واقعية في السوري وصراخ وعنف في المصري

دراما رمضان 2013 ... مشاركات عربية فنية وانتشار محدود

تصغير
تكبير
| كتب جهاد أيوب |

تخوض الدراما العربية في هذا العام معركة اثبات وجودها متحدية المآسي التي تعيشها على أكثر من صعيد، خصوصاً في الانتاج والتوزيع والفوضى السياسية والوطنية والاجتماعية التي تمرّ بها دول عربية تعتبر الأهم في الانتاج الدرامي، وتحديداً سورية ومصر والخليج. أما ما تبقى من دول عربية، فكانت تنتج لرفع العتب، أو «فذلكة» وتكملة عدد كما هو حاصل في الدراما اللبنانية التي تميّز نجومها وأبدعت في أعمال غير لبنانية!

ولا خلاف على أن الواقع السياسي ينعكس سلباً أو ايجاباً على النتاج الفني على عكس النتاج الأدبي، فهذا الأخير يدور في فلك الرأي والذات، ولم يعد للرأي أي اعتبار في العرب ما بعد ربيعها المتخم، ولا أهمية للذات في أن تعيش بكرامة وحرية بعد جنون التعصب الديني، واستسهال الثورات والقيادة والحكم، كما أن الأدب لا يكترث للانتشار الشعبي ولا يرفضه ان حصل، هو ينطلق من المشهدية الذاتية المحكومة بالتجربة والحرية، والأول أي النتاج الفني يصاب بجرثومة التكلفة المادية الكبيرة، والكل يرغب في الانتشار والجري في سباق الأفضلية والشهرة الشعبية لكون الانتاج الفني ينطلق من حركة الشارع والمجتمع، ولا يكترث لحرية النخبة وللحرية المفتوحة بقدر اهتمامه بتسويق عمله ضمن ضوابط البلد الآخر... فمثلاً رفضت بعض المحطات عرض «قيامة البنادق» لأسباب تتعلق بالمقاييس الفنية التي وضعتها قناة «المنار».

فالواقع السياسي - يضاف اليه التعصب المذهبي - انعكس على الواقع الاجتماعي، ما أثر مباشرة على الانتاج الفني بكل مفرداته وأنواعه وتفاصيله، وهذا ما حصل في الدراما العربية بشكل عام وحدد انتشارها وبيعها، وحتى يتم جذب المشاهد تمت الاستعانة بالثنائيات الفنية من صفوف نجوم الصف الأول للمشاركة في عمل واحد، ومنها عودة حياة الفهد وسعاد عبد الله، عبد الحسين عبد الرضا وناصر القصبي، عادل امام وحسين فهمي. كما أن الاستعانة بنجوم من غير البلد في المسلسل الواحد كانت منتشرة وواضحة. ففي الكثير من الأعمال المصرية والسورية كانت هنالك مشاركات لبنانية وأردنية وتونسية وعراقية وخليجية وفلسطينية، والعكس صحيح أمثال «محال»، «يا مالكاً قلبي»، «قيامة البنادق»، «سنعود بعد قليل»، «العراف»، «حكاية حياة»، «حدود شقيقة»، «لعبة الموت»، «منبر الموتى» و«صبايا 5».

الكوميديا

وبالرغم من كثرة الأعمال الكوميدية وحشو عدد كبير من النجوم في العمل الواحد الذي اعتمد على تشكيلة منوعة من فناني أكثر من وطن في عمل، فانها لم تكن شادة، ولم تلفت أو تترك بصمة معينة، فهي تكرار وصراخ، وارتجال ممجوج، حركات صبيانية، واضحاك بالاكراه ومشاركات غير مفهومة، وهذا ينطبق على معظم الأعمال الكوميدية المصرية وبعض الخليجية، بينما السورية باستثناء «صبايا 5» فهو عمل ممجوج لا يصلح للعرض لا شكلاً ولا مضموناً ولا كتابة، ومن شارك من نجماته القدامى أصبحن كبيرات بالرغم من الماكياج الفاضح وعمليات التجميل، وبقية الكوميدي السوري فيه جرعات جميلة ومنها «فتت لعبت» و«حدود شقيقة» الذي صوّر في الهرمل اللبناني، واستطاع أن يلتقط أجمل المناظر في الريف اللبناني، وهو بطولة باسم ياخور، غابريل يمين، ليليان نمري، طارق تميم، مجدي مشموشي وبرناديت حديب... عمل مضحك وشيق فيه جرعات مدروسة من كوميديا الموقف مع اسقاطات سياسية غير مباشرة.

العمل تطلب كاركترات من الصعوبة تجسيدها، وأغلب فريق العمل أداها برشاقة، ولمصلحة نجاح العمل أكثر كان الواجب دعم الشخصية بحوارات أساسية أكثر، واللافت الأزياء المدروسة والمقنعة والديكورات المكملة للحدث. وكان الأهم عربياً اعادة عرض المسلسل المميز «عائلة 5 نجوم» محققاً نجاحاً ومنافسة على العروض الجديدة.

أما الكوميديا المصرية، ففي «الرجل العناب» المبالغة مضحكة على زمن لا نتعلم فيه أن الجمهور تغير، و «الكبير قوي» لم يكن بمستوى الأجزاء السابقة، و«أحلى أيام» تهريج غير مدروس وفوضى في الأحداث والأداء.

البعض يعتبر عدم نجاح الكوميديا المصرية لهذا العام يعود الى أحداث مصر وجديدها السياسي الحدث وسرعة تنفيذ الأعمال على نهج اضحاك الناس كيفما كان.

الدراما السورية

عانت الدراما السورية - التي شكلت في السنوات العشر الأخيرة ريادة ومنافسة مشهودة وواجهة مشرقة للفن التلفزيوني العربي - هذا العام من مرض «مع وضد»، فقد فرض العمل في ظل انقسامات حبست بعض الأعمال في الاستوديو حيث لوحظ عدم استغلال الطبيعة كما عهدنا في الدراما السورية، الا أن نخبة مسؤولة من الفنانين السوريين تنبهوا الى كارثة الحدث فقرروا نقله كما هو مع أبعاد درامية، لذلك ظهرت حزينة قلقة، ومشاهدها لافتة وواقعية ملموسة، والحزن العميق بان في حركة وعيون وأداء أغلب الممثلين حتى في صناعة الأعمال الكوميدية، ومع ذلك استطاعت التغلب على فوضوية وعشوائية الفكر الذي أصاب بلدها والمنطقة والكتابة رغم صعوبة عملها، وذلك من خلال خوضها في الحدث وشجونه وأثقاله على المواطن مباشرة من دون أي ازعاج للمتلقي وعدم الهروب الى الخلف أو الى الأمام كما حدث في الدراما المصرية واللبنانية والخليجية.

وغابت الأعمال الشامية ليحضر بعضها بخجل، ورغم قلقنا ودهشتنا من نجاح ودعم نمطية معينة كـ «باب الحارة» - عرض سابقاً - وتوابعه بشكل منهجي عرفنا سرّ ذلك بعد أحداث مصر وسورية، الا أن «البرغوث 2» كان مختلفاً ولافتاً رغم تغيير جذري لأبطاله، فغابت الأعمال الشامية لصالح ما تيسر للأعمال المعاصرة والمنطقية، وهذه خدمت أغلب الانتاج السوري الواقعي.

وفي مسلسل «سنعود بعد قليل» للمخرج الليث حجو، وبطولة دريد لحام وباسل خياط وقصي الخولي وسلافة معمار وكندة علوش وكارمن لبس ونادين الراسي وبيار داغر وتقلا شمعون...، نقل العمل مآسي هجرة عائلة سورية داخل الوطن وخارجه «الى بيروت» بشفافية ومصداقية تعبيرية لافتة، وشبه اجماع على أن هذا العمل من أنجح أعمال رمضان هذا العام الى جانب مسلسلات « تحت سماء الوطن»، و«حائرات».

«لعبة الموت» كتابة ريم حنا والليث، واخراج الليث حجو وسامر البرقاوي، بطولة سيرين عبد النور، وعابد فهد ونبيل عساف ويوسف حداد وندى أبو فرحات عن فيلم (Sleeping with The Enemy 1991) عمل مشغول بحرفة المغامرة.

«الولادة من الخاصرة 3» تأليف سامر رضوان واخراج سيف الدين السبيعي، وقد دخل العمل أرض الواقع بشفافية واتقان ودراية لحساسية المكان، أداء متميز لفريق العمل، وقصة منطقية لا ملل ولا تكرار بأحداث متلاحقة تتمة لنجاح الأجزاء السابقة بتفوق ليس أقلها، يكفيه أنه تناول الواقع السوري الحالي بذكاء.

و«في قلب اللهب» آخر أعمال الراحل خالد تاجا، اخراج محمد زهير رجب، عمل اجتماعي هادف، ينقل تجارب وحالات الطبقة المتوسطة في المجتمع، وهذه الطبقة مقبلة على الانفلات الاجتماعي وتغيرات جذرية، و«سكر وسط» ربما العمل الوحيد الذي شاهدناه هذا العام لعباس النوري وصباح الجزائري وندين تحسين بيك، ومن اخراج المثنى صبح... العمل تحفة في الأداء وفي لعبة الاخراج، ربما ظروف التسويق ظلمته، وبعد الشهر الفضيل سينتشر بشكل أكبر وأهم، و«ياسمين عتيق» تتألق به سلاف فواخرجي الى جانب غسان مسعود ومنى واصف، عمل له خصوصيته التاريخية مشغول بحرفة عالية سيقطف شهرة أوسع بعد شهر رمضان، عمل كبير يتطلب التفرغ في متابعته وذلك لمتعة المشاهدة في الأداء والديكور والمناظر والألوان والأزياء.

«فتت لعبت» كوميدي ممتع لفريق «أيام الدراسة» عمل فيه الكثير من المتعة والضحكة غير المصطنعة التي تخرج من القلب، كذلك «سوبر فاميلي» كوميدية هادفة مشغولة بدقة الطرح والموضوعية.

الدراما المصرية

لم تتعلم الدراما المصرية من تجربة الدراما اللبنانية التي سبقتها في الانتشار العربي والانتاج الى حين حدوث الحرب الأهلية العام 1975، فهذه الدراما هجرت أرضها وأناسها وقصصها وخاطبت الافتراضي لكونها تخاف مواجهة الحقيقة، ولم تواجه الواقع بسمومه، وعاشت كذبة أعمال مخملية وقصصاً هجينة عجيبة وقصص العصابات والمخدرات، علماً في زوايا كل شبر من لبنان قصص صالحة للدراما، أي هربت الى الأمام فوقعت في التخلف المشهدي حتى كادت تختفي عن المنافسة، وهذه الحال وقعت بها الدراما المصرية هذا العام رغم بعض الأعمال الشاذة عن هذا الخط، ومنها «الداعية» بطولة هاني سلامة حيث تطرق الى طبيعة ما يحدث في مصر لكنه طرحها بركاكة، ومنها من عالج قضايا غير منطقية في لحظة الوطن على شفير الحرب الأهلية كـ «العراف» لعادل امام. هذا العمل دل على سوء اختيار امام الذي هرب من المواجهة، وجاءت النتيجة مربكة ومضحكة غير مقنعة وتحديداً في أداء امام... هذا الفنان عليه التواضع أكثر في لجم البطولة المطلقة، فالعمر لم يعد يسمح له بالتصابي، كما أن حركة تأثير وجهه لم تعد تسعفه أو لم يعد يتحكم بها كما لو أجرى عمليات تجميل وشد، على عادل امام معرفة لحظة الاعتزال القريب. فبعد سقوط عمله العام الفائت «فرقة ناجي عطا الله» والاستخفاف بعقول الناس، سقط هو مع «العراف» بالضربة القاضية على نجومية لا تدوم، وقدم أوراق نهاية خدماته.

وشهدت الدراما المصرية غياب يحيى الفخراني للمرة الأولى عن منافسة رمضان، وعودة محمود حميدة بعد 23 عاماً من الغياب عن التلفزيون من خلال «ميراث الريح» والنتيجة متواضعة، و «الشك» لرغدة وحسين فهمي كان أكثر واقعية، وفيه جرعات من الطرح المقبول ولكننا شعرنا كما لو نفذ بعجالة وسلق!

كما تخلى جمال سليمان عن تقمص الصعيدي الى المعاصر في «نقطة ضعف» مع رانيا فريد شوقي، وهالة فاخر، تأليف شهيرة سلام واخراج أحمد شفيق، وهذا العمل كثر فيه النجوم وقلّ فيه التميّز فمرّ مرور الكرام.

واستمرت ليلى علوي في استغلال اسمها من خلال «فرح ليلى» اخراج خالد الحجر رغم ركاكة القصة والسيناريو، والاخراج المتواضع، كما استمر صلاح السعدني في خوض غمار المنافسة ولكن... وذلك من خلال «القاصرات» تأليف سماح الحريري واخراج مجدي أبو عميرة وبطولة داليا البحيري، يعود السعدني متصابياً غنياً يحب البنات بعد فشله العام الفائت في «الأخوة الأعداء»، العمل لم يكن بمستوى الطموح!

أما نور الشريف، وهو قيمة فنية مثمرة، ومع ذلك لم يوفق بالعودة الى شخصية الصعيدي «خلف الله» بعد عدم نجاحه في العام الفائت في «عرفة البحر»... كان على نور الشريف التروي ودراسة التجربة وتغيير النمطية التي أصبح يكررها في كل أعماله، هو مسجون بـ «جلباب أبي»!

أما يسرا، فالحديث عنها يطول... فقط نكتفي أنها وخلال حكم مبارك كل أعمالها التلفزيونية كانت تقحم فيها حركة النظام ايجابياً وكانت أعمالها بوقاً مزعجاً، واليوم قدمت «نكدب لو قلنا ما بنحبش» الى جانب رفيق علي أحمد ومصطفى فهمي وورد الخال. النتيجة لم تكن مشجعة، فالخط الدرامي مشوّش بحبكة ضعيفة أضاعت جماليات الحدوتة، أما الاخراج فبرع في التقاط وجوه الممثلين المنهكة... يكفي أن أحد أبطال العمل صرح بأنه قبل الدور لقلة العمل والى حاجته المادية، فالمسلسل ضعيف!

وقد تكون عودة الفوازير مع محمد هنيدي مفاجأة «مسلسليكو» تأليف أحمد بهجت قمر، واخراج أحمد مهدي، الا أن الشارع المصري كما كتبت صحافته لم يتقبل التجربة بروح مبتسمة وبشغف، ربما الوضع السياسي والعام أثر على الناس فقرروا التفرغ لبرامج السياسة بعيداً عن الأعمال الفنية الاستعراضية، العمل انتاجياً وضعت له ميزانية ضخمة، وفنياً كان موفقاً، خصوصاً في استخدام تقنية ثلاثية الأبعاد والابهار، والغرافيك المتقن، والاستعراضات، ولكن كمية سماكة الماكياج على وجه هنيدي كانت مخيفة!

بشكل عام، ظهر الممثل المصري في هذا العام مربكاً تائهاً لا يعرف الاختيار ولا التواصل مع حركة المشهد في بلده، وحالته لا يحسد عليها، لذلك ندعوه الى عدم الهجرة والمجابهة في نقل الحدث الواقع برؤية درامية كانوا سابقاً يعرفون استغلالها!

ما تيسّر في اللبناني

الأعمال الدرامية اللبنانية كانت لرفع العتب، ربما اكتفت بمشاركة نجومها في أعمال عربية أخرى، وللحق «قيامة البنادق» أنقذ سمعة الدراما اللبنانية رغم ملاحظاتنا على العمل... أما «العائدة 2» تأليف شكري أنيس فاخوري، وبطولة كارمن لبس، فجاء كنسمة عابرة لم نشعر بها مطلقاً، ونظراً لتواضع الجزء الأول كان الواجب الاستغناء عن الجزء الثاني.

«قيامة البنادق» بتكلفة 1.5 مليون دولار تأليف محمد النابلسي واخراج عمار رضوان، أقيمت له مبان ومنازل خاصة، بمشاركة ممثلين من لبنان وسورية وفلسطين وصل عدد المشاركين فيه الى 150 ممثلاً منهم عمار شلق، مجدي مشموشي، أحمد الزين، باسم مغنية، بيار داغر، نعمة بدوي وجان قسيس.

الدراما الخليجية

أغلب ما قدم في الدراما الخليجية كان كوميدياً، الحدث الأول فيه كان لقاء عبد الحسين عبد الرضا مع ناصر القصبي في «أبو الملايين» في عمل خفيف نظيف أعاد وهج موهبة عبد الحسين الى الواجهة بعد غياب سنوات. عبد الحسين هنا يجدد شبابه في النجاح، بينما ناصر لم يخسر في ابتعاده عن «طاش»، بل كسب مرحلة جديدة قدمته في دور مركّب وجميل، هذا العمل سيكتب له النجاح بعد شهر رمضان لكونه سيعرض في أكثر من قناة.

والحدث الثاني كان عودة الثنائي حياة الفهد وسعاد عبد الله في «البيت بيت أبونا» بخلطة اجتماعية في تفاصيل تتطلب الأكشن التلفزيوني، وقد تفوقت الفهد في لعب الدور ببساطة وعفوية، كما تميزت سعاد عبد الله باستخدام خبرتها ورشاقتها حتى خرج العمل مختلفاً عن كل ما قدم خليجياً وعربياً، هذا العمل بصمة في مرحلة حساسة من العمل الكوميدي الخليجي!

«محال» تأليف وائل نجم واخراج سلطان خسروه، بطولة لاميتا فرنجية وجاسم النبهان ومنى شداد ومحمود بوشهري، العمل متواضع جهداً وتنفيذاً، ويجاريه بالتواضع مسلسل «يا مالكاً قلبي» بطولة ريتا حايك وشذا حسون.







الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي