إيمانيات

من أسباب موت القلوب وحياتها

| جاد الله فرحات * |
اعلم أن المعاصي كلها سموم للقلب وأسباب لمرضه وهلاكه، وهي منتجة لمرض القلوب وإرادته غير إرادة الله عز وجل وضررها للقلب كضرر السموم للأبدان.
قال الإمام ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخير لنفسك عصيانها
وللمعاصي من الآثار المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي.
قيل لأحد الصالحين ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال الله تبارك وتعالى: «ادعوني أستجب لكم»؟ قال: لأن قلوبكم ميتة، قيل وما الذي أماتها؟ قال: ثماني خصال:
«عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه، وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده وقلتم نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته، وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له، وقال تعالى: «إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً» فواطأتموه على المعاصي، وقلتم نخاف النار، وأرهقتم أبدانكم فيها، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وإذا قمتم من فراشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم؟».
ومن منا يستطيع أن ينكر أن هذه الخصال التي ذكرها هذا الرجل الزاهد العابد موجودة فينا قائمة في مجتمعاتنا الإسلامية حتى أصبحنا يدعوا خيارنا فلا يستجاب لهم ونعوذ بالله من المصير الموحش المؤلم الخطر الذي ستنحدر اليه الأمة إذا استمرت على غفلتها وعصيانها وذنوبها.
واعلم ان الطاعات لازمة لحياة القلب لزوم الطعام والشراب لحياة الجسد والمعاصي بمثابة الأطعمة المسمومة التي تفسد القلب، وكما يأخذ العبد بالأسباب لحياة جسده من المداومة على تناول الأغذية النافعة في أوقات متقاربة وإذا تبين له أنه تناول طعاماً مسموماً عن طريق الخطأ أسرع في تخليص جسده من الأخلاط الرديئة والسموم الضارة، فحياة قلب العبد أولى بالاهتمام من حياة الجسد، فإذا كانت حياة الجسد تؤهله لمعيشة غير منغصة بالمرض في الدنيا فحياة القلب تؤهله لمعيشة طيبة طاهرة في الدنيا وسعادة غير متناهية في الآخرة، كذلك موت الجسد يقطع العبد عن الدنيا وموت القلب يقطع عن الدنيا والآخرة وتبقى آلامه أبد الآباد.
قال بعض الصالحين: يا عجباً من الناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد، فإذن الطاعات كلها لازمة لحياة القلب ونخص بتفصيل الذكر هنا ان شاء الله تعالى ستاً لضرورتها لقلب العبد وشدة الحاجة إليها وهي: ذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن والاستغفار، والدعاء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الليل، ومداومة الصيام.
*إمام وخطيب