاك، ويقدمون المقترحات والحلول لشغل أوقاتهم وتمضية ساعات النهار والليل الطويلة.
أشخاص فارغون ليست لديهم قضية حقيقية ولا مبدأ ثابتاً، ويلعبون على كل الأوتار. فهم في السياسة ساسة محترفون، وفي التربية والتعليم تربويون مصلحون، وفي المرور ومشاكله تراهم يتصدرون القائمة في تقديم الحلول الجاهزة.
من المؤكد أن المشاركة في القضايا التي تهم المجتمع من صحة وتعليم وغيرها أمر حسن ومحمود على ألاّ يكون عملهم الوحيد من خلال النقد. ذلك أن كثرة النقد قد تولد اليأس والقنوط لدى المبدعين وصناع القرار فيجْنح بعضهم للسلبية وتنحية القضايا الرئيسة إلى آخر اهتماماتهم والانشغال بسفاسف الأمور وتوافهها والرد على المُنتقدين، وتفادي الوقوع في الأخطاء خشية التعرض للنقد اللاذع، لا بأس أيضا أن نقترح ونُعين صناع القرار برأي سديد وحكيم لتقويم الخطأ ولا نتركه ليستفحل فيصعب تداركه أو تفاديه.
كل ذلك بسبب وقت الفراغ، ذلك أن أولئك الناقدين المحترفين لو كانت لديهم أعمال يشغلون بها عقولهم وأجسادهم لما جلسوا على قارعة الطريق يراقبون الناس بعدسة مكبرة للبحث عن مكامن الخلل. فعلا لو كان للوقت لديهم قيمة أو معنى لشغلوه في ما يفيدهم ويفيد أمّتهم، فاصطياد الأخطاء مثلمة كبيرة، والناس لا تحب من يُركّز على عيوبها ويقتنص لها نواقصها.
يقول المثل الصيني الشهير: «الكلب القابع في الحظيرة ينبح على البراغيث من حوله، وأما الكلب الصياد فلا يدري عنها».
ألا يعلم أولئك أن الوقت من النّعم التي سيحاسب الله الفرد عليها يوم الحساب. ألا يعلم أحدهم أن الوقت كالسيف إن لم يقطعه قطعه. ألسنا أمة تُتهم بالكسل وقلة الانتاجية مع وفرة الوقت والمال. ألا يوجد لدينا من المشاكل ما يكفي لنقضي أوقاتنا في حلها بدلا من نقد الآخرين وتعريتهم. والأدهى إن سألت أحدهم عما حققه في السنوات الخمس الماضية لصال معك وجال في إنجازاته وابداعاته الكلامية والهوائية. فعلا الفاضي بيعمل قاضي، هذا مثل عربي شعبي معروف شَخّص هذه العلة منذ قرون مضت وصدق الشاعر المعاصر محمد ظافر الهلالي حين قال:
الوقتُ أغلى من الياقوتِ والذهبِ
ونحن نَخسرهُ في اللهوِ واللعبِ
وسوف نُسأل عنه عند خالقِنا
يوم الحسابِ بذاك الموقفِ النّشبِ
نلهو ونلعبُ والأيامُ مدْبِرةٌ
تجريْ سراعاً تُجِدُّ السيرَ في الهربِ
وقت الفراغ هذا أعطى البعض الحق في الحكم على نوايا الناس لا على ظواهر الأمور، فاصبحوا محللين نفسيين يقرأون بواطن الأمور، ويحللونها، ويستنتجون ما أرادوا منها، ثم يطلقون الأحكام بناء على ذلك. أرثي فعلا لحال بعض شبابنا هذه الأيام الذين يهدرون أوقاتهم وأعمارهم وريعان شبابهم تائهين في الطرقات، وعلى المقاهي والانترنت في ما لا يفيد في بناء شخصياتهم بناء سليما.
فتراهم يلهثون وراء الموضة، أو يتابعون كرة القدم بطريقة تتجاوز المعقول؛ فيشجعون برشلونة أو ريال مدريد، والويل لمن كان مُشجّعا للطرف الآخر، فقد يناله من السباب السيل العميم.
لقد أدركت الآن وأنا أخط كلمات المقال أني شخصيا لا أخلو من آفة نقد الآخرين أيضا، لذلك سأتوقف هنا وأقول في كلمة ختامية أن الوقت نعمة، والعمر يمضي، ومن لا يحاسب نفسه على ما أنجز يوميا فسوف يفوته الكثير، وتمضي حياته بلا معنى، وسيغيب عن الأرض تاركا... إرثا اسمه «إنسان فارغ».
[email protected]
Twitter: @zoodiac100