الفهد الكاتبة والمنتجة لمسلسل «الخراز» لا يليق بها إلا إحداثيات الإنسان لمرحلة ما قبل النفط بالخليج

تصغير
تكبير
| كتبت - ليلى أحمد |

يتكون العمل الفني من مجموعة عناصر مهمة، أولها الورق أي.. فكرة المسلسل والسيناريو والحوار، وهو العمود الفقري لاي عمل فني، بالاضافة الى الاخراج والتمثيل والموسيقى التصويرية والازياء والماكياج المقنع للمكان والزمان والحدث وأدوار الممثليين، وأيضا الاضاءة والديكور المناسب للمستوى الاقتصادي لحياة الابطال، هذا في كل انواع الدراما التلفزيونية والسينمائية والمسرحية وغيرها. وهذه العناصر مجتمعة «نادرا» ما يعمل لها حساب في الدراما الخليجية، اذ يتم التركيز على قصة سخيفة، لا تمثل الواقع الخليجي في اطار الواقعية الاجتماعية، بل تشوه الواقع بتطرف تسليط الضوء المبالغ، على سلوكيات فردية قليلة جدا، واعتبارها ظاهرة مجتمعية، لذا قد نجد القليل من الاجتهادات من شركات الانتاج الفني الخليجي، للوصول الى نقطة قريبة من الجودة الفنية المطلوبة، والتي كنا نراها مكتملة باقتدار عال في مسلسلات مثل «الملك فاروق» و«المصراوية» و«باب الحارة» السوري في جزئه الثاني.

حياة الفهد نجمة الكتابة للاعمال التراثية بالخليج، الى جانب نجوميتها التي لا تشبه أحدا من جيلها في الاداء التمثيلي، وتجاري الفنان سعد الفرج في ابداع الأداء التمثيلي، وهي ككاتبة مجيدة في كتابة نصوصها، من حيث اختيارها للفكرة، وتعتبر الاكثر حميمية في اقترابها من الواقعية الاجتماعية، في نبش سيرة الازمات الانسانية في مجتمعات الخليج.


أهمية التاريخ الاجتماعي

في مسلسل «الخراز» الذي عرض على فضائية دبي في رمضان الماضي، كتابة وبطولة النجمة حياة الفهد وبمشاركة رئيسية للنجوم غانم الصالح محمد جابر وعلي جمعه ومنى شداد وهبة الدري وباسم عبدالامير وفاطمة الحوسني وبورزيقة والاماراتي الحاي، وملاك والممثل الواعد نواف النجم، الى جانب عددا من الفناني، وحياة ككاتبة... هي نبض الهوية الخليجية في استلهامها الفترة التاريخية والاجتماعية لمرحلة قبل النفط، وقد تميزت به، ووجدت اقبالا جماهيريا ونجاحا فنيا ساحقا غير مسبوق في آخر مسلسل تراثي وهو «الفرية» الذي قدمته دبي رمضان الماضي، وكان نجاحها ساحقا في مهرجان الشهيد للدراما التلفزيونية 2007، وحصدت حصة الاسد من الجوائز، وهذا دليل على تتويج وترسيخ لقيمتها ككاتبة فذة ترصد مراحل اجتماعية قديمة مهمة جدا انقرضت من ذاكرة الاجيال الجديدة، فقدمت في مسلسلها التراثي «الفرية» صورة مشهدية ثرية بتفاصيل محملة بالمشاعر النابضة، وهذه هي لعبة الفهد الرئيسية ككاتبة في استلهام تراث المنطقة الاجتماعي قبل النفط، من خلال صيرورة العلاقات الانسانية، ولغة خطابها، وثيمة قصصها، وديكورات البيوت القديمة والفرجان «جمع فريج اي الحارة» والاسواق التي انقرضت معالمها من الارض، كما كانت ترصد الوضع الاقتصادي الصعب، والمؤثر على حيوات البشر، وهذا لا يجاريها به احد لان حياة الفهد كانسانة عاشت ارهاصات الحياة في آخر ايام كويت قبل النفط، بما تشكل تلك الفترة من زخم أخلاقي وانساني ثري، ومن ثم ما زالت «يعطيها طولة العمر» تعيش مستحدثات وشرور الطفرة الاقتصادية بعد النفط، والذي هز كل القيم الانسانية البسيطة والقديمة، وهي ترصد انهيارها، وربما كان مسلسل «الخراز» أحد شواهده، لكنه كان بحاجة للكثير من العمق التاريخي الاوسع ليظهر بشكل أفضل، كانت الكاتبة حياة الفهد - وستظل كذلك دراميا - جسرا بين الاجيال القديمة التي يكتنفها الحنيين لماضيها الذي أزيل من الارض، موصولا بجيل جديد يشاهد قصص الاولين، وتربطهم بحكايات ماضي اجدادهم في سنوات كفاحهم في بدء نشأة البلاد.


دراما عصرية

في مسلسل «الخراز» هذا العام، قدمت حياة الفهد لونا عصريا سهلا، وسهلا جدا، يمكن لاي أحد تقديمه، وعلى الرغم من أهمية القيم التي أرادت طرحها في بر الابناء بوالديهم، الا انها ليست «بقامة» وثراء حياة الفهد كانسانة وككاتبة تكتب الاعمال الاجتماعية التراثية بجودة عالية، ونحن نعلم ان قمة أهدافها في حياتها الفنية، أن تكون جسرا بين الجديد الضائع بين ثقافات متعددة، والقديم الراسخ بثبات مقوماته الانسانية والاخلاقية.

في مسلسل «الخراز» شدني أكثر مباراة الاداء التمثيلي بين نجوم العمل غانم الصالح وعلي جمعة وهبة الدري وهند البلوشي والشاب نواف النجم الذي يحتاج الى بعض المران لاظهار طاقاته التمثيلية والتي كانت تطل بخجل علينا، اضافة الى أداء حياة المعبر والمتجلي، فيما منى شداد كررت صورة السيدة الطيبة، وهو دور يشبه دورها بمسلسل «الفرية» في رمضان الماضي، والانسان الايجابي الطيب كما تعلم شداد وحياة و«احنا»، يصبح في الدراما غير محرك للاحداث، يتحول الى انسان سلبي، يعيش دوره وفق مخطط ما يفعله الآخرون، وتكون ردود أفعاله هي حالة تسجيل تجاه أشرار العمل.

ليس مفاجئا الاداء التمثيلي للفنان علي جمعة، هو من النادرين من جيله، الذي لا ينتبه لحركة الكاميرا، وكأنه ولد أمامها وعاش حياته تحت ضوئها، فمن ايماءات الوجه الى حركة الجسد، الى تلون الصوت، نهاية بما يقوله ويؤديه في حواره الدرامي، علي جمعة أمتعنا بأدائه التمثيلي في مسلسل «الخراز» وكان في قمة نضجه الفني. الا ان المأخذ عليه او على كاتبة العمل تحديدا، هو استخدامه بعض الألفاظ السوقية «والبصق» على الزوجة، بما لا يتناسب مع مستوى والديه الاخلاقي المتوازن والمحافظ الطيب. كما ان سلوك الاولاد علي جمعة ونواف وهند البلوشي خصوصا هند حين تعتبر نفسها فوق مستوى والديها «المكركبين التعبانين» وتقولها بصراخ عال، والثلاثة الطامعين ببيت والدهم، لا يدل سلوكهم انهم «أولاد» ناس بسطاء، شقي الوالدين الحنونين في تربية هؤلاء العاقين. واشعر ان النص «نط» على النتائج، دون تبرير لسلوكهم اللفظي الفظ، الا اذا كانت الكاتبة ترغب باظهار أثر التطلعات المادية على الاسرة، في زمن يعتبر ان الفلوس تخلق قيمتك في المجتمع الخليجي، واعتقد ان الفعل صح، لكن الاسلوب وطريقة التعبير لم تكن سليمة، لانه خارج المنطق.


التأثر بالخارج

دور هند البلوشي كان به رصد لما يراه الابناء والجيل الجديد من تطورات خارجية من ناحية الشكل، فتدخل في حالة عراك فعلي مع قيم الاباء والامهات العامرة بطاقة الروح والفعل الانساني الطيب، الا ان الدنيا الملونة، خارج بيتهم القديم تزغلل عينيها، وهي اساسا في سن ووعي أواخر سن المراهقة، لا تتحكم بانفعالاتها، فتثور على والديها، مطالبة بحقها في «زينة» الحياة، وهو تنفيذ مطالبها المادية، والذي كانت تراه محققا مع صديقاتها وفي محلات المجمعات التجارية والجامعة، وهذه التطلعات المادية هي التي قضت عليها فيما بعد، والجميل في الممثلة هند البلوشي انها لم تجامل التاريخ الطويل والتجربة العريقة في الاداء التمثيلي للنجمة حياة الفهد، فكانت «تتنرفز» وتغضب بصوت عال، وهو ما يؤهلها للصدارة الفنية، لانغماسها في أدائها، أكثر من اي اعتبارات خارجية، وربما كانت حياة الفهد هي مكتشفة طاقة التمثيل لدى البلوشي في «الفرية» العام الماضي و«الخراز» هذا العام، وهي طاقة مبدعة تتوه مسرحيا ودراميا في غير أعمال حياة الفهد.

وعلى الرغم من تمسك غانم الصالح بالبيت القديم، في محاولة انسانية للابقاء على حلاوة أيام الماضي، وحنينه لقيم تلك الايام، الا ان ابنته هند البلوشي التي كانت ابنة تاجر يعمل بالسوق، بها الكثير من «البهدلة» الشكلية في الازياء بما لا يتناسب مع وضع العائلة الاقتصادي المريح نسبيا.


تداعيات العيش

البيت القديم الحميم بحيشانه « جمع حوش»  وغرفه واكسسوارته وازياء «غانم و... حياة» هما حلقة دائرية من التكامل الذي قاده المخرج السوري عارف الطويل، أما ديكورات البيوت الاخرى، فهي تعبير عن حالة الطبقة المتوسطة بالكويت، وان كانت قد شوهته «كعادة كل المسلسلات الخليجية» الازياء والماكياج المبالغ به لزوجة الابن الممثلة «ملاك» والتي لم تكن تفرق بين ماكياج الخروج من المنزل ونظافة الوجه من الماكياج داخل البيت، كما ان بيجاماتها لم تكن لائقة وبها «خدشا للحياء العام» من حيث ضيقها الشديد على مناطق المرأة الساخنة.

اما الممثلة المجيدة هبة الدري فكانت في قمة طبيعتها المناسبة لدورها كامرأة محبطة في حياتها الزوجية، كما كانت «مبهدلة» بامتياز في البيت، لكنها بهدلة موظفة دراميا، لانها تعبر عن الاستنزاف المادي لموارد العائلة بفضل ادمان زوجها على المشروبات الروحية، وصرفها لايرادات راتبها الشهري من وظيفتها الحكومية، على احتياجاتها... كقسط السيارة والتكفل بالصرف على الاسرة والبيت.

المسلسل يرصد حالة التهافت على المال والذي أتانا مع الطفرة الاقتصادية بعد انفجار النفط في الخليج. وفي ظل انهيار قيم الماضي الانسانية البسيطة، تبرز التطلعات المالية كـ «وحش» يأكل الاخضر واليابس ودون رحمة. حتى لو كان ما يلتهمه هذا الوحش هما أعز خلق الله وهما... الوالدين.

ان الدراما العصرية مهما بلغت قيمها الانسانية من علو، وعلى اهمية ما تطرح في توجيه رسالة مهمة للمشاهدين، الا ان حياه الفهد ككاتبة تبدو أجمل وأكثر خلقا وابداعا، لو انها تخصصت في استلهام الماضي، وواقع الخليج العربي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمعاش اليومي، بحميمية قصصه الانسانية، في مرحله قبل النفط، فهي وحدها الفارسة في هذا المجال ولا يليق بها أن تشبه... احدا !


 




الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي