حديث / أميرة

تصغير
تكبير
| نبيل جمعان |

تلقيت اتصالها، كانت تسأل عن معاملة تتعلق بالشركة التي تعمل سكرتيرة بها... صمت قليلا... مذهولا لسحر نغمة صوتها وشجي نبراته.

لم يكن صوتا نسائيا دافئا حالما... و لم يكن صوتا متغنجا أنثويا، كان شيئا آخر تماما، صوتا ناضجا حيويا، ينبض بالحياة، بمفردات لبقة غنية بالروح الايجابية المحفزة، أليفة للنفس... كأنني أعرفها منذ القدم.

حدثتني عن طبيعة المعاملة وتاريخها... في ما تظاهرت بالبحث عنها بين الأدراج والملفات، بينما كانت فعليا بيدي!

أطلت من استفساراتي... عن نوع المعاملة... الجهة المرسلة اليه... ملخص عن موضوعها، نوع الورق، وربما ماركة الة الطباعة المطبوعة عليه... ولون مشبك الورق!

كل هذا... لكي استمتع لأطول مدة بالجو المنعش الذي تشيعه نبرات صوتها... نعم نبراتها قوية، ولكنها بطريقة ما... ذبذباتها تخاطب منطقة ما في الدماغ تشعرك بتدفق النشاط والحيوية والانطلاقة.

سمعت كتيرا عن أصوات نسائية تبعث على الهدوء والاستكانة، وعن اصوات تبث في النفس روح غرائزية... وأخرى اشبه بهدير جرافات البلدية عند هدم بنيان مخالف للقواعد.

ولكن لم أسمع قط عن صوت نسائي، يبعث على الحيوية والنشاط... ويشيع جو من الحبور الجميل... انها بالفعل أشبه بقهوة صباحية منعشة على شرفة يهب عليها نسيم عليل!

لم يعد ثمة مجالا للمماطلة اكثر، أخيرا وجدت المعاملة، هكذا صحت، وبخجل سألتها عن أسمها، تحسبا للحاجة للاتصال بشركتها مستقبلا فيما يخص اي نقص بالمعاملة... مجرد فضول.

أميرة... أسمي اميرة، قلت: أميرة... أعتقد أنه ينبغي ان تعملي مذيعة!.

لا ادري كيف تجرأت على قول ما قلته... تساءلت باستغراب: لماذا؟

بحرج شديد: لان لديك نبرة صوتية تدخل البهجة في نفوس سامعيه... وأرى أن تدعيه يتدفق للجميع، كالماء و الهواء...

كانت جرأة مني أن أقول مثل هذا القول... خشيت ان أسمع ردا عنيفا بعدها.

ولكنها أطبقت صامتة لثوان بدت كالدهر... وردت بجدية: شكرا على المجاملة، واقفلت الخط.

لم أعرف ان كنت قد أغضبتها... لمت نفسي بشدة... كيف أقول لامرأة مجهولة مثل هذا القول الغريب... يا لها من سخافة.

وطوت الايام الحادثة مع غيرها، الى أن حل ذلك اليوم التي ساقتني الأقدار لمتابعة معاملة في احدى الشركات... ولمحاسن الصدف... أنه مكان عمل أميرة نفسه.

وتساءلت: أين اجد أميرة؟... رد أحدهم: عند غرفة المدير العام... وخطوت خطواتي وانا أضع في خيالي العديد من الصور عن شكلها ولبسها.

واذ بي قبالة مكتب كبير وضع عليه لوحة «أميرة»... وتجلس عليه سيدة لبنانية منهمكة في الطباعة، اقتربت من حاجز الستين خريفا، وكست السنين غالب شعرها باللون الفضي... تضع نظارات طبية... وعلي وجهها مسحة من الجمال الهادئ افل.

وقفت مندهشا... أميرة؟ رفعت رأسها: نعم... أنا اميرة... تمكنت من صنع ابتسامة سريعة على محياي لتجاوز الصدمة.

ذكرتها بنفسي وبالمعاملة... فأشرق وجهها بشرا، وهبت واقفة مرحبة: «يا أهلين وسهلين... كيفك؟ ليش واقف... تفضل؟ خلينا نكرمك بقهوة... ياعيب الشوم».

قالتها بالنبرات المبهجة نفسها... التي تبعث الحياة في النفس وتجعل الدنيا بألوان قوس قزح، بمبي وزهري و... الا أنني اعتذرت: انا على عجل.

ولكنني لم أتمكن من المغادرة من دون الالتفات اليها... سيدتي، أود أن اكرر عليك اقتراحي مرة اخرى... اتسمحين لي؟

لم تفهم ما أعنيه! فهميت بالخروج قائلا: سيدتي... رجاء اعملي مذيعة، انشري السعادة بصوتك على الملأ... وليعم الفرح والسرور العالم!

علا وجهها الاستغراب... فأطلت على مرآة على الحائط المجاور... تتفقد تسريحة شعرها وتتفرس في ملامحها.

هممم... لعلها تتأكد أنها مازالت جديرة شكلا وموضوعا للجلوس بكل ثقة خلف ميكرفون الاذاعة ذات يوم... ربما!

ابتسمت وأنا أضغط على زر المصعد... في ما غارت نظراتي في أعماقي بعيدا بعيدا... وكأنني اسمع صوتا مميزا يقول:

سيداتي وسادتي...

شكرا لاستماعكم الينا

كانت معكم...

«أميرة».
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي