لغة الأشياء / بشرى خلفان... ماذا فعلتِ؟!
عزيزتي بشرى...
صباحك سكر
لم نلتق... لم أقرأ لك شيئا من قبل... ولا أظنك تعرفينني! اعذري جرأتي ولا تندهشي طويلا... (رفرفة)* كان واحدا من الكتب التي انتظر لأسابيع دوره في القراءة، وسط تل من الاصدارات يعلو وينخفض وأحيانا ينهار، ويعاد بناؤه من جديد على المنضدة، كتابك بغلافه الرمادي الفاتح وحجمه المتوسط وشكله المحايد، كلما وقعت عيناي عليه همست لنفسي معاتبة ان علي أن أكون أكثر سرعة ورحمة في اطلاق سراح طائرك الصغير، لم أتوقع ما حدث! واليك ما حدث بدقة.
مرهقة ومريضة لأربعة أيام، معزولة عن تفاصيل الأيام الاعتيادية، عن شمس النهار، وضجيج العالم الخارجي، محاصرة بعلب الأدوية الصغيرة الملونة وكؤوس الماء والمحارم الورقية، حنجرتي فقدت الصوت ويبست، برد شديد يجتاحني كعاصفة قاسية، وعادة عندما أتألم أفضل أن أكون وحيدة... وحيدة... وحيدة!
تمتد يدي تلتقط كتابك في الفترات ما بين التعب والتعب والنوم والاستيقاظ المتكرر، أقرأ نصوصك البهية واستمتع بمعزوفاتك القصصية محاولة تدليل نفسي بقراءة ابداع من طراز ابداعك، أظنك الآن ستتساءلين وما الجديد في ذلك؟!
الغريب والغريب جدا أن احد نصوصك ملأني بالدهشة، ظننت لوهلة أنك كتبتيه عنى أو أنني كتبته عن نفسي وأودعته مكانا آمنا فى كتابك! جلست لدقائق أبحث بين سطورك عن آثاري وأنت تستخدمين ضمير المتكلم كأنك استعرت صوتي-المنطفئ حينها- لسرد يضيء العتمة ويبدد الملل ويطلق التساؤلات المشاغبة.
عندما قرأت قصتك للمرة الأولى وأنا مرهقة جدا، تساءلت والشك يستحوذ على تفكيري هل حدث ان التقينا ذات يوم عابث وتناولنا فنجانا من القهوة على سطح كوكب شارد وتبادلنا حديثا ودودا كالذي يجمع الصديقات عادة ونهضنا وفي بال كل منا فكرة تصلح للكتابة... للحياة... للعبور من حال الي حال؟!
أنت الآن بالتأكيد تتساءلين أي نص من نصوصك الأربعة عشر استثار اهتمامي، وعانق ذاكرتي... اعذرينى لن أجيبك اجابة شافية!
لكني سأقول لك انه بالتأكيد ليس (رفرفة) ولم يكن (اسطرلاب) ولا تظني انه (مطاردة)، ولا تعتقدي انه قد يكون (أزرق للحزن) ما رأيك الآن؟، بقي عشرة نصوص قد يكون احدها! سهلت لك مهمة اكتشافه.
تخيلي يا بشرى أن ما أذهلني بنصك- الذي مسني بعمق- انه قدم لي طوق نجاة على شكل اجابات مرنة قابلة للتجربة... للتطبيق، كنت أقرأ عن أبطالك وفجأة وجدت نفسي بينهم! لن أقول لك حينها أي احتفاء مباغت ظلل المسافة القصيرة من الغلاف الى الغلاف، وتجاوزها لأجواء منعشة ممطرة وآسرة.
اعذري أنانيتي في الحديث عن نصك الذي يشبهني، بينما عملك الجميل بأكمله يستحق الاشادة والاشارة والعرض والنقد وأشياء كثيرة تليق بتجربتك الابداعية المتميزة.
***
في صباح يومي الأول بعد أيام المرض الأربعة الطويلة، وأنا أقود سيارتي صباحا متجهة الى العمل، تذكرت أن أجمل ما حدث لي خلالها تلك الومضة التي تصاعد ألقها من بين دفتي كتابك، على الجانب الآخر من الشارع سرب حمام صغير يطير من سطح أحد المنازل باتجاهي، أظنه كان يوصيني ألا أنسى أن أشكرك وأتمنى لك نهارا سعيدا!
* (رفرفة) مجموعة قصصية للقاصة العمانية بشرى خلفان... عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004.