تحويل القبلة ... تاريخ خالد للمسلمين

u0645u0633u062cu062f u0627u0644u0642u0628u0644u062au064au0646 u0627u0644u0630u064a u0634u0647u062f u062au062du0648u064au0644 u0627u0644u0642u0628u0644u0629 u0645u0646 u0627u0644u0645u0633u062cu062f u0627u0644u0623u0642u0635u0649 u0625u0644u0649 u0628u064au062a u0627u0644u0644u0647 u0627u0644u062du0631u0627u0645
مسجد القبلتين الذي شهد تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام
تصغير
تكبير
| د. إسماعيل سعيد ابو صيرة |

ان العبرة ليست بالاتجاه إلى الشرق او الغرب، ولا إلى الشمال او الجنوب، بل المعتبر والمحاسب عليه صاحبه ان خيرا فخير، وان شرا فشر، هو الاتجاه الروحي الصادر عن ايمان صادق بالله، وتصديق لما جاء به انبياؤه ورسله، ونية منبعثة من قلب مفعم بالايمان، حتى ينعكس ما في الداخل على ما في الخارج، ويستضيء الظاهر بنور الباطن فيتساوى الاثنان، ويوافق العمل القولي فيرضى الله، ويقبل كل ما يصدر عن الانسان، اما من خالف عمله قوله، وناقضت علانيته سريرته، وراءى بمظهره وعمله، فالله غني عنه، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا «انما يتقبل الله من المتقين» الذين يريدون وجهة ويبتغون رضاه، ويتعاملون بالحسنى مع خلق الله، لا يستهزئون منهم او بهم، ولا يعارضونهم او يتعرضون لهم بسوء ولا يحسدونهم على ما فضلهم الله به «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»، «ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا اولو الالباب».

ولكن اولي الالباب من اهل الكتاب عصوا وعموا ورفضوا كل صفة محمودة، وابو الا السفاهة والاتهام والطعن والتحريض على من عاداهم حتى ولو جاءهم بما هو مؤيد لشريعتهم، ومكمل لتعاليم عقيدتهم «قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه اباءكم قالوا انما بما ارسلتم به كافرون». وهكذا ساد اليهود ولم يرضوا الا ان يتجه الناس وجهتهم في صلاتهم ولو كانت القلوب خاوية.

لقد جعل الله الصلاة صلة دائمة بين العبد وربه، فتسجد له الجباه، وتخضع له الرقاب، وتنحني الهامات، وتخشع القلوب لجلاله وعظمته، ويتكرر هذا المشهد خمس مرات كل يوم، يعود فيه العبد لمولاه، يلوذ بحماه، ويطلب رضاه، فعسى ان يكون من المفلحين، وجاء الاذن بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام الذي رفع قواعده ابراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام حيث يرغب الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبقدر دلالة هذا الحدث على ان الملك لله وحده اينما كان المكان او الزمان، فالامر كله لله «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله» الا انه يؤكد على استقلالية هذه الامة في شؤون حياتها، وارتباطها بأصولها وجذورها التي انزلها الله على سيدنا ابراهيم عليه السلام، وجعلها خير امة اخرجت للناس، ومنحها القيادة التي خلقت واخرجت للناس من اجلها.

لقد اراد الله بتحويل القبلة اشعار المسلمين بانهم قد ورثوا القيادة الروحية للبشرية جمعاء، ويفهم ذلك من تسلم وتسليم الزعامة الروحية للعالم من بني اسرائيل - يعقوب - إلى بني اسماعيل في رحلة الاسراء حيث وجد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الرسل مجتمعين ينتظرون الامام ليصلي بهم، وليسلموه الامانة التي حملوها، وليعلم الله المسلمين ان المحافظة على المقدسات جزء من هذه الامانة التي كلفوا بها، وحملوا تبعاتها، وانه يجب ان تفتدى بكل غال ونفيس، لانها رمز المسلمين، فضياعها هو ضياعهم، والاستهانة بها استهانة بهم، ومحاولة ازاحتها من الوجود ازاحة لهم «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم».

وقد اتجه الرسول والمسلمون 8 اشهر نحو قبلة اليهود بأمر من الله لتكون الحجة عليهم ناطقة، وكان رسول الله يطمع في هدايتهم، كما طمع في هداية قريش من قبلهم، ولكن العليم الخبير قال: «ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما انت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض».

وهكذا اخبر الحكيم العليم بطوايا النفوس بان كل فريق متمسك بقبلته معتقدا انها الوجهة الصواب، ويخبر الله خاتم رسله بانه على الدين الحق، وان الله معه، وان الوجهة التي يتمنى ان يوجه اليها سيحققها له «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره، وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون».

فتحويل القبلة جاء تكريما من الله للنبي صلى الله عليه وسلم، واستجابة لما كان يرجوه، إذ خصه المولى عز وجل بان جمع له بين القبلتين، وانه كان امتحانا للمؤمنين الصادقين «وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمانكم».

ونجح صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في تحقيق الطاعة الكاملة لله تعالى - ايما نجاح، فما جادلوا في امر امرهم الله به، وما تهاونوا او قصّروا في نهي ما نهاهم الله عنه، وانما كان سلوكهم مصداقا لقولهم سمعنا واطعنا، فهم الذين امتثلوا للامر بعد الهجرة بالاتجاه من مكة إلى بيت المقدس، وكانوا يودون الا يحولوا عنها، ومع ذلك خضعوا لامر الله من غير تبرم، لان الامر من الله، وما كان من الله يجب ان يقبل، لانه في مصلحة العباد، وكما قبلوا الامر الاول عن طواعية ورضا، قبلوا الامر الثاني كذلك «وما كان الله ليطلعكم على الغيب»، «ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى».

ان تحويل القبلة حمل بشارة بقرب نصر الرسول على قريش، واستخلاص البيت الحرام منهم، وبتطهيره من الاصنام، وجعل العبادة فيه بالطواف حوله، والصلاة والذكر والثناء خالص لوجه الله تعالى.

كما ان هذا الحدث كان تأكيدا لعالمية الدعوة القائمة على قواعد الرسالة التي انزلت على ابراهيم عليه السلام «ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين».

ان اليوم الذي وقع فيه هذا الحدث الجليل عظيم في حياة وتاريخ وعقيدة المسلمين، لان الله ميّز فيه المؤمن الصادق من المداهن، وايأس فيه اهل الكتاب من تبعية المسلمين لهم، بان جعل للمسلمين قبلة مستقلة عن اهل الكتاب، وهي ليست بدعا وانما هي قبلة جدهم ابراهيم وابيهم اسماعيل، وهو اول بيت وضع للناس في الارض لعبادة الله، وموطن الامان، ومنسك المسلمين وغيرهم من الامم السابقة بما فيهم اليهود «ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين».

وبناء على ما يفهم من هذه الآيات فانه لا غرابة ان يرغب الرسول والمسلمون في الاتجاه إلى الكعبة التي فيها البركة والهدى، ومقام ابراهيم، وحجر اسماعيل، وزمزم، والصفا والمروة، والامن الشامل، واحد اركان الاسلام.

وتحويل القبلة يستفاد منه ضرورة ان يخلع المسلم عن نفسه كل ما يعوق التزامه بتعاليم دينه، والا يتعلق قلبه بغير الله، ولا يكون هناك شيء احب اليه من الله ورسوله، حيث اخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم ان ذلك من شروط الايمان.

فالواجب على المسلم ان يسلك هدى الرسول في كيفية الاحتفاء بهذا الشهر، وذلك بالاكثار من صيام التطوع في شهر شعبان، وتهيئة النفس لاستقبال رمضان بما يحمله من خير وبركة ورحمة ومغفرة.

وورد في فضل ليلة النصف من شعبان اقوال كثيرة الا ان العمل الصالح والتقرب إلى الله بالذكر والدعاء والتنفل صلاة وصياما، والاكثار من الصدقات مطلوب من المسلم في كل وقت وليس مقصورا على ليلة بعينها، والدعاء في هذه الليلة لم يرد فيه شيء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لان مبدأ الاحتفال ليس ثابتا بطريق صحيح حسبما اتفق عليه جمهور العلماء.


 أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك فيصل سابقا

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي