نماذج من تاريخ المسلمين في العمل التطوعي

تصغير
تكبير
لقد حفل تاريخ المسلمين بالمتطوعين في كل المجالات لخدمة البشرية واسعادها، كما اعطت الامة الاسلامية المثل الاعلى في التطوع والعطاء، واذا كان العالم الغربي اليوم يفتخر بالمؤسسات التطوعية والمتطوعين فإن الامة الاسلامية قدمت نموذجا فريدا على مر تاريخها يدل على ترسيخ العمل التطوعي في نفوس المسلمين، فكان للاسلام حضارة امتدت في مشارق الارض ومغاربها، ازدهرت وفاقت كل الحضارات والامم والشعوب، والمطلع على تاريخ حضارة المسلمين يجد كيف تطوع ابناء المسلمين وبذلوا اوقاتهم واموالهم وحياتهم في اعمار هذا الكون واسعاد البشرية، فقد عرف تاريخ المسلمين المجاهدين الذين جاهدوا باموالهم وانفسهم وحرروا الناس من العبودية لغير الله ومن الظلم والجهل فبدلوا حياتهم وعقيدتهم وسلوكهم فكانوا صنّاع الحياة، كما عرف التاريخ العلماء والاطباء والقضاة والبُناة للحضارة الذين قدموا الكثير. يقول الدكتور عجيل النشمي العميد السابق لكلية الشريعة بجامعة الكويت:
(لقد قدم لنا المسلمون عبر تاريخهم الحضاري الطويل صورا حية وعملية للعمل التطوعي تمثل في مظاهر عديدة منها:
الجهاد في سبيل الله، فانه عمل تطوعي في اصله يبذل فيه المسلم اغلى ما يملك وهو نفسه وماله، ومنها الوقف وهو يعتبر صورة ومظهراً حضاريا تطوعيا متكررا ومتجددا على مر التاريخ الاسلامي.
وقد تنوع الوقف لصالح المجتمع بكل فئاته وطبقاته، فانشأ المسلمون المساجد وتطوع الائمة الفقهاء والمفسرون والمحدثون وغيرهم في التدريس فيها، وتخرج في ايديهم رواد الحضارة الاسلامية والانسانية، وانشأوا المستشفيات التي تسمى البيمارستانات وتطوع مشاهير الاطباء في ادارتها وعلاج المرضى سواء في ذلك الفقراء والاغنياء، وخصصت اوقاف للصرف على حاجة المقعدين وذوي العاهات والامراض المزمنة، وانشأوا مؤسسات لرعاية الايتام، والمسجونين، ومقابر الصدقات، والحمامات العامة، ومؤسسات الصناعة الحرفية وغيرها، واسبلة الماء، وصناديق تسديد الديون للمعسرين، والقناطر والجسور، وغير ذلك كثير، وكانت كل هذه الاوقاف او اغلبها يشرف عليها ويقوم على شؤونها متطوعون يسمون النظار، ويعمل فيها متطوعون محتسبوا الاجر والثواب من الله.ولا نبالغ إذا قلنا ان العمل التطوعي كان اساس بناء الحضارة الاسلامية، فطبقة العلماء والفقهاء والاطباء اصحاب الشأن العلمي والحضاري والاجتماعي ما كان عملهم الا تطوعا، وما كان علمهم وعطاؤهم يقابل بالاجور، بل كانوا يأنفون من ذلك.
وكما ان الحضارة الاسلامية مدينة للعمل التطوعي فينبغي ان يكون لهذا العمل الشريف السامي دوره في نهضة امتنا اليوم، وينبغي ان يعمق الوعي فيه، وتسخر وسائل الاعلام لنشر الوعي واحياء سنته في قلوب الناس حتى يعود لمجتمعنا الاسلامي تكافله وتعاونه.
ويقول الدكتور مصطفى السباعي في كتابه «من روائع حضارتنا»:
ليس ادل على رقي الامة وجدارتها بالحياة واستحقاقها لقيادة العالم، من سمو النزعة الانسانية في افرادها، سموا يفيض بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة، بل على كل من يعيش على الارض من انسان وحيوان، وبهذا المقياس تخلد حضارات الامم، وبآثارها في هذا السبيل يفاضل بين حضارتها ومدنياتها.
وامتنا بلغت في ذلك الذروة التي لم يصل اليها شعب من قبلها على الاطلاق، ولم تلحقها من بعدها امة حتى الان: اما في العصور الماضية، فلم تعرف الامم والحضارات ميادين للبر الا في نطاق ضيق لا يتعدى المعابد والمدارس، واما في العصور الحاضرة، فإن امم الغرب وان بلغت الذروة في استيفاء الحاجات الاجتماعية عن طريق المؤسسات الاجتماعية وعن طريق المؤسسات العامة، لكنها لم تبلغ الذروة في السمو الانساني الخالص لله وعز وجل كما بلغته امتنا في عصور قوتها ومجدها، او عصور ضعفها وانحطاطها.
اننا اقمنا مؤسسات اجتماعية لوجوه من الخير والتكافل الاجتماعي لم يعرفها الغربيون حتى اليوم، وهي وجوه تبعث على العجب والدهشة، وتدل على ان النزعة الانسانية في امتنا كانت اشمل واصفى واوسع افقا من كل نزعة انسانية لدى الامم الاخرى.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اول من ضرب المثل الاعلى لامته في ذلك، فاوقف سبع بساتين كان اوصى بعض المحاربين حين مات ان يترك امرها للرسول صلى الله عليه وسلم يتصرف بها كيف يشاء، فاوقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفقراء والمساكين والغزاة وذوي الحاجات، ثم تبعه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاوقف ارضه بخيبر، ثم تبعه الصحابة، فاوقف ابو بكر، وعثمان، وعلي، والزبير، ومعاذ، وغيرهم رضي الله عنهم، حتى لم يبق صحابي الا اوقف من امواله شيئا، وتجدد هذا العمل الانساني مرة اخرى في خلافة عمر، حين اوقف ارضا في سبيل الله وهو في خلافته، ودعا نفرا من المهاجرين والانصار فأحضرهم واشهدهم على ذلك.
اين هي تلك الايدي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسو جراح الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعا متراصا، ينعم فيه الناس جميعا بالامن والخير والكرامة والاسلام؟
د. خالد يوسف الشطي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي