ماذا لو...؟

الأمانة

u062du0646u0627u0646 u0639u0628u062f u0627u0644u0642u0627u062fu0631
حنان عبد القادر
تصغير
تكبير
ما أظلم الإنسان وما أجهله!، يخيره ربه في تكليف ليس بتشريف، وعمل مخلص لا يحتمل التأويل والتسويف، وعبء ثقيل تنوء تحت رزئه الجبال فيقبل متسرعا دون النظر جيدا في عواقب القبول، وفي جهله وظلمه لنفسه يقول تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً».

والأمانة لا تقتصر على المفهوم الضيق الذي تداوله الناس بينهم، وأغلقوا عليه عقولهم، فقد حجموها وضيقوها حتى صار ما يدخل في نطاقها ينتهك دون النظر أنه منها، فالعمل أمانة، والدراسة وطلب العلم أمانة، والمسؤولية أمانة، والمعاملات أمانة، وحفظ السر أمانة، والعبادات أمانة... الخ.

يقول الكفوي: «كلُّ ما افترض على العباد فهو أمانة، كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار»

ومن الأمانة أن يؤدي المرء واجباته على خير وجه، ولا ينتظر ما يعود عليه من العباد، لأنه إن أدى ما عليه كما أمره الله ورسوله فقد أضاء بذلك شعلة في طريق رقي المجتمع وتقدمه، فالعامل يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة، والطالب يؤدي ما عليه من واجبات، ويجتهد في تحصيل علومه ودراسته، ويخفف عن والديه الأعباء،والمرء يلتزم بالكلمة الجادة، فيعرف قدرها وأهميتها ؛ فرب كلمة يقولها الإنسان لا يلقي لها بالا ترفعه إلى عليين، ورب كلمة يلقيها ولا يلقي لها بالا تكبه على وجهه في النار، لذا أخبرنا رسولنا الكريم أن الكلمة الطيبة صدقة.

والمسؤولية أيضا أمانة، فكل إنسان كلف بالمسؤولية عن شيء يعتبر ذلك أمانة في عنقه، سواء أكان حاكمًا أو محكوما، والدًا أو ولدا، رجلا كان أوامرأة فهو راعٍ ومسؤول عن رعيته.

قال صلى الله عليه وسلم : « ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها (زوجها) وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

والأمانة أيضا في حفظ الأسرار،فعلى المرء أن يحفظ سر أخيه فلا يفشيه ولا يخونه، فما بالنا نستهين بذلك، ونثرثر فيما يخص الناس ولا يخصنا، ونتشدق بمعرفتنا عن فلان كذا وعن فلانة كذا، وقد قال النبي عليه صلوات ربي وسلامه عليه: «إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة» فما أهون أسرار الناس علينا، وما أعظم ذنب إفشائها عند الله تبارك وتعالى.

أما في البيع فالأمانة واجبة وجوب إيمان والمرء الصافي السريرة لايغِشُّ أحدًا، ولا يغدر به ولا يخونه، فقد مرَّ النبي على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده في كومة الطعام، فوجده مبلولا، فقال له: (ما هذا يا صاحب الطعام؟). فقال الرجل: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غَشَّنا فليس منا).

أي انتفى عنه الإيمان وصحبة أهله، لأنه إنما بالغش يهدم المجتمع، والغش وإن ذكره الحديث الشريف في الطعام، إلا أنه مثل فقط ينسحب على كل ما دونه، فما بال الطبيب الغشاش؟، والصيدلاني الذي يغش الناس؟!، والمهندس الذي يغش في البناء؟! والصانع الذي يغش في صنعته؟!، وغير ذلك من النماذج الكثير، ألا يؤدي ذلك إلى هدم المجتمعات رأسا على عقب؟!، ألا ينشر ذلك الفساد بين الناس فيعم الأرض؟!

ولقد أمرنا الله تعالى بالأمانة، ونهانا عن خيانتها حيث قال: «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون»، أما النبي فألزمنا بها مع جميع الناس، وأمرنا ألا نخون من خاننا، فقال: «أدِّ الأمانة لمن ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك».

- وعنه أيضًا صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، فجعل التفريط في الأمانة من دلائل النفاق وعلاماته.

ومن الأمانة أيضا أن نوكل الأمر لأهله ونعينهم عليه، فإن أوكلنا الأمر لغير أهله هلكنا وهلكت أمتنا، ويحضرني ما سمعت عن أحد الجواسيس الذين أسهموا في هدم الاتحاد السوفيتي، فقد كان رجلا ذا منصب رفيع في الدولة، وبيده مقاليد كثيرة، ولم يثبت عليه خيانة أو تفريط في حق الوطن لما يقرب من خمسين عاما، ولما كشف أمره وقبض عليه سألوه: كيف لم نكتشفك طوال تلك الأعوام؟!، وكيف لم نمسك عليك اتصالا مشبوها من أي نوع؟!، فأجاب: لقد قابلت من جندني مرة واحدة في حياتي، ولم يطلب مني في موقعي الحساس سوى القيام بأمر واحد: أن أوكل المناصب لغير مستحقيها، ولامن هم كفء لها، وهذا ما كنت أفعله.

جاء أعرابيٌّ الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله: متى السَّاعة؟ فقال له: إذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة، قال الأعرابي: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة».

إنَّ الأمَانَة فضيلة لا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرِّط في حقِّها، ماذا لو التزم الناس بالأمانة وحرصوا عليها في كل شأنهم؟!، ماذا لو حرص كل إنسان أن يؤدي ما عليه بإخلاص وأمانة؟! بالتأكيد سيتحقق لهم الخير، ويعمهم الحب، ويرضى الله تعالى عنهم، فقد أثنى الله عز وجل على عباده المؤمنين الحافظين للأمانة فقال: «والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون»، وفي الآخرة يفوز الأمناء برضا ربهم، وبجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

شاعرة وكاتبة مصرية

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي