التعاون الأمني متقدم على المجالات الأخرى ومؤسسات «الاتحاد» لم تكتمل بعد

32 عاماً على تأسيس مجلس التعاون ... لماذا لم يتحقق الاتحاد بين دول الخليج؟!

تصغير
تكبير
| إعداد عماد المرزوقي |

بعد 32 عاما من تأسيسه لم يتحقق الاتحاد الخليجي وبقي الى اليوم حاملا صفة مجلس للتعاون بين دول الخليج. مقارنة بالأهداف التي اعلنها في ميثاقه التأسيسي بقيت اهم اهداف وانجازات مجلس التعاون لدول الخليج العربية أمنية بامتياز. الوحدة الاقتصادية لم تتحقق بعد لتعطل مشروعي الوحدة النقدية والاتحاد الجمركي والربط بالسكك الحديدية بين هذه الدول. أما الوحدة الجغرافية والثقافية بما تتضمنه من اشتراك في الدين والعادات والتقاليد بقيت من أهم محفزات الاتحاد مع اضافة الهاجس الأمني، لكن التباينات السياسية في الأنظمة بقيت احدى سمات الاختلافات بين هذه الدول الطامحة للاندماج في اتحاد كامل.

في ذكرى تأسيسه (25 مايو 1981) الثانية والثلاثين التي تصادف غداً،، بقيت اهم اهداف مجلس التعاون وانجازاته أمنية ودفاعية، وهذا اتضح في البيان الختامي لآخر قمة خليجية عقدت بالبحرين في ديسمبر 2012، حيث تطرق في معظمه الى الانجازات والأهداف على مستوى التنسيق الأمني والدفاعي المشترك.

وقد شكل الحديث عن الخطر الايراني وخيارات دول مجلس التعاون للتعامل معه قسما كبيرا من البيان الختامي والدراسات والبحوث التي تصدرها الأمانة العامة. وأصدر قطاع الشؤون السياسية بالامانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية العدد الأول، والثاني، والثالث من سلسلة تقديرات إقليمية، حيث صدر العدد الأول تزامنا مع القمة الإسلامية في مكة وعالج تصاعد التوترات الطائفية في العالم الاسلامي، وقد توصل إلى خلاصات استراتيجية حول أسباب تصاعد التوترات الطائفية، ومخاطرها، وسبل التعامل معها. وصدر العدد الثاني في سبتمبر 2012، تحت عنوان : « الحرب الرابعة : دول مجلس التعاون والمراحل «المحتملة» للخيار العسكري لوقف البرنامج النووي الإيراني». وكان البيان الختامي للمجلس الأعلى خلص في دورته الـ 32 إلى الإعراب عن القلق البالغ من استمرار أزمة البرنامج النووي الإيراني.

دراسة اخرى سعت الى تقديم رؤى موضوعية حول مستقبل تأثيرات صعود التيارات الإسلامية على العلاقات السياسية بين دول المنطقة، وربطت بدراسة خيارات الانتقال الى مرحلة الاتحاد لدعم العلاقات البينية لدول الخليج.

الى ذلك فان نتائج آخر قمة خليجية ركزت ايضا على دعم الاتفاقية الأمنية على مستوى وزارات الداخلية لتبادل المعلومات وتتبع الارهابيين.

اما بقية صفحات البيان فقد تطرقت بشكل عام لانجازات أهداف الوحدة الاقتصادية والاتصالات والنقل المشترك ولم يرد بشكل لافت التطرق الى التنسيق في المجالات الثقافية والاجتماعية والتنموية.

كما تم التأكيد في اخر بيان للقمة الخليجية على مزيد دراسة مشروع الانتقال من مرحلة التعاون الى الاتحاد، الا ان كثيرا من المشاريع المشتركة (الاتحاد الجمركي، العملة الموحدة، السوق المشتركة، شبكة مواصلات مشتركة، تسهيلات تجارية وخدماتية) التي من المفترض ان تؤدي تلقائيا الى الاتحاد ما زالت لم تكتمل بعد وفق نص البيان نفسه.

ولكن ما الذي يتغير في حياة الخليجي اذا عاش في ظل الاتحاد المنشود؟

سيحظى المواطن الخليجي بتسعيرة خاصة وارخص من غيرها لمكالماته الدولية المفترضة بين دول الخليج كما يمكنه ان يستقل تاكسي من الكويت على سبيل المثال الى اي دولة من دول مجلس التعاون والعكس بالعكس، الى ذلك سيكون له الحق في تملك عقار او بيت في دولة من دول الاتحاد المنشود ويمكن له فتح تجارة صغيرة له في اي دولة من دول الاتحاد المنشود، ويمكن ان يستورد بضائع من دون ضريبة مباشرة من اي دولة ويمكن له الانتفاع بتسهيلات اقتناء بضائع وخدمات واموال من مؤسسات خليجية، ويمكن للخليجيين التنقل للعمل في اي دولة ضمن الاتحاد والعمل بها مع تقاضي اجر بعملة موحدة.

ويمكن لأي مواطن خليجي ان ينتفع بمميزات اجتماعية وحتى صحية في الفضاء الخليجي الموحد ويمكنه السفر بسيارة اجرة من خلال شبكة طرق موحدة او بالقطار من خلال مشروع السكك الموحدة بين الدول الاعضاء، كل هذه أهداف ومميزات نص عليها ميثاق تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مواده المختلفة كالمادة (الرابعة) من النظام الأساسي التي تنص على أهداف مجلس التعاون.

لكن هل يعيشها المواطن الخليجي ام مؤجلة حتى بلوغ الاتحاد المنشود؟



2.7 مليون خليجي

يعيشون البطالة!

لم يستطع مجلس التعاون لدول الخليج بلوغ اهدافه الاجتماعية كالقضاء على البطالة في فضاء يعد قياسا لشعوبه ومساحته من أكثر الفضاءات الغنية في العالم حسب تقرير لمجلة «ايكونوميست»، اذ ثمة أكثر من 9 في المئة من مواطني دول مجلس التعاون عاطلون عن العمل اي نحو 2.7 مليون مواطن. ويصل معدل البطالة بين الإماراتيين إلى 20.8 في المئة في عام 2011 حسب مركز الرياض للمعلومات والدراسات الاستشارية، وتلتها سلطنة عمان بمعدل بطالة 15 في المئة، في حين جاءت السعودية بالمرتبة الثالثة خليجياً بمعدل بطالة 12.1 في المئة في عام 2012، ثم البحرين (3.7 في المئة)، فالكويت (2.1 في المئة)، وقطر (0.6 في المئة) وهو أقل معدل بطالة بين الدول العربية ومن أقل معدلات البطالة العالمية. هذه الاحصائات حسب مركز الرياض للمعلومات والدراسات الاستشارية.

4 دول فقط، تمتلك اكثر من نصف الناتج المحلي للإتحاد الأوروبي اي ان 23 دولة تقتسم بينها البقية، وعلى الرغم من تفاوت ناتج الدول وقدراتها الاقتصادية الا ان الاتحاد لايزال قائما خصوصا على المستوى الاقتصادي في دعم دول الأعضاء وقدراتها التنموية.

لكن في دول الخليج التي يقدر ناتجها المحلي الاجمالي نحو 1.4 تريليون دولار حسب تقرير جلوبل لعام 2012 تبقى الفوارق التنموية كبيرة بين هذه الدول خصوصا على مستوى المساحة والتعداد السكاني الذي يشهد تباينا كبيرا بالاضافة الى محدودية موارد دولتين هما البحرين وعمان.

عدد سكان الخليج سيبلغ في 2013 نحو 50 مليونا بينهم 30 مليون مواطن حسب تقرير أخير لمجلة «ميد» الاقتصادية المتخصصة باقتصادات منطقة الشرق الاوسط، فيما بلغ سكان الاتحاد الأوروبي اكثر من نصف مليار، وبذلك يعد سكان الخليج نحو 10 في المئة من سكان اوروبا.

جغرافية دول مجلس التعاون الخليجي منبسطة الى حد كبير مع اطلالها على البحر وتشابه تضاريسها وتبلغ المساحة الاجمالية لأراضي دول الخليج مشتركة اكثر من 2 مليون ونصف المليون كلم مربع بينما تبلغ مساحة الاتحاد الأوروبي على نحو 4 ملايين كلم مربع، اي ان دول دول مجلس التعاون الخليجي كرقعة واحدة متقاربة اكثر من الاراضي الممتدة في مساحة اراضي دول الاتحاد الأوروبي ما يجعل حسب دراسات اتحاد دول الخليج اسهل واسرع من دول اخرى.

دول الاتحاد الأوروبي ليست لديها لغة رسمية موحدة مقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي التي تتميز بلغة واحدة هي العربية ودين واحد على عكس الحال في الاتحاد الأوروبي حسب الاحصائات التابعة لتقارير الأمم المتحدة وأرشيف الديانات العالمي ومركز بيو الأميركي للأبحاث حول الديانات.

ويبدو ان تطور مجلس التعاون الخليجي نحو هدف التوحد مقارنة بمسيرة توحد الدول الأوروبية في اتحاد توسع على مراحل، يبدو انه اخذ وقتا اكثر من ضعفي الوقت الذي استغرقته الدول الأوروبية للتوحد خصوصا ان أخيرة 27 دولة بينما دول الخليج 6 دول في منطقة واحدة وكل المسافات بينها قريبة عكس القارة الأوروبية الممتدة.

لكن ثمة فوارق مهمة بين مسيرة الاتحاد الأوروبي نحو الاتحاد التي كان اساسها اقتصاديا وخيار دول الخليج نحو الاتحاد الذي كان اساسه امنيا ودفاعيا. وعلى سبيل المثال لا تزال هناك ورش عمل كثيرة على مستوى عمل الامانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي تنظر في التنسيق بين القوانين والاجراءات لتكون مشتركة. ومقارنة مع الاتحاد الأوروبي بلغ التنسيق القانوني والتشريعي الى ارساء محكمة أوروبية موحدة او وبنك مركزي موحد، هذه المؤسسات التي تدعم عمل الاتحاد لاتزال غير موجودة في الخليج في ظل سعيه الى التوحد.



التحديات والفرص

اشار تقرير نشر على موقع «وورد بريس» إلى ان مستويات التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي أعلى من نظيراتها في العالم العربي والدول النامية الأخرى، لكنها لم تستطع حتى الآن تلبية متطلبات السوق. أصبحت البطالة في صفوف الشباب مصدر قلق كبير في المنطقة مع ان ملايين من الوظائف الجديدة سيتم إنشاؤها بحلول نهاية هذا العقد».

وذكر التقرير ان «النمو الاقتصادي لم يحسن حقا رفاه الناس في المنطقة. فقد ارتفع دخل الأسر مقابل تسجيل تفاوت اجتماعي على مدى السنوات القليلة الماضية».

وحسب وثيقة سيناريوات اتجاهات دول مجلس التعاون الى 2025 التي قدمت في المنتدى الاقتصادي العالمي ونشرت على موقعه ان «قرارات التجمع الخليجي (مجلس التعاون) نحو تعزيز التوحد ستتأثر بشكل كبير في السنوات المقبلة بعوامل خارجية خصوصا في ما يتعلق بالاستقرار الأمني في المنطقة وسيكون تأثير دول الخليج على شكل ردة فعل لمؤثرات خارجية».

وذكرت الوثيقة ان «التركيز على تقوية ودعم المؤسسات التربوية في دول مجلس التعاون سيكون داعما لمستقبل التنمية والتحول الى اقتصاد المعرفة بدول الخليج ما يساعد على التوحد بدوره».

وفي توقعاتها لمستقبل دول مجلس التعاون بين 2013 و2025، ذكرت الوثيقة التي نشرت على موقع «منتدى الاقتصاد العالمي» أن دول الخليج «ستشهد إصلاحات اقتصادية ناجحة على نطاق واسع، نتيجة جهد مشترك كبير من البلدان كما سيتم يتم وضع معايير للقياديين عبر دول مجلس التعاون الخليجي لخلق عمالة أعمق في سوق اقليمية مشتركة». وتقترح هذه الوثيقة «خلق نخبة من المتخصصين في شؤون لتثقيف جيل من التكنوقراط من أجل زيادة فعالية القطاع العام».
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي