ماذا لو...؟! / الناس أغيار

تصغير
تكبير
| حنان عبد القادر |

كلما تأملنا الخلائق حولنا وجدنا ما يبعث الدهشة ويثير علامات استفهام، فمنهم الصادق الحازم مع نفسه حتى ليحسبه الناس مخلوقا من العصور البائدة، ومنهم المنافق المتسلق الذي لا يؤمن إلا أن الغاية تبرر الوسيلة، ومنهم من يحب للناس ما يحب لنفسه، فتجده يتفانى في محبتهم وخدمتهم مؤمنا بأن من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومنهم من يرتدي الأنانية كما يرتدي جلده، فلا يفرط في شيء ولا يتنازل عنه حتى لو لم يكن له فيه حق، ومنهم النشيط المتفاني الذي يحب إذا عمل عملا أن يتقنه، ومنهم المتكاسل المتواكل حتى فيما يخصه من مصالح، كل تلك الأغيار ربما تزيد من دهشتنا، وتجعل العامل يفكر في غير العامل ويأنف كيف لا ينشط مثله، والصادق يكره المنافق ويتمنى أن يتخلص المجتمع منه، والحريص المنظم يلوم المفرط ويستنكر عليه تهاونه، وكلنا في ذلك ننسى أن الله خلق الكون كله أخيافا وأغيارا، ومتناقضات متضادات؛ حتى يبرز كل منهما الآخر، فقال في محكم التنزيل: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما اتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).

هذه الآية تؤكد أن الله وحده الذي صيّر هذا الاختلاف، وجعله من ثوابت النظام الكوني، وقانون يحكم جميع المخلوقات، كما نرى ذلك في قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وما ذلك إلا لنرى الجمال ونكتشف الصواب، فالشيء لا يظهر إلا بنقيضه، وفي ذلك قال الشاعر:

ضدان لما استجمعا حسنا... والضد يظهر حسنه الضد

فنرى بذلك حسن الحسن، ونستقبح القبيح مما يدفعنا أن نسعى للإخلاص والتغيير، نحتسب في ذلك حسن الأجر عند الخالق سبحانه، ولقد أعجبني قول شيخنا الشعراوي ذات مرة، لما كان يتحدث عن الظلم ولم يتفش في الأرض، فقال: إنما الظلم جندي من جنود الحق، إذا تفشى في الناس صاروا يصيحون أين الحق، أين الحق، فيظهره الله على الباطل.

وإننا لا نني نحاسب الناس ونلومهم، ونغتابهم ونهينهم، ونبرز نواقصهم ونحتقرهم في دواخلنا، رغم أننا لا نتعامل مع أنفسنا بالمثل، ولا نعطيها من التفحص ما نتفحص به الآخرين وكأننا لا نملك بيوتا زجاجية نخشى عليها من صخرة في يد أحدهم، وقديما قال الشافعي رضي الله عنه:

إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى

ودينك موفور وعِرْضُكَ صَيِنّ

لسانك لا تذكر به عورة امرئ

فكلك عورات وللناس ألسن

وعيناك إن أبدت إليك معايباً

فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى

ودافع ولكن بالتي هي أحسن

ماذا لو رأينا عيوبنا بنفس العين التي نرى بها عيوب الناس؟ ماذا لو حاسبنا أنفسنا قبل أن نحاسبهم؟ فكلما ابتعدنا كثيرا في أغوارنا فجعتنا حقيقتنا إذ لا نرانا نختلف عنهم بل نزيد، فلم ننتقدهم دائما ولا نلوم ذواتنا؟

إنما الحصيف من يأخذ الناس على علاتهم، ولا يطالبهم بأكثر مما هم عليه، وليلتفت إلى نفسه فيصلحها ويقيم ما اعوج من أخلاقها، فإن التفت لنواقصه من دون أن يضيع وقته في تتبع ذوات الآخرين ونواقصهم، وعمل جاهدا على تغييرها لصلح وصلحت أمته، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.





* كاتبة مصرية

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي