قضايا الفساد وفشل «الأمناء» في تأدية واجباتهم عرّضهم للإقالات والاستقالات

ما «سر» منصب أمين بغداد؟

تصغير
تكبير
| بغداد - من حيدر الحاج |
قد تكون مهمة منصب أمين عاصمة عريقة مثل بغداد التي قارب تعداد سكانها 8 ملايين نسمة، شاقة وصعبة على الكثيرين، خصوصا لأولئك الذين لا يحظون بدعم من قوى سياسية مؤثرة لم تنفك تتصارع على «كعكة» المناصب الحكومية.
ورغم أن من تسلموا هذا المنصب بالوكالة، ظلوا يشكون من تداخل في الصلاحيات وعدم تعاون وزارات وجهات حكومية، وكذلك تعرضهم لضغوط سياسية لها خلال فترة ولايتهم. إلا أن أوساط المراقبة تُشدد على عدم الإغفال عن «ضعف الكفاءة» لدى غالبية من تسنم هذا المنصب الحيوي خلال العقد الماضي.
مناسبة الحديث عما بات يُعرف بـ «عقدة» منصب أمين بغداد و«سّر» تعاقب الوجوه عليه، بدت مُلحة بعد سلسلة الفيضانات التي ضربت العاصمة العراقية أخيرا، وكذلك في ظل عجز المؤسسة الخدمية الدائم والذي يبدو انه سيستمر طويلا، للأسباب المذكورة في الفقرة السابقة.
ومنذ الإطاحة بصدام حسين في مارس العام 2003، تربع على رأس هرم الأمانة خمسة أمناء. أولهم علاء التميمي الذي تعهد وقت تنصيبه بإحياء المدينة، لكن وعوده لم تتحقق، وأعيب عليه كثرة تواجده خارج العراق طيلة عامين تقريبا وهي مدة توليه المنصب.
بعدها تسلم محافظ بغداد حسين الطحان منصب الأمين، عنوة بعدما اقتحم برفقة مسلحين صيف العام 2005، مقر الأمانة في وسط بغداد وأطاحوا بالتميمي قبل أن تتدخل القوات الأميركية في حينها وتصطحب الأمين المعزول بالقوة إلى مكان مجهول حفاظا على سلامته. بينما نفى التميمي تواجده في مكتبه إبان عملية الاقتحام.
وبرّر الطحان فعلته التي شبهها البعض بـ «الانقلاب العسكري»، بحجة أن الأمين المعزول «يقضي الوقت خارج العراق بينما هو مكلف بالإشراف على شؤون الخدمات العامة في بغداد»، مُتلقيا دعما من رئيس مجلس المحافظة آنذاك مازن مكية، الذي أكد إن «أسبابا عدة وراء عزل التميمي من بينها شموله بقرار هيئة اجتثاث البعث».
ليتم لاحقا اختيار صابر العيساوي في منصب الأمين لكن بالوكالة أيضا. العيساوي الذي يحمل شهادة في الهندسة الزراعية هو الأطول بقاء في منصبه من بين أقرانه السابقين واللاحقين للفترة ما بين عامي 2005 و 2012 لكن هذه الفترة الطويلة لم تشفع له.
إذ وجهت نحوه انتقادات بسبب الفشل المتواصل في إنهاء أزمة الخدمات المستعصية، وتاليا اتهامات بالفساد أرغم بأثرها على المثول للمساءلة تحت قبة البرلمان. ومن بين الاتهامات الموجهة إليه «التربح على حساب المال العام، والجمع بين العمل السياسي والوظيفي في آن واحد وهو ما يعارضه القانون، وكذلك استغلال موارد الدولة لإكمال دراسته العليا التي استطاع فيها الحصول العام 2010 على درجة الدكتوراه في اختصاصه الزراعي». كما لم يسلم العيساوي خلال أمانته العامة لبغداد، من التهكم والسخرية حيث أطلق عليه البعض لقب «علي تانكي» والأخير شخصية شعبية معروف عنها كثرة الحديث الفارغ وضعف الإدراك العقلي، إضافة إلى الشّبه النسبي في ملامح الوجه بينهما.
وللتخلص من تداعيات ذلك، قدم العيساوي استقالته لرئيس الوزراء نوري المالكي الذي وافق عليها في سبتمبر العام الماضي، بعدما رفضها 4 مرات. ليُصدر بعد أيام قرارا بتعيين عبد الحسين المرشدي أمينا لبغداد بالوكالة، والأخير الذي يُعتبر مقربا من رئيس الحكومة، طالته أسهم الانتقادات والاتهامات التي أصابت من سبقوه.
ويعود تاريخ تأسيس أمانة بغداد إلى زمن الدولة العثمانية وتحديدا في عهد الوالي مدحت باشا العام 1868 حيث كانت بمستوى بلدية، وبعد انتهاء حقبة العثمانيين وتأسيس الدولة العراقية الحديثة صدر قانون إدارة البلدية رقم 84 لعام 1931، ليتم تسميتها بـ «أمانة العاصمة» ورئيسها تم تعريفه بالـ «أمين». وفي العام 1987 تم تغيير تسمية أمانة العاصمة إلى أمانة بغداد، وأعيد ارتباطها بمجلس الوزراء بعدما كانت ارتبطت مع وزارتي الداخلية والبلديات.
اخر من تم تعيينه في هذا المنصب «المنحوس» الوكيل البلدي لأمانة بغداد نعيم عبعوب، حيث صدر قرار تعيينه أمينا بالوكالة أيضا الأسبوع الماضي بأمر من المالكي. وهو ما واجه اعتراضات من قبل قوى سياسية في مقدمها «التيار الصدري» بزعامة رجل الدين الشاب مقتدى الصدر و«المجلس الإسلامي الأعلى» بزعامة المُعمم الشاب عمار الحكيم، والأخير كان قد رشح قبل أشهر محمد الربيعي لهذا المنصب إلا أن ترشيحه جوبه بالرفض.
قرار تنصيب عبعوب جاء «لضرب الخصوم السياسيين» كما يقول النائب شيروان الوائلي «هي طريقة يعتمدها المالكي في بعض الأحيان كإجراء يفتقر إلى التشخيص الدقيق والقناعة التامة، ولكنه يشجع ويحتضن من يسميهم أهل المواقف بغض النظر عن فسادهم وفشلهم». وقد تنتهي معضلة الاختيار بالوكالة لمنصب أمين بغداد، في ظل معلومات تفيد بان مجلس المحافظة طرح 3 أسماء تم تقديمها لرئاسة الوزراء لاختيار احدهم بـ «الأصالة»، حسب ما ذكر رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي في المجلس محمد الربيعي.
«لغز» أمين بغداد بدا وكأنه موروث من النظام السابق، إذ إن من تقلّدوا هذا المنصب في زمن صدام طالتهم الإقالات والعقوبات وحتى التصفيات الجسدية، مثلما حدث مع قاسم عواد الملقب بـ «قاسم نافورة» لولعه بإنشاء النافورات المائية، حيث أشيع آنذاك بأنه تمت تصفيته غرقا في بحيرة الثرثار.
ويُلخص المراقبون سبب فشل «الأمناء» في تأدية واجباتهم مما عرضهم للإقالات والاستقالات، إلى انشغالهم في أمور بعيدة عن واجباتهم الخدمية واستغلال الإمكانات المادية للوظيفة الحكومية لتحقيق مصالح شخصية، فضلا عن قضايا الفساد المالي والإداري التي اتهم بعضهم فيها، ناهيك عن خضوع بعضهم لابتزاز من قبل أطراف سياسية.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي