فلا تغرنكم الحياة الدنيا!
خلقنا الله سبحانه وتعالى لعبادته (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56، وضمن لنا سبحانه وتعالى الرزق (وفي السماء رزقكم وما توعدون) الذاريات 22 ولكن الكثير من الناس نسوا هذا الهدف واشتغلوا بما هو مضمون لهم عما هو مطلوب منهم بل ان البعض غرته الحياة الدنيا واشتغل بها حتى نسي الآخرة تماما والله سبحانه يحذرنا كثيرا من الركون إلى الدنيا والاطمئنان والاغترار بها وهاكم قصة لبيان اغترار الكثير بهذه الدنيا وكيف ستكون عاقبتهم.
ملك خط مدينة في اصح المواضع واحسنها هواء واكثرها مياها وشق انهارها وغرس اشجارها وقال لرعيته: تسابقوا إلى احسن الاماكن فيها، فمن سبق إلى مكان فهو له ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة فأخذوا منازلهم، وتبوأوا مساكنهم فيها، وبقي من اصحاب الحسرات، ونصب لهم ميدان السباق وجعل على الميدان شجرة كبيرة: لها ظل مديد وتحتها مياه جارية وفي الشجر من كل انواع الفواكه وعليها طيور عجيبة الاصوات وقال لهم لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها فعن قليل تجتث من اصلها، ويذهب ظلها وينقطع ثمرها، وتموت اطيارها، واما مدينة الملك، فأكلها دائم وظلها مديد، ونعيمها سرمدي وفيها ما لا عين رأت، ولا اذن سمع، ولا خطر على قلب بشر، فسمع الناس بها فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا بطريقهم بتلك الشجرة على اثر تعب ونصب وحر وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها، واستظلوا بظلها، وذاقوا حلاوة ثمرها وسمعوا نغمات اطيارها فقيل لهم انما نزلتم تحتها لتحموا انفسكم وتضمروا مراكبكم للسباق، فتهيأوا للركوب وكونوا على اهبة فإذا صاح النفير استدركتم حلبة السباق فقال الاكثرون كيف ندع هذا الظل الظليل والماء السلسبيل والفاكهة النضجة، والدعة والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي تتقطع فيها الامعاء؟ وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الاجل البعيد، ونترك ما نراه إلى ما لا نراه، وذرة منقودة في اليد اولى من درة موعودة بعد غد، خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به، ونحن بنو اليوم وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندري متى نصل اليه؟ ونهض من كل الف واحد وقالوا: والله ما مقامنا هذا في ظل زائل تحت شجرة قد دنى قلعها وانقطاع ثمرها، وموت اطيارها، ونترك المسابقة إلى الظل الظليل الذي لا يزول والعيش الهنيء الذي لا ينقطع إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل ان يضرب خباءه عليه ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحر والبرد؟ وهل هذا إلا اسفه السفه؟ فالسباق السباق والبدار البدار.
فاقتحموا حلبة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، وساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم، فوالله ما كان إلا قليلا حتى ذوت اغصان تلك الشجرة، وتساقطت اوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقلعها قيمها من اصلها، فأصبح اهلها في حر السموم يتقلبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسرون احرقها قيمها فصارت هي وما حولها نارا تلظى واحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع احد منهم الخروج منها فقالوا اين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا ابصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللذات فتضاعفت عليهم الحسرات الا يكونوا معهم، وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل: هذا جزاء المتخلفين: (وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) النحل 118.
إمام وخطيب