فاصلة / سرد بلون برتقالي!

تصغير
تكبير
السرد في سلطنة عمان يصعد مع الوقت درجات عالية في الحضور الأدبي والتكنيك والجمال اللغوي عبر مجموعة من الكتاب أثبوا أن لعمان حضورها الأدبي الخاص بنكهته السردية المختلفة عن أقرانها في المنطقة، وهو ما يمكن تلامسه بكل وضوح وعمق مع أعمال جملة كتاب أثبتوا أن حداثة التجربة تنطوي على مغامرة مغايرة في الكتابة بعد أجيال من التلقي للإبداعات العالمية والعربية.

من هؤلاء الكتاب العمانيين الكاتبة هدى أحمد الجهوري، التي تعتبر من أهم الأسماء العمانية في مجال السرد، حيث صدرت أعمال قصصية عبر مجموعتي «نميمة مالحة»، «ليس بالضبط كما أريد» عن مؤسسة الانتشار العربي، ورواية «الأشياء ليست في أماكنها» ضمن إصدارات دائرة الثقافة والإعلام. ثم مجموعة قصصية ثالثة بعنوان «الاشارة برتقالية الآن» الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، وهي موضوع المقال.

المجموعة تنطلق من عنوان لم يكن أحد عناوين قصص المجموعة، مما يشي أن الكاتبة ارادت منه أن يكون عنوان حالة عامة تطغى على معظم تفاصيل السرد في المجموعة. لتكون المرأة فيها بطلتها بامتياز، مشرعنة هذه البطولة من خلال مقولة مقتبسة عن ماركيز جاءت كتصدير للمجموعة «ما دمت مع امرأة، فلن يصيبني مكروه». مما يجعلنا نتساءل... ما هو حال لسان المرأة نفسها في المجموعة وهي مع رجل ما في كل قصة؟

حفلت المجموعة بمجموعة مشاهد حياتية، يتدخل فيها الجانب الخيالي كثيرا كرديف للسرد عبر أصوات متعددة/ متجاورة في البوح الآني أو السرد التالي لما مضى، ولا أعني الخيال الغرائبي أو العجائبي، ولكن ما قد يدور خلاف دراية الواقع و ثباته التي بقي محبوسا لأفكار موروثة قد تطيح بكل الأحلام. فمن تجرد رجل ما من صبره الأبوي وأم وقعت ضحية ضعف أمامه دفعت ابنتهما حياتها ثمنا لوهم ما بأن العيب يطرق بابهم بعد ظهور حبة رمان على شفتها، ولا بد من معالجة الأمر ليعود الصباح هادئا كما في السابق من دون أن يعكر صفو أحدهما، وإن استلزم دون صحو البنت نفسها!

تأتي قصة نفيسة التي تعيش غريبة في بيتها وبين زوجها وأبنائها، لوهم ما، أنها تعتقد ان بيتها أصبح مباحا بكل أسراره وتفاصيله، خاليا من حميميته المفترضة لوجود امرأة أخرى تتصرف به، تتلصص على كل شيء، يكون الحل بترحيلها، لتنحشر نفيسة بكل تفاصيل البيت الذي لا تعرف عنه شيئا منذ سنوات.

أو تلك المرأة في بيت رجل تعتقد أنه يشبه سعيد، الرجل الذي غادرها روحا وبات آخر مكانه جسدا متورما بالشهوة، فتتوهم أنه ليس سعيد.

كذلك الحال مع حمدة التي عاشت ليلة عرسها بدهشة في حضرة فرح الجميع وجنونه حتى تاهت الضحكات واستخفت بحضور حبيب بن زهور الذي توهموا أنه سيضيف فرحا غير تقليدي في مناسبة تقليدية. لتشترك في ذات الدهشة رضية التي فقدت علبة ماكياجها يوما، وتعتقد ان غيرتها في محلها حيال زوجها بأن لديه علاقة مع أخرى، فتكتشف موقعه الآخر في محلها هي!

أو تلك التي تحاول تكملة العد في قصة «واحد اثنان ثلاثة» لتواجه زوجها الذي استدار عنها بهمومه تاركا اياها غارقة بوهمها، حتى تكشف حقيقة في مرآة أكبر تنظر فيها بشكل كامل لنفسها/ جسدها دون ضباب الظنون.

ويستمر الوهم مع زينة التي فقدت زينتها مع مرور سنوات حياتها، حتى اصطدم عقلها بجدار الزمن والوهم، دون أن تعلم أن الوسواس ثعبان يعيش في جيب المرأة كما الرجل.

الأمر لا يقتصر على الكبار، فالصغار أيضا لهم نصيب من الوهم، ولو أن للكبار يدا موغلة بالاكراه، كما مر مع قصة البنت وحبة الرمان، فها هو سعد وأقرانه يعيشون وهم أفكار الكبار حول أسباب تأخر الكلام الذي تأتي وصفة نطقه بمفتاح «المعلم» فتذكرت الأم الدعاء ونست من أين يبدأ تحريكه بفم «سعد» من اليمين أم من اليسار!

وقصة سيف الذي يحب الرسم على الجدران بالألوان الشمعية، ليبوح بما يود قوله من دون وعي من والديه، لتبقى أحلامه كسيرة/ أسيرة في حضن «ميري»، فهي وحدها من فهمه وفهم رسمه، لهذا رسم على جدران غرفتها حتى لا تدخلها الملائكة أولهم عزرائيل.

ورسائل واردة إلى السماء، وهي المتوهمة بضرورة تحرير أبطالها المفضلين بالأفلام بتكسير جهاز التلفاز، لتبقى غارقة في فكرة أن الاستحمام يزيد من كهولة الإنسان وانكماش حياته لكونه خلق من طين لا يتحمل رذاذ الماء، لتبقى شكواها معلقة بالسماء من عدم فهم أحد لها من أهلها. حتى صرخت يوما فزعة من أن شجرة البرتقال ثقبت بطنها، فخلف ذلك دما أحمرا على فراشها/ وهمها الوردي.

لتكون قصة «الموزة المعلقة في السماء» خاتمة لكل حكايات الصغار في طفولتهم، يحكونها بدهشة وهمهم على الكبار فيضحكون منها، ويضحكون بدورهم لضحكهم.

المجموعة حملت خيطا رفيعا من الحكي، استطاعت هدى الجهوري أن تمرره باتقان وتخيط به كل تفاصيل السرد، وعبر أيد متنوعة، تلونت خيوطها جميعا، في سبيل نسج لافتة كبيرة.. برتقالية السرد!

والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.

* كاتب وناقد كويتي

@bo_salem72
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي