حاربه الإسلام بمجموعة من الوسائل تنطلق من قاعدة إيمانية بالله تعالى
الفقر... ومحدودية وقصور وعجز المناهج الوضعية
شرع الإسلام من الوسائل ما يمنع هذه الدمعة... لكننا مقصرون...!
| إعداد عبدالله متولي |
طرح الإسلام مجموعة من الوسائل لمحاربة الفقر وهي: الزكاة، العمل، الصدقات، الكفارات، الإنفاق في سبيل الله. فالزكاة شرعها الإسلام لسدِّ حاجة الفقراء **والمساكين والغارمين وابن السبيل؛ ولإقامة المصالح العامة للمسلمين، والهدف الأوَّل للفريضة هو إزالة الفقر، وذلك بتمليك مستحقيها من الوسائل التي تحميهم من التردِّي في الفقر، وتنقلهم من الكفاف إلى الكفاية، والزكاة لا تحارب الفقر بمعونة موقتة أو دوريَّة، وإنما بوسيلة وقائيَّة توسع فيها دائرة التمليك وتكثر عدد الملاك، وذلك بتمليك كل محتاج ما يناسبه ويغنيه.
والعملَ هو السلاح الأوَّل لمحاربة الفقر، وهو السبب في جلب الثروة، وهو العنصر الأوَّل فى عمارة الأرض التي استخلف اللهُ فيها الإنسان، والأصل في الشَّريعة الإسلاميَّة أن يُحارِبَ كُلُّ امرئٍ الفقر بسلاحِهِ، وسلاحه هو السعي والعمل.
وجعل الاسلام التّصدُّق من أكبر القربات، وأعظمها أجراً، وجعل اكتناز الأموال وعدم إنفاقها في سبيل الله من كبار المعاصي، والصدقة مطهرة للمال ومقصد الصدقات هو ربط قلوب المؤمنين برباط الحب الأخوي؛ ليقومَ التَّعاون بين الجميع في أعمال العمران، ومحاربة الفقر.
كما جعل الاسلام الكفارة من أبواب معالجة الفقر ولم يقصر ذلك على الزكاة والكفارة هي: ما يكفر به الإثم، وسميت الكفارات بهذا الاسم؛ لأنها تكفر الذنوب وتمحوها وتسترها فقد عمد الإسلامُ إلى طائِفةٍ من الجرائم والخطايا التي يكثر حدوثها وجعل كفَّارتها إخراج الأموال والتَّصدُّق بها على الفقراء، ولا شَكَّ أَنَّ هذه الكفَّارات الماليَّة مآلها إلى الفقراء الذين ينتفعون منها في سد رمق الجوع، ومحاربة الفقر عندهم.
وهناك عدد من المعاملات التي حرمها الله على الانسان المسلم لمحاربة الفقر وهي: تحريم الإسلام للربا، وتحريم الإسلام للكسب الحرام، وتَحْرِيمُ الإسلام للغِشِّ في المُعَامَلات، وتَحْرِيمُه لكَنْزِ المَالِ، وتحريم السؤال، وتحريم الاحتكار، ثُمَّ تحذير الإسلام من البخل.
كما أوصد الاسلام بتحريمه للكسب الحرام أهم الأبواب التي تؤدِّى عادةً إلى تضخُّمِ الثَّروات في يدِ بعضِ الأفراد، وانتشار الفقر في الأكثريَّة الغالبة من الأفراد، وحرَّم الإسلامُ أعمالَ الغصبِ والسلب والسرقة والنصب والمقامرة والربا وما ينشأ عنها من مكاسب مالية، واتخذ إزاء ذلك العقوبات الرادعة، وفي ذلك إلزام لأفراد المجتمع في البحث عن الكسب المشروع.
ومن مبادئ الإسلام الترهيب من التسول والاحتيال على الآخرين، فالإسلام يغرس في نفس المسلم كراهية سؤال الناس، وتربيتهم على علو الهمة وعزة النفس، والترفع عن الدَّنايا.
والأصل في سؤال الناس الحُرمةُ، لما في ذلك من تعريض النفس للهوان والمذلة، فلا يحل للمسلم أن يلجأ للسؤال إلا لحاجة تقهره على السؤال، فإن سأل وعنده ما يغنيه كانت مسألته خموشًا في وجهه يوم القيامة.
ثم يأتي دور التكافل الاجتماعي، وأثرهُ في محاربة الفقر، فالتكافل الاجتماعي يحقق للطبقات العاملة والفقيرة والعاجزة في المجتمع كرامة الحياة، بما يضمن لهم حاجاتهم الأساسية ويمنع عنهم ذل الحاجة والفقر والعجز.
الفقرُ والبطالةُ مازالا يُهدِّدان ملايينَ البشرِ في الكثير من دول العالم، ويمثلان الخطرَ الأكبر الذي يقوِّض خططَ التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول، فالأرقامُ تشير إلى تفاقم هذه المشكلات على المستوى العالمي، وإلى عجز العالم -بدُوَله وهيئاته ومؤسساته - عن استئصال الفقر والقضاء على البطالة، أو التخفيف من حدتهما، مع ما حدث في العالم من تقدم وتطور على المستويات كافة، فقد ذكرت وكالةُ (رويترز) منذ خمس سنوات أن حوالي نصف سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، في حين يعيش نحوُ 1.5 مليار أي 25 في المئة من السكان في العالم على دولار واحد في اليوم، ويصل عدد العاطلين في الدول النامية إلى أكثر من مليار شخص.
وأوضح تقريرٌ للأمم المتحدة أن هناك 550 مليون نسمة في العالم يبيتون جياعًا كل ليلة، وأن 1.5 مليار نسمة لا يحصلون على مياه الشرب النقية، أو الصرف الصحي الملائم، كما أن أكثر من 1.5 مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع، وطالب الحكوماتِ أن تعمل على خفض عدد هؤلاء الفقراء بمقدار النصف بحلول عام 2015م.
وكشف التقريرُ النقابَ عن أن سكان البلدان النامية -وعددهم 4.4 مليارات نسمة- يظل خُمسهم يتضور جوعًا في آخر النهار، ويفتقر ثُلُثهم إلى مياه الشرب، ورُبعهم إلى سكن ملائم، ولا يرتاد خُمس جميع الأطفال المدارسَ بعد السنة الخامسة من التعليم الابتدائي.
وتضم منطقةُ جنوب آسيا -حيث توجد نسبة 29 في المئة من سكان العالم- نحو 43 في المئة من فقراء العالم، ومع التقدم المحرز في الحد من الفقر، ساعد النموُّ المفرط في سكان المناطق الريفية الفقيرة -إلى حد كبير- على تزايد عدد الفقراء المرتفع أصلاً، وتراجعت المنطقةُ كثيرًا عن المناطق الأخرى فيما يخص التقدم المحرز في مجال التعليم.
ربع البشرية فقراء:
وأكد مكتبُ العمل الدولي في تقريره عن أوضاع العمل في العالم أن ربعَ البشرية يعيش في البؤس، وأن مليارًا ونصفَ مليار رجل وامرأة يعيشون بأقل من دولار في اليوم. أما في الدول النامية فإن ما يقارب ثلثَ السكان يعيشون بأقل من دولار في اليوم، وهناك 30 في المئة من الراشدين أُمِّيُّون، و30 في المئة محرومون من المياه العذبة، و30 في المئة من الأطفال الذين هم دون خمسة أعوام أوزانُهم دون المعدل الطبيعي.
وأوضح التقريرُ أن أكثر من 40 في المئة من سكان دول أفريقيا في جنوب الصحراء وجنوب آسيا يعيشون في الفقر، وهذه النسبة تزداد ارتفاعًا، وقد ارتفع عدد السكان الفقراء خلال السنوات الخمس الماضية بمعدل 200 مليون شخص في دول أفريقيا جنوب الصحراء وفي الدول التي تشهد أنظمتها مرحلة انتقالية في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وفي جنوب شرقي آسيا.
وأكد التقريرُ أن الغالبية الكبرى من السكان في عدد كبير من الدول النامية لا تحظى بأي ضمان اجتماعي، وليس هناك أي ضمان للعمال في القطاع غير الرسمي خارج إطار المؤسسات، وعددهم ما بين 750 و900 مليون عامل؛ لا يكسبون ما يكفي لِسَدِّ رمقهم وبينهم نسبة كبيرة من النساء.
مليار عاطل في الدول الفقيرة:
واذا نظرنا إلى البطالة نجدها تتفاقم يومًا بعد يوم على المستوى العالمي وخاصة في الدول الفقيرة والنامية، فقد كشف تقريرٌ حول العولمة والبطالة، أن هناك ما يزيد على مليار شخص متعطل عن العمل، في دول الجنوب مجتمعة.
وقال التقرير: إن الآثار السلبية الاجتماعية للعولمة تزيد زيادةً كبيرة من الصعوبات التى تواجهها شعوبُ الدول النامية، وتقلص من قدرة هذه الدول فى التغلب على النتائج الاجتماعية السلبية للتهميش والفقر. وأضاف التقرير أنه يتعين على منظمة العمل الدولية أن تضطلع بتحليل الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأزمة المالية على اقتصاديات الدول التى تأثرت بالأزمة، بالإضافة إلى إعداد دراسات حول أثر الأزمة على الأسواق المالية، مع التركيز بصورة خاصة على تخفيف حدة الفقر والبطالة فى هذه الدول.
إخفاق الأمم المتحدة:
وقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإخفاق في مواجهة مشكلات الفقر والبطالة، وعدم الأمن والاستقرار، وتحقيق العدالة أو التخفيف من حدة هذه المشكلات، وقالت في تقرير لها: إن هذه القضايا لا تزال مثارًا للقلق بنفس القدر، وإن ما يبعث على الانزعاج أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة من الفقر ازداد بالفعل خلال السنوات الخمس الأخيرة، وبلغت معدلاتُ البطالة مستوياتٍ مرتفعةً ارتفاعًا غير مقبول، كما أن عدد الصراعات الداخلية المتأججة في مختلف أرجاء العالم لا يزال مرتفعًا، مما يحولُ دون تحقيق أهداف الاندماج الاجتماعي. وأشار التقرير إلى أن الهوة بين الأغنياء والفقراء اتسعت اتساعًا لم يسبق له مثيل، إذ بلغت ممتلكاتُ ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يساوي مجموع الناتج القومي الإجمالي لجميع أقل البلدان نموًا، البالغ عدد سكانها 600 مليون نسمة.
الإسلام ومواجهة الفقر:
وأمام تفاقم هذه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى العالمي، وعجز المناهج الوضعية عن مواجهتها وحلها، بدأ العالم يبحث عن الحلول الناجعة لهذه المشكلات، ولم ولن يجد أمامه إلا منهج الاسلام الصالح لكل زمان ومكان، فقد كشف مسؤولُ استراتيجيةِ مكافحة الفقر بالبنك الدولي (جون بيج) منذ عدة سنوات عن قيام البنك بدراسة بعض المبادئ الإسلامية المتعلقة بالتعاملات المالية والزكاة الشرعية التي تُدفع من الأغنياء للفقراء، بغية الاستفادة منها في وضع استراتيجيات مكافحة الفقر حول العالم.
وأضاف (جون بيج) أنَّ من أهداف البنك الدولي إيجادَ آليات اقتصادية تفيد في مكافحة الفقر من جهة، والمساعدة على منع الناس من السقوط في الفقر من جهة أخرى.
وإذا كانت هناك مبادئ دينية من أي ديانة تساعد على تحقيق هذه الأهداف، فنحن مستعدون لدراستها، على أن تكون ذات أبعاد اقتصادية وإنتاجية وليست مجرد هِبَات ربما لا تساعد الشعوب على تجاوز أزماتها.
والذي يبحث عنه العالمُ اليومَ للقضاء على مشكلة الفقر المستعصية التي لم تفلح كل الحلول والتشريعات الوضعية في معالجتها، قد قرره الإسلامُ منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، ممثلا في فريضة الزكاة بأثرها في التنمية والإنتاجية الكثيرة، التي قررها الإسلام للقضاء على الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وهناك جهات متخصصة في بعض الدول الإسلامية - كالمملكة العربية السعودية - تجمع الزكاة بغرض مكافحة الفقر، إذ تقوم «مصلحة الزكاة والدخل» التابعة لوزارة المال بتحصيل الزكاة الشرعية سنويًا من كل الشركات والمؤسسات المسجلة في السجل التجاري لدى وزارة التجارة، إضافة إلى إرسال «الجُبَاة» لجباية الزكاة من المزارعين ومربي الماشية، ثم توزيعها في مصارفها الشرعية.
إنشاء مؤسسة للزكاة:
ولقد بدأت بعضُ الدول الإسلامية في أفريقيا تتجاوب مع هذا الحل الإسلامي لمشكلة الفقر المستعصية، وذلك بإنشاء مؤسسة للزكاة، وعلى رأس هذه الدول السنغال، إذ شهدت العاصمة السنغالية (دكار) أخيرًا أولَ محاولةٍ جادة لإقامة مشروع إسلامي تحت مسمى مؤسسة زكاة إسلامية أفريقية.
ومن المعروف أنه حتى الآن لا يوجد في دول أفريقيا تطبيق للزكاة وجبايتها على المستوى الرسمي، بل يخرجها الناس فرادى، وعلى أساس انتماءات ولائية للعلماء والدعاة، والدلائل الواقعية تشهد بأن القارة غنية خصوصاً أن المسلمين الأغنياء يمثلون النسبة الأكبر، وقد شاهدنا كيف ينفق هؤلاء الأغنياء الملايين من الدولارات في مشاريع وأوجه مختلفة، لكن الذي ينقصها هو الترتيب والتنسيق والتنظيم.
محاربة الفقر بالأوقاف:
وعلى مستوى الأقليات الإسلامية، تتبنى هيئةُ الإغاثة الإنسانية ببرمنجهام -بريطانيا- استراتيجية متكاملة لمكافحة الفقر تشمل كل مجالات الحياة، وتعتمد على الزكاة والوقف الإسلامي، انطلاقا من أن الإغاثة الإسلامية لها أثر في التنمية يمكن أن يساعد على النهوض بالعالم الإسلامي والخروج بالأمة الإسلامية من دائرة التراجع الحضاري والفقر.
وأهم ملامح تلك الاستراتيجية هو محاولة إحياء دور الزكاة والوقف في تمويل ودعم المشروعات الخيرية والدعوة والتنمية من خلال مشروع الوقف الذي تتبناه الهيئة حيث فتحت باب الاكتتاب فيه للقادرين، وأهل الخير، وهذه المشروعات تستهدف ملاحقة الجهل والأمية في مناطق العالم الإسلامي المختلفة وإمداد الفقراء المسلمين بالحاجات الضرورية.
ومن أجل ملاحقة الفقر وتحويل الفقراء إلى منتجين تتبنى الهيئةُ مشروعًا كبيرًا لإمداد هؤلاء الفقراء بالقروض الحسنة حتى لا يقعوا في براثن الديون الربوية، إذ تم إعطاء المقترض ماكينات وآلات ودواجن وأبقار تعينه على إيجاد مورد للرزق يسدد منه قيمة القرض على أقساط ويجد ما يعيش منه معيشة كريمة.
دور الأوقاف في التنمية:
وعلى الجانب الآخر، أعدت الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت دراسة حول أثر الوقف في التنمية، وقد تضمنت هذه الدراسة عددًا من المشروعات المهمة التي تهدف إلى المساعدة على قيام الأوقاف في العالم الإسلامي بعملها المهم والحيوي وخاصة في مجال التنمية عمومًا.
ودعت الدراسة إلى مشروع تنمية الدراسات والبحوث الفقهية الوقفية، من خلال إحياء حركة البحث العلمي في كل ما يتعلق بالوقف، ويتناسب مع الرؤية الاستراتيجية للنهوض بالوقف وتنميته، كما دعت الدراسة إلى مشروع إنشاء بنك المعلومات الوقفية.
وأشارت الدراسة إلى ضرورة إنشاء مشروع للتعريف بالتجارب الوقفية المعاصرة وقالت: إن هذا المشروع يهدف إلى عقد ندوات تتناول عرض التجارب الوقفية المعاصرة بالدول الإسلامية لتنشيط حركة تطوير العمل الوقفي المعاصر وتنمية البحوث والدراسات العلمية المتعلقة به وتيسير تعميم نتائج هذه التجارب على سائر الدول والمؤسسات الوقفية.
ورأت الدراسة ضرورة تبني مشروع الترويج للصيغة الوقفية لدى المؤسسات الأهلية في العالم الإسلامي، وتتمثل فكرة المشروع في حث القوى والمجتمعات كافة على الاستفادة من نظام الوقف في المشاركة الإيجابية في بناء حاضر المجتمع ومستقبله في إطار من القيم التنموية للإسلام وبروح تناسب العصر وظروفه.
ودعت الدراسة إلى بحث الفرص المتاحة للاستثمار الوقفي والترويج لها كما دعت إلى تطوير التشريعات القانونية للوقف، وذلك عن طريق تحديث الحدود القانونية الملائمة لإحياء سنة الوقف من جديد في المجتمعات الإسلامية وتفعيل دورها وتنميتها.
نموذج فريد
شهد تاريخ المسلمين حدثاً له أهميته في موضوع الفقر وقع في عصر عمر بن عبدالعزيز عندما جمعت الزكاة ولم يوجد فقير - بالمعنى المعروف في اقتصاداتنا المعاصرة- تدفع له. بسبب ذلك صرف سهم الفقراء والمساكين لسد احتياجات أخرى من نوع قضاء الديون والمساعدة على الزواج وتحرير الأرقاء وهكذا. عصر عمر بن عبدالعزيز كان بعد قيام الدولة الإسلامية بمئة عام، وهذه كانت فترة كافية لأن يطبق فيها المنهج الذي جاء به الإسلام للقضاء على الفقر، وبحيث تعمل العناصر التي يتكون منها المنهج وتتفاعل، وبالتالي تعطي نتائجها في الواقع... دور عمر بن عبدالعزيز أنه أتاح البيئة الملائمة لتطبيق المنهج الإسلامي وبالتالي أعطى نتيجته.
لم تثبـت الدراســات لكل عصور التاريخ أنه قــضى على الفقر في أي أمة أخرى من الأمــم; أي أن ما وقــع في المجتمع الإسلامي في عصر عمر بن عبدالعزيز ليس له مثيل في تاريخ المجتمعات البشرية. الأمر على هذا النحو يحمل رسالة للباحثين، وهي أن يدرسوا المنهج الإسلامي الذي أنتج تطبيقه هذه النتيجة الفريدة. هذه الدراسة واجبة على كل الباحثين، مسلمين وغير مسلمين، وذلك لأن المجتمعات البشرية جميعها في حاجة لهذا المنهج لتواجه به أخطر مشكلة اجتماعية تهدد أمنها واستقرارها.
ولا يمكن حصر المنهج الذي يقضي به الإسلام على الفقر في العنصر الاقتصادي وحده، وإنما الإسلام ككل فاعلٌ في ذلك، بعقائده وعباداته وأخلاقه... الإسلام ككل فاعل في ذلك بنظامه السياسي ونظامه الاجتماعي ونظامه الاقتصادي. ومع صحة القول: ان ما جاء به الإسلام كله يمثل المنهج الذي يقضي به على الفقر، فإن ضرورة البحث تقتضي أن تقتصر الدراسة على العنصر الاقتصادي في هذا المنهج.
وتحدد الطبيعة المذهبية للاقتصاد المنهج الذي يواجه به مشكلة الفقر. ويمكن إيضاح هذا المعنى من معرفة المنهج الذي يتعامل به النظام الرأسمالي مع هذه المشكلة بالمقارنة بالمنهج الذي يتعامل به النظام الاشتراكي.
الاقتصاد الإسلامي له طبيعته المذهبية التي تميزه عن الرأسمالية والاشتراكية. ويترتب على ذلك أن له منهجه الذي يواجه به مشكلة الفقر. ويمكن القول: إن هذا المنهج يتكون من عنصرين أساسين. العنصر الأول يتحقق من خلال العقيدة الاقتصادية وأسلوب إدارة الاقتصاد، أما العنصر الثاني فإنه يتحقق من خلال التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء في نظام الإسلام المالي.
التوازن بين الموارد الاقتصادية وحاجات البشر
مشكلة الندرة، يمكن القول عنها: إنها مسلمة من المسلمات التي يعتقد فيها الاقتصاديون. وهي تعني أن الحاجات الاقتصادية غير محدودة بينما الموارد الاقتصادية التي تستخدم لإشباعها محدودة. ولقد وصل الأمر إلى حد أن جمهرة الاقتصاديين يعتبرون أن الندرة تمثل موضوع علم الاقتصاد.
عكست مشكلة الندرة نفسها في نظريات اقتصادية كثيرة، أهمها نظرية مالتس في السكان التي تتأسس على أن الموارد الاقتصادية غير كافية لتوفير الغذاء للعنصر البشري. وقد نادت هذه النظرية بضرورة التخلص من الزيادة بنوعين من الوسائل، الوسائل السالبة التي تمنع وصول بشر جدد، والوسائل الموجبة التي بها يتم التخلص من جزء من البشر الموجودين وهي الحروب والأوبئة والمجاعات. وتتضمن هذه النظرية منع إعطاء إعانات للفقراء.
قادت مشكلة الندرة وتوابعها إلى صبغ علم الاقتصاد بصبغة تشاؤمية. ولا يرفض الاقتصاديون هذا الوصــف لأنه في رأيهم يعبر عن الواقع. ولا شك أن هذا كله عكس نفسه في سياسات مواجهة الفقر، ليس انعكاس إيجابي إنما انعكاساً سلبياً إلى حد الإحساس بأن الاقتصاد تبنى الرأي القائل: الخير للفقير أن يموت جوعاً.
ومن الأخطار المترتبة على مشكلة الندرة، أن يؤمن بها من هو مسؤول عن مواجهة مشكلة الفقر، عالم الاقتصاد أو المسؤول السياسي، ولا شك أن التسليم بمشكلة الندرة يحدد طبيعة قراره وسياساته للقضاء على الفقر، إذ كيف يعالجه مع أنه يؤمن بأنه فوق إمكانية الموارد الاقتصادية المتاحة؟!
وتعني مشكلة الندرة أن الموارد الاقتصادية غير كافية لإشباع الحاجات الاقتصادية الواقعة عليها. والأمر على هذا النحو يصطدم بالعقيدة الإسلامية، ذلك أن المسلم يؤمن بقول اللَّه سبحانه وتعالى: «وما مِن ْدَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتاب مبين» (هود:6)... فقضية الندرة بناء على ذلك ينبغي أن تعرض كقضية لها ارتباطها بالعقيدة.
الموارد الاقتصادية التي خلقها اللَّه سبحانه وتعالى وكفايتها وملاءمتها من حيث خصائصها موضوع فيه أدبيات إسلامية كثيرة، وهي أدبيات تتأسس على ما وعد اللَّه به سبحانه وتعالى من ضمان الرزق لكل دابة.
لذلك قد يكون من المناسب إجراء مناقشة اقتصادية لثلاث آيات جاءت في سورة الحجر، وهي تعمل مباشرة على موضوع التوازن بالمعنى العام، ويدخل فيه التوازن بين الموارد والحاجات.
يقول سبحانه وتعالى: «وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين َ(20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّله إلا بِقَدرِ مَعْلوم» (الحجر:19-21).
التحليل الاقتصادي للنص القرآني:
(أ) «وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُون»: يسع النص التوازنات التالية: التوازن بين الحاجات والموارد الاقتصادية... التوازن بين الموارد الاقتصادية بعضها مع بعض... والتوازن بين حاجات الفرد الاقتصادية بعضها مع بعض.
وبناء على هذا، فإن النص القرآني يشمل أنواع التوازن كلها. بينما علم الاقتصاد يناقش نوعاً واحــداً من التــوازن هو التوازن بين الحـاجات والموارد، ولا يناقشه باعتبار أن التوازن يتحقق، إنما يناقشه على اعتبار أن الموارد غير كافية لإشباع الحاجات، أي أن العلاقة هي علاقة اختلال وليست علاقة توازن.
(ب ) «وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين»: يخبر اللَّه سبحانه وتعالى في هذا النص القرآني أنه أودع في الأرض موارد اقتصادية كافية لإشباع من يملك: «لَكُمْ فِيهَا مَشَ»، وأيضـاً لإشـــباع من لا يملك: «وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينْ».
ومن باب المقابلة، نعرف أن الفكر الاقتصادي العلماني ممثلاً في نظرية مالتس وغيرها من النظريات الاقتصادية يرتبط بفكرة أن الموارد الاقتصــادية غيــر كافيــة لإشبــاع حاجات كل سكان الأرض، ولذلك لا بد من التضحية أو التخلـــص من بعضــهم. ولعــل مما يجــب التذكيــر به عــلى وجه الخصوص، أن العولمة المعاصرة في شقها الاقتصادي تتبنى هذه النظرية، بل وتضعها موضع التطبيق.
(ج ) «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُوم»: يخبر اللَّه سبحانه وتعالى في هذا النص القرآني أن الموارد الاقتصادية (وهي داخلة في كل شيء) سوف تزيد بالقدر الذي يقدره اللَّه تعالى. يعني ذلك أن الموارد الاقتصادية متزايدة. وبربط هذا النص بالنص الأول: «وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْئٍ مَوْزُونٍ»، يمكن استنتاج أن الموارد الاقتصادية تزيد بقدر زيادة حاجات البشر. ويعني ذلك أن مشكلة الندرة غير واردة حتى في المستقبل.
استنتاج:
الآيات السابقة قــاطــعة في نفــي مشكــلة الندرة في الــزمن الحـــالي، وفي الأزمنة المقبلة، ويترتب على ذلك أن الموارد الاقتصادية المتاحة كافية لإشباع كل الحــاجــات. ومع الإيمان المطـــلق بذلك، إلا أنه تظل هناك قضية هي كيفية حصول كل فرد على نصيبه من هذه الموارد. وحل هذه القضية مربوط بالآتي:
(أ) عمل الإنسان:
لابد أن يقدم كل إنسان العمل اللازم الذي يعطيه الحق في الحصول على نصيبه من الموارد.
(ب) النظم التي يُخضع الإنسان نفسه لها: هذه النظم هي المسؤولة عن أن فرداً ما يحصل على موارد اقتصادية أكبر من العمل الذي قدمه، في مقابل فرد آخر لا يحصل من الموارد الاقتصادية بالقدر الذي بذله من عمل.
(ج) كفاية الموارد: الإيمان بهذا واجب... وقد تصبح غير كافية، وذلك بسبب تصرفات البشر، ومنها الإسراف، وتبديد الموارد، وتلويث الموارد، وغير ذلك من التصرفات.
(د) محدودية وقصور السياسات العلمانية: التي توضع للتعامل مع مشكلة الفقر، لأنها محكومة بما يؤمن به الاقتصاديون من أن الموارد الاقتصادية غير كافية لإشباع حاجات كل الأفراد. وفي مقابل ذلك، فإن السياسات الإسلامية لعلاج الفقر تنطلق من قاعدة إيمانية هي أن اللَّه سبحانه وتعالى خلق موارد اقتصادية متوازنة مع الحاجات الواقعة عليها. هذه القاعدة الإيمانية تمثل العقيدة الاقتصادية الصحيحة التي تجعلنا نؤمن بأن القضاء على الفقر ممكن بالموارد المتاحة لنا.
نستطيع أن نطور هذه النتيجة إلى الآتي: الإيمان بأن اللَّه سبحانه خلق موارد اقتصادية متوازنة مع الحاجات الواقعة عليها، شرط ضروري لوضع سياسات اقتصادية قادرة على علاج مشكلة الفقر.
طرح الإسلام مجموعة من الوسائل لمحاربة الفقر وهي: الزكاة، العمل، الصدقات، الكفارات، الإنفاق في سبيل الله. فالزكاة شرعها الإسلام لسدِّ حاجة الفقراء **والمساكين والغارمين وابن السبيل؛ ولإقامة المصالح العامة للمسلمين، والهدف الأوَّل للفريضة هو إزالة الفقر، وذلك بتمليك مستحقيها من الوسائل التي تحميهم من التردِّي في الفقر، وتنقلهم من الكفاف إلى الكفاية، والزكاة لا تحارب الفقر بمعونة موقتة أو دوريَّة، وإنما بوسيلة وقائيَّة توسع فيها دائرة التمليك وتكثر عدد الملاك، وذلك بتمليك كل محتاج ما يناسبه ويغنيه.
والعملَ هو السلاح الأوَّل لمحاربة الفقر، وهو السبب في جلب الثروة، وهو العنصر الأوَّل فى عمارة الأرض التي استخلف اللهُ فيها الإنسان، والأصل في الشَّريعة الإسلاميَّة أن يُحارِبَ كُلُّ امرئٍ الفقر بسلاحِهِ، وسلاحه هو السعي والعمل.
وجعل الاسلام التّصدُّق من أكبر القربات، وأعظمها أجراً، وجعل اكتناز الأموال وعدم إنفاقها في سبيل الله من كبار المعاصي، والصدقة مطهرة للمال ومقصد الصدقات هو ربط قلوب المؤمنين برباط الحب الأخوي؛ ليقومَ التَّعاون بين الجميع في أعمال العمران، ومحاربة الفقر.
كما جعل الاسلام الكفارة من أبواب معالجة الفقر ولم يقصر ذلك على الزكاة والكفارة هي: ما يكفر به الإثم، وسميت الكفارات بهذا الاسم؛ لأنها تكفر الذنوب وتمحوها وتسترها فقد عمد الإسلامُ إلى طائِفةٍ من الجرائم والخطايا التي يكثر حدوثها وجعل كفَّارتها إخراج الأموال والتَّصدُّق بها على الفقراء، ولا شَكَّ أَنَّ هذه الكفَّارات الماليَّة مآلها إلى الفقراء الذين ينتفعون منها في سد رمق الجوع، ومحاربة الفقر عندهم.
وهناك عدد من المعاملات التي حرمها الله على الانسان المسلم لمحاربة الفقر وهي: تحريم الإسلام للربا، وتحريم الإسلام للكسب الحرام، وتَحْرِيمُ الإسلام للغِشِّ في المُعَامَلات، وتَحْرِيمُه لكَنْزِ المَالِ، وتحريم السؤال، وتحريم الاحتكار، ثُمَّ تحذير الإسلام من البخل.
كما أوصد الاسلام بتحريمه للكسب الحرام أهم الأبواب التي تؤدِّى عادةً إلى تضخُّمِ الثَّروات في يدِ بعضِ الأفراد، وانتشار الفقر في الأكثريَّة الغالبة من الأفراد، وحرَّم الإسلامُ أعمالَ الغصبِ والسلب والسرقة والنصب والمقامرة والربا وما ينشأ عنها من مكاسب مالية، واتخذ إزاء ذلك العقوبات الرادعة، وفي ذلك إلزام لأفراد المجتمع في البحث عن الكسب المشروع.
ومن مبادئ الإسلام الترهيب من التسول والاحتيال على الآخرين، فالإسلام يغرس في نفس المسلم كراهية سؤال الناس، وتربيتهم على علو الهمة وعزة النفس، والترفع عن الدَّنايا.
والأصل في سؤال الناس الحُرمةُ، لما في ذلك من تعريض النفس للهوان والمذلة، فلا يحل للمسلم أن يلجأ للسؤال إلا لحاجة تقهره على السؤال، فإن سأل وعنده ما يغنيه كانت مسألته خموشًا في وجهه يوم القيامة.
ثم يأتي دور التكافل الاجتماعي، وأثرهُ في محاربة الفقر، فالتكافل الاجتماعي يحقق للطبقات العاملة والفقيرة والعاجزة في المجتمع كرامة الحياة، بما يضمن لهم حاجاتهم الأساسية ويمنع عنهم ذل الحاجة والفقر والعجز.
الفقرُ والبطالةُ مازالا يُهدِّدان ملايينَ البشرِ في الكثير من دول العالم، ويمثلان الخطرَ الأكبر الذي يقوِّض خططَ التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول، فالأرقامُ تشير إلى تفاقم هذه المشكلات على المستوى العالمي، وإلى عجز العالم -بدُوَله وهيئاته ومؤسساته - عن استئصال الفقر والقضاء على البطالة، أو التخفيف من حدتهما، مع ما حدث في العالم من تقدم وتطور على المستويات كافة، فقد ذكرت وكالةُ (رويترز) منذ خمس سنوات أن حوالي نصف سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، في حين يعيش نحوُ 1.5 مليار أي 25 في المئة من السكان في العالم على دولار واحد في اليوم، ويصل عدد العاطلين في الدول النامية إلى أكثر من مليار شخص.
وأوضح تقريرٌ للأمم المتحدة أن هناك 550 مليون نسمة في العالم يبيتون جياعًا كل ليلة، وأن 1.5 مليار نسمة لا يحصلون على مياه الشرب النقية، أو الصرف الصحي الملائم، كما أن أكثر من 1.5 مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع، وطالب الحكوماتِ أن تعمل على خفض عدد هؤلاء الفقراء بمقدار النصف بحلول عام 2015م.
وكشف التقريرُ النقابَ عن أن سكان البلدان النامية -وعددهم 4.4 مليارات نسمة- يظل خُمسهم يتضور جوعًا في آخر النهار، ويفتقر ثُلُثهم إلى مياه الشرب، ورُبعهم إلى سكن ملائم، ولا يرتاد خُمس جميع الأطفال المدارسَ بعد السنة الخامسة من التعليم الابتدائي.
وتضم منطقةُ جنوب آسيا -حيث توجد نسبة 29 في المئة من سكان العالم- نحو 43 في المئة من فقراء العالم، ومع التقدم المحرز في الحد من الفقر، ساعد النموُّ المفرط في سكان المناطق الريفية الفقيرة -إلى حد كبير- على تزايد عدد الفقراء المرتفع أصلاً، وتراجعت المنطقةُ كثيرًا عن المناطق الأخرى فيما يخص التقدم المحرز في مجال التعليم.
ربع البشرية فقراء:
وأكد مكتبُ العمل الدولي في تقريره عن أوضاع العمل في العالم أن ربعَ البشرية يعيش في البؤس، وأن مليارًا ونصفَ مليار رجل وامرأة يعيشون بأقل من دولار في اليوم. أما في الدول النامية فإن ما يقارب ثلثَ السكان يعيشون بأقل من دولار في اليوم، وهناك 30 في المئة من الراشدين أُمِّيُّون، و30 في المئة محرومون من المياه العذبة، و30 في المئة من الأطفال الذين هم دون خمسة أعوام أوزانُهم دون المعدل الطبيعي.
وأوضح التقريرُ أن أكثر من 40 في المئة من سكان دول أفريقيا في جنوب الصحراء وجنوب آسيا يعيشون في الفقر، وهذه النسبة تزداد ارتفاعًا، وقد ارتفع عدد السكان الفقراء خلال السنوات الخمس الماضية بمعدل 200 مليون شخص في دول أفريقيا جنوب الصحراء وفي الدول التي تشهد أنظمتها مرحلة انتقالية في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وفي جنوب شرقي آسيا.
وأكد التقريرُ أن الغالبية الكبرى من السكان في عدد كبير من الدول النامية لا تحظى بأي ضمان اجتماعي، وليس هناك أي ضمان للعمال في القطاع غير الرسمي خارج إطار المؤسسات، وعددهم ما بين 750 و900 مليون عامل؛ لا يكسبون ما يكفي لِسَدِّ رمقهم وبينهم نسبة كبيرة من النساء.
مليار عاطل في الدول الفقيرة:
واذا نظرنا إلى البطالة نجدها تتفاقم يومًا بعد يوم على المستوى العالمي وخاصة في الدول الفقيرة والنامية، فقد كشف تقريرٌ حول العولمة والبطالة، أن هناك ما يزيد على مليار شخص متعطل عن العمل، في دول الجنوب مجتمعة.
وقال التقرير: إن الآثار السلبية الاجتماعية للعولمة تزيد زيادةً كبيرة من الصعوبات التى تواجهها شعوبُ الدول النامية، وتقلص من قدرة هذه الدول فى التغلب على النتائج الاجتماعية السلبية للتهميش والفقر. وأضاف التقرير أنه يتعين على منظمة العمل الدولية أن تضطلع بتحليل الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأزمة المالية على اقتصاديات الدول التى تأثرت بالأزمة، بالإضافة إلى إعداد دراسات حول أثر الأزمة على الأسواق المالية، مع التركيز بصورة خاصة على تخفيف حدة الفقر والبطالة فى هذه الدول.
إخفاق الأمم المتحدة:
وقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإخفاق في مواجهة مشكلات الفقر والبطالة، وعدم الأمن والاستقرار، وتحقيق العدالة أو التخفيف من حدة هذه المشكلات، وقالت في تقرير لها: إن هذه القضايا لا تزال مثارًا للقلق بنفس القدر، وإن ما يبعث على الانزعاج أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة من الفقر ازداد بالفعل خلال السنوات الخمس الأخيرة، وبلغت معدلاتُ البطالة مستوياتٍ مرتفعةً ارتفاعًا غير مقبول، كما أن عدد الصراعات الداخلية المتأججة في مختلف أرجاء العالم لا يزال مرتفعًا، مما يحولُ دون تحقيق أهداف الاندماج الاجتماعي. وأشار التقرير إلى أن الهوة بين الأغنياء والفقراء اتسعت اتساعًا لم يسبق له مثيل، إذ بلغت ممتلكاتُ ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يساوي مجموع الناتج القومي الإجمالي لجميع أقل البلدان نموًا، البالغ عدد سكانها 600 مليون نسمة.
الإسلام ومواجهة الفقر:
وأمام تفاقم هذه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى العالمي، وعجز المناهج الوضعية عن مواجهتها وحلها، بدأ العالم يبحث عن الحلول الناجعة لهذه المشكلات، ولم ولن يجد أمامه إلا منهج الاسلام الصالح لكل زمان ومكان، فقد كشف مسؤولُ استراتيجيةِ مكافحة الفقر بالبنك الدولي (جون بيج) منذ عدة سنوات عن قيام البنك بدراسة بعض المبادئ الإسلامية المتعلقة بالتعاملات المالية والزكاة الشرعية التي تُدفع من الأغنياء للفقراء، بغية الاستفادة منها في وضع استراتيجيات مكافحة الفقر حول العالم.
وأضاف (جون بيج) أنَّ من أهداف البنك الدولي إيجادَ آليات اقتصادية تفيد في مكافحة الفقر من جهة، والمساعدة على منع الناس من السقوط في الفقر من جهة أخرى.
وإذا كانت هناك مبادئ دينية من أي ديانة تساعد على تحقيق هذه الأهداف، فنحن مستعدون لدراستها، على أن تكون ذات أبعاد اقتصادية وإنتاجية وليست مجرد هِبَات ربما لا تساعد الشعوب على تجاوز أزماتها.
والذي يبحث عنه العالمُ اليومَ للقضاء على مشكلة الفقر المستعصية التي لم تفلح كل الحلول والتشريعات الوضعية في معالجتها، قد قرره الإسلامُ منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، ممثلا في فريضة الزكاة بأثرها في التنمية والإنتاجية الكثيرة، التي قررها الإسلام للقضاء على الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وهناك جهات متخصصة في بعض الدول الإسلامية - كالمملكة العربية السعودية - تجمع الزكاة بغرض مكافحة الفقر، إذ تقوم «مصلحة الزكاة والدخل» التابعة لوزارة المال بتحصيل الزكاة الشرعية سنويًا من كل الشركات والمؤسسات المسجلة في السجل التجاري لدى وزارة التجارة، إضافة إلى إرسال «الجُبَاة» لجباية الزكاة من المزارعين ومربي الماشية، ثم توزيعها في مصارفها الشرعية.
إنشاء مؤسسة للزكاة:
ولقد بدأت بعضُ الدول الإسلامية في أفريقيا تتجاوب مع هذا الحل الإسلامي لمشكلة الفقر المستعصية، وذلك بإنشاء مؤسسة للزكاة، وعلى رأس هذه الدول السنغال، إذ شهدت العاصمة السنغالية (دكار) أخيرًا أولَ محاولةٍ جادة لإقامة مشروع إسلامي تحت مسمى مؤسسة زكاة إسلامية أفريقية.
ومن المعروف أنه حتى الآن لا يوجد في دول أفريقيا تطبيق للزكاة وجبايتها على المستوى الرسمي، بل يخرجها الناس فرادى، وعلى أساس انتماءات ولائية للعلماء والدعاة، والدلائل الواقعية تشهد بأن القارة غنية خصوصاً أن المسلمين الأغنياء يمثلون النسبة الأكبر، وقد شاهدنا كيف ينفق هؤلاء الأغنياء الملايين من الدولارات في مشاريع وأوجه مختلفة، لكن الذي ينقصها هو الترتيب والتنسيق والتنظيم.
محاربة الفقر بالأوقاف:
وعلى مستوى الأقليات الإسلامية، تتبنى هيئةُ الإغاثة الإنسانية ببرمنجهام -بريطانيا- استراتيجية متكاملة لمكافحة الفقر تشمل كل مجالات الحياة، وتعتمد على الزكاة والوقف الإسلامي، انطلاقا من أن الإغاثة الإسلامية لها أثر في التنمية يمكن أن يساعد على النهوض بالعالم الإسلامي والخروج بالأمة الإسلامية من دائرة التراجع الحضاري والفقر.
وأهم ملامح تلك الاستراتيجية هو محاولة إحياء دور الزكاة والوقف في تمويل ودعم المشروعات الخيرية والدعوة والتنمية من خلال مشروع الوقف الذي تتبناه الهيئة حيث فتحت باب الاكتتاب فيه للقادرين، وأهل الخير، وهذه المشروعات تستهدف ملاحقة الجهل والأمية في مناطق العالم الإسلامي المختلفة وإمداد الفقراء المسلمين بالحاجات الضرورية.
ومن أجل ملاحقة الفقر وتحويل الفقراء إلى منتجين تتبنى الهيئةُ مشروعًا كبيرًا لإمداد هؤلاء الفقراء بالقروض الحسنة حتى لا يقعوا في براثن الديون الربوية، إذ تم إعطاء المقترض ماكينات وآلات ودواجن وأبقار تعينه على إيجاد مورد للرزق يسدد منه قيمة القرض على أقساط ويجد ما يعيش منه معيشة كريمة.
دور الأوقاف في التنمية:
وعلى الجانب الآخر، أعدت الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت دراسة حول أثر الوقف في التنمية، وقد تضمنت هذه الدراسة عددًا من المشروعات المهمة التي تهدف إلى المساعدة على قيام الأوقاف في العالم الإسلامي بعملها المهم والحيوي وخاصة في مجال التنمية عمومًا.
ودعت الدراسة إلى مشروع تنمية الدراسات والبحوث الفقهية الوقفية، من خلال إحياء حركة البحث العلمي في كل ما يتعلق بالوقف، ويتناسب مع الرؤية الاستراتيجية للنهوض بالوقف وتنميته، كما دعت الدراسة إلى مشروع إنشاء بنك المعلومات الوقفية.
وأشارت الدراسة إلى ضرورة إنشاء مشروع للتعريف بالتجارب الوقفية المعاصرة وقالت: إن هذا المشروع يهدف إلى عقد ندوات تتناول عرض التجارب الوقفية المعاصرة بالدول الإسلامية لتنشيط حركة تطوير العمل الوقفي المعاصر وتنمية البحوث والدراسات العلمية المتعلقة به وتيسير تعميم نتائج هذه التجارب على سائر الدول والمؤسسات الوقفية.
ورأت الدراسة ضرورة تبني مشروع الترويج للصيغة الوقفية لدى المؤسسات الأهلية في العالم الإسلامي، وتتمثل فكرة المشروع في حث القوى والمجتمعات كافة على الاستفادة من نظام الوقف في المشاركة الإيجابية في بناء حاضر المجتمع ومستقبله في إطار من القيم التنموية للإسلام وبروح تناسب العصر وظروفه.
ودعت الدراسة إلى بحث الفرص المتاحة للاستثمار الوقفي والترويج لها كما دعت إلى تطوير التشريعات القانونية للوقف، وذلك عن طريق تحديث الحدود القانونية الملائمة لإحياء سنة الوقف من جديد في المجتمعات الإسلامية وتفعيل دورها وتنميتها.
نموذج فريد
شهد تاريخ المسلمين حدثاً له أهميته في موضوع الفقر وقع في عصر عمر بن عبدالعزيز عندما جمعت الزكاة ولم يوجد فقير - بالمعنى المعروف في اقتصاداتنا المعاصرة- تدفع له. بسبب ذلك صرف سهم الفقراء والمساكين لسد احتياجات أخرى من نوع قضاء الديون والمساعدة على الزواج وتحرير الأرقاء وهكذا. عصر عمر بن عبدالعزيز كان بعد قيام الدولة الإسلامية بمئة عام، وهذه كانت فترة كافية لأن يطبق فيها المنهج الذي جاء به الإسلام للقضاء على الفقر، وبحيث تعمل العناصر التي يتكون منها المنهج وتتفاعل، وبالتالي تعطي نتائجها في الواقع... دور عمر بن عبدالعزيز أنه أتاح البيئة الملائمة لتطبيق المنهج الإسلامي وبالتالي أعطى نتيجته.
لم تثبـت الدراســات لكل عصور التاريخ أنه قــضى على الفقر في أي أمة أخرى من الأمــم; أي أن ما وقــع في المجتمع الإسلامي في عصر عمر بن عبدالعزيز ليس له مثيل في تاريخ المجتمعات البشرية. الأمر على هذا النحو يحمل رسالة للباحثين، وهي أن يدرسوا المنهج الإسلامي الذي أنتج تطبيقه هذه النتيجة الفريدة. هذه الدراسة واجبة على كل الباحثين، مسلمين وغير مسلمين، وذلك لأن المجتمعات البشرية جميعها في حاجة لهذا المنهج لتواجه به أخطر مشكلة اجتماعية تهدد أمنها واستقرارها.
ولا يمكن حصر المنهج الذي يقضي به الإسلام على الفقر في العنصر الاقتصادي وحده، وإنما الإسلام ككل فاعلٌ في ذلك، بعقائده وعباداته وأخلاقه... الإسلام ككل فاعل في ذلك بنظامه السياسي ونظامه الاجتماعي ونظامه الاقتصادي. ومع صحة القول: ان ما جاء به الإسلام كله يمثل المنهج الذي يقضي به على الفقر، فإن ضرورة البحث تقتضي أن تقتصر الدراسة على العنصر الاقتصادي في هذا المنهج.
وتحدد الطبيعة المذهبية للاقتصاد المنهج الذي يواجه به مشكلة الفقر. ويمكن إيضاح هذا المعنى من معرفة المنهج الذي يتعامل به النظام الرأسمالي مع هذه المشكلة بالمقارنة بالمنهج الذي يتعامل به النظام الاشتراكي.
الاقتصاد الإسلامي له طبيعته المذهبية التي تميزه عن الرأسمالية والاشتراكية. ويترتب على ذلك أن له منهجه الذي يواجه به مشكلة الفقر. ويمكن القول: إن هذا المنهج يتكون من عنصرين أساسين. العنصر الأول يتحقق من خلال العقيدة الاقتصادية وأسلوب إدارة الاقتصاد، أما العنصر الثاني فإنه يتحقق من خلال التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء في نظام الإسلام المالي.
التوازن بين الموارد الاقتصادية وحاجات البشر
مشكلة الندرة، يمكن القول عنها: إنها مسلمة من المسلمات التي يعتقد فيها الاقتصاديون. وهي تعني أن الحاجات الاقتصادية غير محدودة بينما الموارد الاقتصادية التي تستخدم لإشباعها محدودة. ولقد وصل الأمر إلى حد أن جمهرة الاقتصاديين يعتبرون أن الندرة تمثل موضوع علم الاقتصاد.
عكست مشكلة الندرة نفسها في نظريات اقتصادية كثيرة، أهمها نظرية مالتس في السكان التي تتأسس على أن الموارد الاقتصادية غير كافية لتوفير الغذاء للعنصر البشري. وقد نادت هذه النظرية بضرورة التخلص من الزيادة بنوعين من الوسائل، الوسائل السالبة التي تمنع وصول بشر جدد، والوسائل الموجبة التي بها يتم التخلص من جزء من البشر الموجودين وهي الحروب والأوبئة والمجاعات. وتتضمن هذه النظرية منع إعطاء إعانات للفقراء.
قادت مشكلة الندرة وتوابعها إلى صبغ علم الاقتصاد بصبغة تشاؤمية. ولا يرفض الاقتصاديون هذا الوصــف لأنه في رأيهم يعبر عن الواقع. ولا شك أن هذا كله عكس نفسه في سياسات مواجهة الفقر، ليس انعكاس إيجابي إنما انعكاساً سلبياً إلى حد الإحساس بأن الاقتصاد تبنى الرأي القائل: الخير للفقير أن يموت جوعاً.
ومن الأخطار المترتبة على مشكلة الندرة، أن يؤمن بها من هو مسؤول عن مواجهة مشكلة الفقر، عالم الاقتصاد أو المسؤول السياسي، ولا شك أن التسليم بمشكلة الندرة يحدد طبيعة قراره وسياساته للقضاء على الفقر، إذ كيف يعالجه مع أنه يؤمن بأنه فوق إمكانية الموارد الاقتصادية المتاحة؟!
وتعني مشكلة الندرة أن الموارد الاقتصادية غير كافية لإشباع الحاجات الاقتصادية الواقعة عليها. والأمر على هذا النحو يصطدم بالعقيدة الإسلامية، ذلك أن المسلم يؤمن بقول اللَّه سبحانه وتعالى: «وما مِن ْدَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتاب مبين» (هود:6)... فقضية الندرة بناء على ذلك ينبغي أن تعرض كقضية لها ارتباطها بالعقيدة.
الموارد الاقتصادية التي خلقها اللَّه سبحانه وتعالى وكفايتها وملاءمتها من حيث خصائصها موضوع فيه أدبيات إسلامية كثيرة، وهي أدبيات تتأسس على ما وعد اللَّه به سبحانه وتعالى من ضمان الرزق لكل دابة.
لذلك قد يكون من المناسب إجراء مناقشة اقتصادية لثلاث آيات جاءت في سورة الحجر، وهي تعمل مباشرة على موضوع التوازن بالمعنى العام، ويدخل فيه التوازن بين الموارد والحاجات.
يقول سبحانه وتعالى: «وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين َ(20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّله إلا بِقَدرِ مَعْلوم» (الحجر:19-21).
التحليل الاقتصادي للنص القرآني:
(أ) «وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُون»: يسع النص التوازنات التالية: التوازن بين الحاجات والموارد الاقتصادية... التوازن بين الموارد الاقتصادية بعضها مع بعض... والتوازن بين حاجات الفرد الاقتصادية بعضها مع بعض.
وبناء على هذا، فإن النص القرآني يشمل أنواع التوازن كلها. بينما علم الاقتصاد يناقش نوعاً واحــداً من التــوازن هو التوازن بين الحـاجات والموارد، ولا يناقشه باعتبار أن التوازن يتحقق، إنما يناقشه على اعتبار أن الموارد غير كافية لإشباع الحاجات، أي أن العلاقة هي علاقة اختلال وليست علاقة توازن.
(ب ) «وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين»: يخبر اللَّه سبحانه وتعالى في هذا النص القرآني أنه أودع في الأرض موارد اقتصادية كافية لإشباع من يملك: «لَكُمْ فِيهَا مَشَ»، وأيضـاً لإشـــباع من لا يملك: «وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينْ».
ومن باب المقابلة، نعرف أن الفكر الاقتصادي العلماني ممثلاً في نظرية مالتس وغيرها من النظريات الاقتصادية يرتبط بفكرة أن الموارد الاقتصــادية غيــر كافيــة لإشبــاع حاجات كل سكان الأرض، ولذلك لا بد من التضحية أو التخلـــص من بعضــهم. ولعــل مما يجــب التذكيــر به عــلى وجه الخصوص، أن العولمة المعاصرة في شقها الاقتصادي تتبنى هذه النظرية، بل وتضعها موضع التطبيق.
(ج ) «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُوم»: يخبر اللَّه سبحانه وتعالى في هذا النص القرآني أن الموارد الاقتصادية (وهي داخلة في كل شيء) سوف تزيد بالقدر الذي يقدره اللَّه تعالى. يعني ذلك أن الموارد الاقتصادية متزايدة. وبربط هذا النص بالنص الأول: «وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْئٍ مَوْزُونٍ»، يمكن استنتاج أن الموارد الاقتصادية تزيد بقدر زيادة حاجات البشر. ويعني ذلك أن مشكلة الندرة غير واردة حتى في المستقبل.
استنتاج:
الآيات السابقة قــاطــعة في نفــي مشكــلة الندرة في الــزمن الحـــالي، وفي الأزمنة المقبلة، ويترتب على ذلك أن الموارد الاقتصادية المتاحة كافية لإشباع كل الحــاجــات. ومع الإيمان المطـــلق بذلك، إلا أنه تظل هناك قضية هي كيفية حصول كل فرد على نصيبه من هذه الموارد. وحل هذه القضية مربوط بالآتي:
(أ) عمل الإنسان:
لابد أن يقدم كل إنسان العمل اللازم الذي يعطيه الحق في الحصول على نصيبه من الموارد.
(ب) النظم التي يُخضع الإنسان نفسه لها: هذه النظم هي المسؤولة عن أن فرداً ما يحصل على موارد اقتصادية أكبر من العمل الذي قدمه، في مقابل فرد آخر لا يحصل من الموارد الاقتصادية بالقدر الذي بذله من عمل.
(ج) كفاية الموارد: الإيمان بهذا واجب... وقد تصبح غير كافية، وذلك بسبب تصرفات البشر، ومنها الإسراف، وتبديد الموارد، وتلويث الموارد، وغير ذلك من التصرفات.
(د) محدودية وقصور السياسات العلمانية: التي توضع للتعامل مع مشكلة الفقر، لأنها محكومة بما يؤمن به الاقتصاديون من أن الموارد الاقتصادية غير كافية لإشباع حاجات كل الأفراد. وفي مقابل ذلك، فإن السياسات الإسلامية لعلاج الفقر تنطلق من قاعدة إيمانية هي أن اللَّه سبحانه وتعالى خلق موارد اقتصادية متوازنة مع الحاجات الواقعة عليها. هذه القاعدة الإيمانية تمثل العقيدة الاقتصادية الصحيحة التي تجعلنا نؤمن بأن القضاء على الفقر ممكن بالموارد المتاحة لنا.
نستطيع أن نطور هذه النتيجة إلى الآتي: الإيمان بأن اللَّه سبحانه خلق موارد اقتصادية متوازنة مع الحاجات الواقعة عليها، شرط ضروري لوضع سياسات اقتصادية قادرة على علاج مشكلة الفقر.