نصرة المسلم وموالاته فريضة شرعية

تصغير
تكبير
| د. مهران ماهر عثمان |
جاء الامر في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بنصرة المسلم لأخيه المسلم، وجاء النهي والوعيد لمن خالف ذلك وخذل اخوانه.
فمن النصوص التي توجب على المسلم نصرة اخوانه والوقوف معهم في مصائبهم قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «انصر اخاك ظالما او مظلوما»، قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (اخرجه البخاري).
وفي الصحيحين عن ابي موسى رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة»، قيل: أرأيت ان لم يجد؟ قال: «يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق»، قال: أرأيت ان لم يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف».
فنصرة المؤمنين امارة دالة على صدق الايمان: قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم)، (التوبة: 71).
وتأمل هذا المثل الذي ضربه نبينا صلى الله عليه وسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، (متفق عليه).
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وشبك بين اصابعه.
وعن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم ادناهم، ويجير عليهم اقصاهم، وهم يد على من سواهم» (أحمد وابو داود).
وقوله: «وهم يد»، هم: ضمير منفصل يدل على الجمع، ويد: لفظ مفرد، فهذه جملة تدل على التماسك العظيم الذي ينبغي ان يكون عليه المسلمون.
الاهتمام بحال المسلمين ومواساتهم اقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحزن اذا رأى بلاء ونكبة على مسلم، ويدعو الناس للانفاق في سبيل الله، حتى يذهب الله ما بهم من حاجة وبلاء ومحنة، لقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع المنكوبين، ففي صحيح مسلم، عن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة، عراة، مجتابي النمار، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: «يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة... إلى آخر الاية ان الله كان عليكم رقيبا)، والاية التي في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله)، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، ولو بشق تمره»، قال: فجاء رجل من الانصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير ان ينقص من اوزارهم شيء».
تفريج الكروب
ونصرة المسلمين سبب لتفريج الكربات، فالجزاء من جنس العمل، ففي الصحيح قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة».
ومن منا لا يحب ان يفرج الله عنه كرب يوم جاء نعته في قوله: (فيكف تتقون ان كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا»، وقال عنه: «يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد».
وسبب لمعونة الله تعالى: قال صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (مسلم)، فكن في عون اخوانك في مصائبهم يكن الله لك في أمورك كلها. وعند الطبراني: «لا يزال الله في حاجة العبد مادام في حاجة أخيه».
ان السعي لقضاء حوائج المسلمين والوقوف معهم أفضل من الاعتكاف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ولئن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهراً، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام» (ابن أبي الدنيا)، ولا بد هنا من أن نلتفت إلى أمرين:
الأول: لا يخفى أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والمعتكف سيصلي جميع (150) وقتاً بالمسجد، وهذه تعدل (150000) صلاة.
الثاني: وهذه الحاجة قد تقضى وقد لا تقضى.
ومع ذلك فالسعي معه فيها أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اعتكاف في مسجده لشهر كامل.
وأما من كان معه إلى قضاء أمره وتحقيق مقصوده فهذا «ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام».
ونصرة المؤمن وموالاته مجلبة لرحمة الله تعالى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، وقال: «من لا يرحم لا يُرحم» (البخاري ومسلم)، والجزاء من جنس العمل.
وهو من أحب الأعمال إلى الله: إن نبينا صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن أحب الناس إلى الله، وأحب الأعمال إليه، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، ان رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ فقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا» (ابن أبي الدنيا).
خذلان المسلم
وكما جاء الترغيب في الوقوف مع المؤمن جاء النهي، والترهيب من خذلانه، والتنصل عن نصرته وموالاته... فلقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله» (البخاري ومسلم).
وهو سبب للفتنة والفساد الكبير: قال الله تعالى: «والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (الأنفال: 73)، ومعنى الآية: أن الكفار ينصر بعضهم بعضا، ونحن إذا لن تحل هذه النصرة بيننا ساد الفساد، قال الطبري رحمه الله: «إلا تناصروا أيها المؤمنون في الدين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
قال ابن كثير رحمه الله (4/98): «أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض».
وسبب لخذلان الله للعبد: فعن جابر بن عبدالله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنهم جميعا، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أمرئ يخذل أمرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته. وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلانصره الله في موطن يحب نصرته» (أحمد وأبوداود).
وسبب لعذاب القبر: فعن ابن حبان باسناد صحيح قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مئة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه قال: علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره».
نقلاً عن موقع صيد الفوائد
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي