الدعاء المأثور 8
معشر القراء الفضلاء، وصلكم الله بمأثور الدعاء:
ان من أشرف الأدعية التي يتقرب الى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وانفع المعاني التي يسعى في تحصيلها** الساعي: ما أثر عن نبي الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام وعيون الأقوال التي تجود بها القريحة.
الدكتور وليد محمد العلي امام وخطيب المسجد الكبير واستاذ العقيدة بكلية الشريعة.
وان من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة:
ما جاء في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).
فما جاء في فاتحة الدعاء؛ معشر القراء الفضلاء:
يُبين أن حقيقة انتساب العبد لدين الإسلام: هي بأن يستسلم لربه المَلِك القدوس السلام، وكثيرا ما يرد في النصوص الشرعية ذكر الإسلام والإيمان، لأنهما في الدلالة على الأعمال الظاهرة والباطنة قرينان.
فالأعمال التي تظهر على اللسان والجوارح هي التي تُصدق دعوى العبد في انتسابه إلى الإسلام، كالنطق بالشهادتين وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة وصيامِ رمضان والحجِ إلى بيت الله الحرام.
وأما الأعمال التي يُبطنها العبد في جَنانه؛ ثم تظهر آثارها تبعا على لسانه وأركانه: فهي التي تدل حقيقة على صدق إيمانه، كإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر الذي يجري فيه فلك الخَلق الماخر، فهذا حقيقة قول العبد في دعائه: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت). ومتى ما تدثر العبد بدثار الإسلام وتزمل بشعار الإيمان: فإنه يصدق حينئذ بالتجائه واعتصامه بمولاه المَلِك الديان.
فإن حَزَبه همٌّ فزع مُسرعاً إلى الله، وإن نابه غمٌّ توكل على مولاه، وتضرع إليه تضرع العبد الذليل، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، لأن صحة الإسلام وصدق الإيمان: تغرس التوكل في نفس الإنسان، الذي هو توكيلُ شؤونك وتفويضُ أمورك للعزيز الوهاب؛ وحسن ظنك بتقدير الله وتصريفِه مع أخذك بالأسباب.
قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: (حسبنا الله ونعم الوكيل: قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}).
ومتى ما تحصن العبد بأعمال الإسلام الظاهرة وأعمال الإيمان الباطنة: فإنه سيُنيب إلى ربه سبحانه ويرجع إليه وتكون خشيته في قلبه قاطنة، فالإسلام والإيمان يُثمران: الإنابة والتَّوبة للإنسان.
وكمال الإسلام وجمال الإيمان: يُورث الولاء والبراء في الجَنان، فإنَّه يُحبُّ ويُبغض لله؛ كما أنه يُعطي ويمنع لله، فلله وبالله سبحانه حكومتُه؛ وبالحجة والمحجة خصومتُه، فلا يُحاكم ولا يُخاصم إلا بآيات الرحمن، ولا يُجادل بالتي هي أحسن إلا بالبرهان، فهذا حقيقة قول العبد: (وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت).
فمن هُدي بعد إسلامه وإيمانه لهذا الأصل القويم؛ فقد هُدي بفضل الله تعالى إلى الصراط المستقيم،
لذا ناسب أن يُستعاذ بالله ويُلتجأ إليه من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهداية، وأن يستحضر العبد في هذا المقام أن العصمة عزَّةٌ قد اقتبسها المؤمن بفضلٍ من الله وعناية.
وأعظم سبب يعصم من الضلالة ويُثبت العبد على الإيمان والإسلام: القيام بشروط (لا إله إلا الله) فهي العروة الوثقى التي ليس لها انفصام، فهذا حقيقة قول العبد في دعائه: (اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني).
وأعظم مُعين على الثبات على هذا الدين أن تلجأ إلى ربك في الدعاء وتضرع إليه في القنوت: وأن تعلم أن إلهك سميع لأقوالك بصير بأفعالك عليم بأحوالك لأنه حي لا يموت وقيوم لا يفوت.
فهل يليق بعاقل أن يدع الاستغاثة بالحي ثم يستغيث بعد ذلك بالأموات من الإنس والجان؟ وهل هذا لعمر الله إلا من سفاهة عقول هؤلاء وخروجهم عن وصف الإسلام والإيمان؟ (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري: تركته وشركه).
فأين العزيز من الحقير؟ وأين الجبار من الكسير؟ وأين الكبير من الصغير؟ فهذا حقيقة قول العبد في دعائه: (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).
فأهلُ الاصطفاء: من لزموا الدُّعاءَ؛ وهم مُستيقنون بأنَّ ربَّهم تبارك وتعالى لدعائِهم سميعٌ قريبٌ مجيبٌ، وأنَّه يُخاطبُهم بقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ، دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء، وأصل معكم لختام هذا اللقاء: سائلا الله تعالى أن تحوطَكُم رعايتُه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه.
ان من أشرف الأدعية التي يتقرب الى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وانفع المعاني التي يسعى في تحصيلها** الساعي: ما أثر عن نبي الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام وعيون الأقوال التي تجود بها القريحة.
الدكتور وليد محمد العلي امام وخطيب المسجد الكبير واستاذ العقيدة بكلية الشريعة.
وان من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة:
ما جاء في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).
فما جاء في فاتحة الدعاء؛ معشر القراء الفضلاء:
يُبين أن حقيقة انتساب العبد لدين الإسلام: هي بأن يستسلم لربه المَلِك القدوس السلام، وكثيرا ما يرد في النصوص الشرعية ذكر الإسلام والإيمان، لأنهما في الدلالة على الأعمال الظاهرة والباطنة قرينان.
فالأعمال التي تظهر على اللسان والجوارح هي التي تُصدق دعوى العبد في انتسابه إلى الإسلام، كالنطق بالشهادتين وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة وصيامِ رمضان والحجِ إلى بيت الله الحرام.
وأما الأعمال التي يُبطنها العبد في جَنانه؛ ثم تظهر آثارها تبعا على لسانه وأركانه: فهي التي تدل حقيقة على صدق إيمانه، كإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر الذي يجري فيه فلك الخَلق الماخر، فهذا حقيقة قول العبد في دعائه: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت). ومتى ما تدثر العبد بدثار الإسلام وتزمل بشعار الإيمان: فإنه يصدق حينئذ بالتجائه واعتصامه بمولاه المَلِك الديان.
فإن حَزَبه همٌّ فزع مُسرعاً إلى الله، وإن نابه غمٌّ توكل على مولاه، وتضرع إليه تضرع العبد الذليل، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، لأن صحة الإسلام وصدق الإيمان: تغرس التوكل في نفس الإنسان، الذي هو توكيلُ شؤونك وتفويضُ أمورك للعزيز الوهاب؛ وحسن ظنك بتقدير الله وتصريفِه مع أخذك بالأسباب.
قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: (حسبنا الله ونعم الوكيل: قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}).
ومتى ما تحصن العبد بأعمال الإسلام الظاهرة وأعمال الإيمان الباطنة: فإنه سيُنيب إلى ربه سبحانه ويرجع إليه وتكون خشيته في قلبه قاطنة، فالإسلام والإيمان يُثمران: الإنابة والتَّوبة للإنسان.
وكمال الإسلام وجمال الإيمان: يُورث الولاء والبراء في الجَنان، فإنَّه يُحبُّ ويُبغض لله؛ كما أنه يُعطي ويمنع لله، فلله وبالله سبحانه حكومتُه؛ وبالحجة والمحجة خصومتُه، فلا يُحاكم ولا يُخاصم إلا بآيات الرحمن، ولا يُجادل بالتي هي أحسن إلا بالبرهان، فهذا حقيقة قول العبد: (وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت).
فمن هُدي بعد إسلامه وإيمانه لهذا الأصل القويم؛ فقد هُدي بفضل الله تعالى إلى الصراط المستقيم،
لذا ناسب أن يُستعاذ بالله ويُلتجأ إليه من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهداية، وأن يستحضر العبد في هذا المقام أن العصمة عزَّةٌ قد اقتبسها المؤمن بفضلٍ من الله وعناية.
وأعظم سبب يعصم من الضلالة ويُثبت العبد على الإيمان والإسلام: القيام بشروط (لا إله إلا الله) فهي العروة الوثقى التي ليس لها انفصام، فهذا حقيقة قول العبد في دعائه: (اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني).
وأعظم مُعين على الثبات على هذا الدين أن تلجأ إلى ربك في الدعاء وتضرع إليه في القنوت: وأن تعلم أن إلهك سميع لأقوالك بصير بأفعالك عليم بأحوالك لأنه حي لا يموت وقيوم لا يفوت.
فهل يليق بعاقل أن يدع الاستغاثة بالحي ثم يستغيث بعد ذلك بالأموات من الإنس والجان؟ وهل هذا لعمر الله إلا من سفاهة عقول هؤلاء وخروجهم عن وصف الإسلام والإيمان؟ (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري: تركته وشركه).
فأين العزيز من الحقير؟ وأين الجبار من الكسير؟ وأين الكبير من الصغير؟ فهذا حقيقة قول العبد في دعائه: (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).
فأهلُ الاصطفاء: من لزموا الدُّعاءَ؛ وهم مُستيقنون بأنَّ ربَّهم تبارك وتعالى لدعائِهم سميعٌ قريبٌ مجيبٌ، وأنَّه يُخاطبُهم بقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ، دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء، وأصل معكم لختام هذا اللقاء: سائلا الله تعالى أن تحوطَكُم رعايتُه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه.