نص

قالوا إنها رحلت! صلاة خضراء... لرحيل أصفر

تصغير
تكبير
تلفعت بغيمة منسية، وبحثَت عن ثغرة في لوحة الوقت، ثم انسلت في هدأة السواد... وغابت.

لم أصدق، أمثلها ترحل؟!

تأخذ معها ألوانها الثلاثة ليطلي الغيابُ المدينةَ برمادية السؤال والصمت؟

توجهت إليهم، ألقيت إليهم السؤال مغسولا بدهشة وأسف، وكان السواد يزحف فوق رؤوسنا، ثم يطوقنا، يرعد، يبرق، ثم يهرب صاهلا بجنون.

طلبت منهم الإجابة، فالمدينة من دونها تنام على التنائي، تبسط الحصر الشائكة، وتؤثث البيوت بفراغ أصفر.

المدينة دونها ليل مديد، تسخط فيه الشمس وتختبئ.

المدينة دونها مرة، يغيب فيها السكر عن تمر النخيل.

كلهم لووا رؤوسهم، تهرب منهم الإجابات طائرة في حقل السماء الأزرق، ركضتُ بعيدا، وقفتُ تحت السماء العارية، الوحيدة إلا من نجمة بيضاء تكفف دمعها بأنفة وترفُّع، صرخت بصوتي كله، ناديتهما معا، هي الراحلة، وتلك الإجابات المتدللة المتوارية الهاربة القصية، ناديت:

«أمطري يا سماء أجوبة خضراء، تؤثث فراغ المدينة الأصفر»

لكن السماء تحجم- كما تحجم هي.

قفلت راجعا، أرصد البيوت النائمة على صمتها، كل الأبواب كانت مقفلة والنوافذ كانت معتمة، وتراب الطريق كان يئن تحت قدمي الموجعتين.

وحده بابها، كان مفتوحا، يشرح صدره لأسرارها النائمة، والمندسة في شقوق دارها، تمنيت أن أدقق النظر، أن أسرق من الوقت المهرول الشحيح بعضا من بقاياها في الزوايا، كان صوت رحاها في وسط الدار ينضد رثاء ما.

تدور...

تدور رحاها أكثر وأكثر

تطحن قمحا و ندى وتطرح وردا أحمرا، و ريحانا أخضر.

حملت الصور في عيني، وعدت إلى بيتي، يتفتق في روحي الحزن، يخيط ثيابي ويلون وجهي وشعري.

لم أستطع أن أنام، كنت وحرب الأسئلة في كر وفر، استعطاف وأمر، وكانت... كما الراحلة تماما... محجمة عني متوارية

أقبل الصبح، كالحا، ثمة غياب يبسط ذراعيه، يُلبس المدينة غيهبا باهتا

غاب المطر وماتت الفسائل. وصمت الطير

وحدها الرحى بقيت تدور.

وحول نعشها الصامت تحلقت قلوب موتورة، ترتل صلاة خضراء لغيابها الأصفر.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي