الأجوبة المفيدة عن أسئلة العقيدة

تصغير
تكبير
زاوية نعرض من خلالها لكل ما يعن لقراء «الراي» الأعزاء من أسئلة تتعلق بالعقيدة الاسلامية، وتحتاج الى توضيح وبيان، يجيب عنها الأستاذ الدكتور وليد محمد عبدالله العلي، امام وخطيب المسجد الكبير، واستاذ العقيدة بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية جامعة الكويت.
وللتواصل أرسلوا بأسئلتكم عبر إيميل الجريدة ([email protected]) أو فاكس رقم: (4815921)
أسماء الله وصفاته

ان العقول والألباب مضطرة لمعرفة أسماء وصفات رب الأرباب، فضرورتهم إلى ذلك اعظم من ضرورة صاحب البذرة إلى قطر السماء إذا غرسها في التراب.
بل الضرورة إلى معرفة ذلك أعظم من ضرورة الأبدان إلى الأرواح، والعيون إلى النور الوضاح.
فأي ضرورة وحاجة فرضها العباد فإن ضرورتهم وحاجتهم إلى معرفة أسماء وصفات الكريم الجواد فوق ذلك بالاحصاء والتعداد.
لأنه لا سبيل إلى السعادة والنجاح ولا طريق إلى الأنس والفلاح في العاجلة والآجلة إلا في التعرف على الرب الكبير المتعال، وما له من أسماء الجمال وصفات الكمال ونعوت الجلال.
واذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بمعرفة الحميد المجيد حقا بلامين وجب على كل من نصح لنفسه واحب نجاتها ورام نعيمها وسعادتها ان يعرف من القريب المجيب جميل اسمائه حتى يتقرب اليه بعبادته ودعائه.
وتأملوا في ما ندبكم اليه الواحد القهار وحثكم عليه العزيز الغفار من الخطاب المشنف للاسماع والمهذب للطباع والداعي إلى الاتباع (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه سيجزون ما كانوا يعملون).
ودعاء الله تعالى بهذه الاسماء لا يتأتى للعبد إلا بعد ان يعرف مراتب الاحصاء التي جاء الحث عليها، والارشاد اليها، ففي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحدا من احصاها دخل الجنة».
وهذا الاحصاء المحمود، الموعود عليه بجنة الخلود يكون بحفظ الفاظ هذه الاسماء، ثم بفهم معانيها الغراء، ثم بدعاء الله تعالى بها إما دعاء عباده وثناء وإما دعاء مسألة وعطاء. وتفسير ذلك ما جاء في السنة النبوية الشريفة والادعية المصطفوية المنيفة فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
فتأمل كيف ارشد النبي صلى الله عليه وسلم زوجة رضي الله عنها: ان تقدم بين يدي الدعاء - من المدحة والثناء على رب الأرض والسماء - باسم من اسمائه الحسنى يناسب الرغبة والرجاء.
ومن رام احصاء أسماء الله الحسنى فعليه بإدامة النظر في كلام الله تعالى، فإن الرب تبارك وتعالى قد تجلى في كتابه لعباده باسمائه وصفاته، فتارة يتجلى العلي العظيم لعباده في ازار الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الاعناق وتنكسر النفوس وتخشع الاصوات. وتارة يتجلى الجميل الجليل في صفات الجمال والكمال فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من أسماء جلاله وصفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته، فإذا اراد منه غيره ان يعلق تلك المحبة به أبى قلبه واحشاؤه ذلك كل الاباء. واذا تجلى البر الرحيم بصفات الرحمة والبر واللطف والاحسان، انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه، وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره فكلما قوي الرجاء جد في العمل.
وإذا تجلى العزيز الحكيم بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الامارة وانقبضت أعنه رعوناتها، فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر.
واذا تجلى السميع البصير بصفة السمع والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء فيستحي من ربه ان يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه، فتبقى حركات العبد واقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الهوى والطبع.
وإذا تجلى الحفيظ الحسيب بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق ارزاقهم اليهم، ودفع المصائب عنهم، ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم: انبعثت من العبد قوة التوكل عليه، وتفويض الامر اليه. واذا تجلى الجبار المتكبر بصفات العز والكبرياء: اعطت نفس العبد المطمئنة ما وصلت اليه من الذل لعظمته، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح لعليائه.
واذا تجلى الله الصمد بصفات إلاهيته: شهد العبد صفات المحبة والود، والشوق إلى لقاء الله تعالى، والانس والفرح به، والسرور بخدمته والمنافسة في قربه، والتودد اليه بطاعته، واللهج بذكره، والفرار من الخلق اليه، حتى يصير هو وحده همه دون ما سواه.
كما ان تعرف العبد على ربه تبارك وتعالى بصفات الربوبية: يوجب له التوكل عليه، والافتقار اليه، والاستعانة به والذل والخضوع والانكسار بين يديه. ورأس الامر وعموده وذروة سنامه: ان يشهد العبد ان له ملكا قيوما فوق عرشه، يدبر امر العباد، ويأمر بالرشاد، وينهى عن الفساد، ويرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويرى من فوق سبع ويسمع، لا تتحرك ذرة فما فوقها الا باذنه، ولا تسقط ورقة الا بعلمه.
ويشهد حمد الله في ملكه، وعزه في عفوه، وحكمته في قدره وقضائه، ونعمته في بلائه، وعدله في انتقامه، وغناه في اعراضه، ومغفرته وستره وحلمه في امهاله، وكرمه وجوده في اقباله. فتوجهوا إلى ربكم بسؤاله باسمائه الحسنى، فانه سميع لدعاء الداعين، وعليم بحوائج السائلين، فهو منتهى كل شكوى، وغاية كل نجوى، فمن سواه المرجو لتفريج الكروب، وتنفيس الخطوب، ومن غيره المقصود لدفع الهموم، ورفع الغموم؟
تقول عائشة رضي الله عنها: (الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واني ليخفى عليّ بعض كلامها، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى اذا كبر سني، وانقطع ولدي: ظاهر مني، اللهم اني اشكو اليك.
تقول عائشة: وأنا في ناحية البيت ما اسمع ما تقول، فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، ان الله سميع بصير»).
فالحذر من الاعراض عن نداء ودعاء ورجاء رب الارض والسماء، بما له من جميل الاسماء. فما حال العبد ان اعرض عنه الا كحال حوت فارق الماء. ووضع في مقلاة تحت الهواء، هذه والله حقيقة الفؤاد وقد تدثر بثوب الفقر والاملاق، يوم اعرض عن دعاء ربه الخلاق، بل افظع وأروع، وأشنع وأخنع.
ولكن لا يحس بهذا الا قلب واع، واما قلب في ظلم الخداع والضياع: فيراه الناظر، بما صوره الشاعر:
من يهن يسهل الهوان عليه.
ما لجرح بميت إيلام
وكيف نعرض عن معرفة الغني ونحن ملهوفون فقراء اليه على الدوام، وهو ارحم بنا من امهاتنا اللاتي حملننا تسعة أشهر في الارحام.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فاذا امرأة من السبي تبتغي اذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وارضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟
فقلنا: لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ارحم بعباده من هذه بولدها.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي