فضائل / الذكر... القوت اليومي للقلوب

تصغير
تكبير
أرأيت لو أن نباتاً بهيّ المظهر، حَسَن الزهر، ولكن تقاعس صاحبه عن سقياه وتعاهده، كيف يكون منظره؟ وهل تبقى نضارته طويلاً أم يذبل سريعاً؟ أَوَ قد رأيتَ سمكةً تمّ إخراجها من الماء، أكانت تعيش؟ أم أنّ حاجتها إلى الهواء كحاجتها إلى الطعام والشراب، إن لم تكن أشدّ؟
كذلك الحال مع قضية الذِّكر لله سبحانه وتعالى، فالذِّكر للقلوب قوتٌ يوميّ لا تُتصوّر الحياة دونه، ومن هذه الحقيقة جاء التمثيل النبوي الرائع؛ ليبيّن حال الذاكرين وما يُقابله من حال الغافلين اللاهين، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحيِّ والميت) متفق عليه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك, فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟».
من هنا نفهم سرّ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بقضية الذكر، وبيان فضائله المرّة تلو الأخرى، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق, وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟)، قالوا: بلى, فقال عليه الصلاة والسلام: (ذكر الله تعالى) رواه الترمذي والحاكم وصحّحه، و(الوَرِق) هو الفضّة.
وعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كَثُرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) رواه الترمذي وابن ماجه.
واللسان الغافل عن ذكر الله تعالى كاليد الشلاّء، أو العين العمياء، أو الأذن الصمّاء: أعضاءٌ مُعطّلة عن فعل ما خُلقت لأجله، فكيف تستنير بصيرةٌ إن لم يكن لها من مدد القلوب وغِياثُها؟ ولذلك وصف العلماء الذكر للقلب بالقوت: متى حُرمت الأجساد منها صارت قبوراً, وجعلوه بمثابة السلاح الذي يقاتل أصحابه قطّاع الطريق, والماء الذي يطفئون به نار الحريق, ودواء الأسقام الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب, فضلاً عن كونه السبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علاّم الغيوب.
وقد جاء في القرآن الكريم التوكيد والتأكيد على أهميّة الذكر ودوره في تحقيق النصر، في أحلك الظروف وأشدّها، حين تقارع السيوف، وتطاير الرؤوس، وارتفاع غبار المعارك، ليكون ذكرُ الله تعالى في تلك اللحظات الحرجة مدداً من السماء، يحصل من خلاله ثبات القلب وطمأنينته، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} (الأنفال:45).
ومن مَكرُمات الذكر أن الله سبحانه وتعالى يُظهر فضل عبيده الذاكرين ويُبيّن مكانتهم العظيمة لملائكته الكرام، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقةٍ من أصحابه، فقال: (ما أجلسكم؟) قالوا: جلسنا نذكر الله, ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا. قال: (آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك, قال: (أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم, ولكنه أتاني جبريل عليه السلام, فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي