في ظل وجود آباء وأمهات وولاة أمور المفهوم عندهم معكوس وينحصر في الإنفاق والتعليم

التربية الإسلامية للأطفال... حائط الصد الأول والحصن المنيع أمام المؤثرات المعاصرة وموجات الانحراف وتغيير الهوية

تصغير
تكبير
|إعداد عبد الله متولي|

تعتبر مرحلة الطفولة في حياة الانسان هي المرحلة الأهم والأخطر بين جميع مراحل حياته قاطبة، ذلك لأنها مرحلة البناء ووضع الاساس لهذا الانسان،** وما سيكون عليه فيما بعد، فكلما كان الاساس متينا، كان صاحبه قويا في مواجهة المؤثرات الخارجية او المحيطة به او تلك التي تطرأ على حياته، خصوصا اننا نواجه الكثير من المؤثرات المعاصرة التي تخطت حدود البيئة التي يعيش فيها الانسان، او حتى البيئات القريبة منه والتي تتفق مع بيئته في كثير من العادات والتقاليد بحكم الجوار والقواسم المشتركة، ونستطيع ان نؤكد - وكما هو معلوم ومشاهد للجميع - ان المؤثرات التي تواجه أطفالنا اليوم خرجت به الى بيئة انعدام الهوية، التي لا ضوابط تحكمها، او معايير تحدد توجهاتها.

الخطير في الامر ان هذه البيئة - الجديدة - أصبحت هي صاحبة اليد الطولى والكلمة العليا في تحديد أخلاق الأجيال وثقافاتهم، كما انها أصبحت قادرة على انتزاعهم من أصولهم وهويتهم، وفي كافة الاتجاهات سواء من حيث المعتقد او القيم والانتماء. أي انها تؤثر بشكل فعال على الدين والثقافة وإحداث التغيير السريع في الآداب والذوق العام، وهذا كله يؤدي بدوره الى إضعاف الروابط المجتمعية بمختلف أنواعها، سواء على مستوى الأسرة او الاصدقاء والمعارف، وأخيرا على مستوى الجماعة الكبرى.

هذه المؤثرات الحديثة التي يعلمها كثير من الناس، قد يجهل تأثيرها بعض الآباء والأمهات، أو على الأقل لا يلقون لها بالاً بحجة انها وسائل ترفيه، او معلومات او غيرها، وهذا جانب إيجابي لا ننكره على الاطلاق، لكن ما أصاب الأجيال، خصوصا الأطفال من جراء هذه المؤثرات جد خطير وأصبح ظاهرة يجب ان تتوقف أمامها جهات البحث العلمي والاجتماعي والنفسي للوقوف على أبعادها وأضرارها وترشيد جوانبها الايجابية للاستفادة منها في غير مضرة.

وباستقرار هذه الظاهرة والتنقل بين الدراسات والأبحاث التي وضعت بشأنها او تناولتها، وجد ان التربية الاسلامية الصحية للأطفال تعد هي حائط الصد الاول والحصن المنيع أمام كل الموجات المتلاطمة التي قد تجرف أطفالنا وشبابنا وهم عدة المستقبل الى بحر لجي من السلوكيات التي تتنافى مع عقيدتنا وعاداتنا وقيمنا، وذلك في ظل وجود آباء وأمهات كثيرين مفهوم التربية عندهم معكوس ينحصر في الانفاق والتعليم.

في حين أن القرآن الكريم يحرص على أن يسبق التعليم بالتربية. ويذكر كلمة التزكية بدلا من كلمة التربية. يقول الله سبحانه وتعالى: «كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة» هذا هو المفهوم القرآني للتربية، وقد وردت هذه الآية وتكررت أربع مرات في القرآن الكريم منها ثلاث مرات بنفس الترتيب ومرة واحدة على لسان سيدنا إبراهيم، فالله تبارك وتعالى هو الذى يربي عباده حتى كلمة الرب اشتقت منها كلمة تربية. وكان المسلمون الاوائل يهتمون كثيرا بمسألة التربية وعرفت الامثال التي تشير الى هذا المعنى مثل قولهم: «من أدب ولده صغيرا سر به كبيرا» وقولهم ايضا: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر، ويقول علماء التربية المعاصرون: بادروا بتعليم الاطفال قبل تراكم الاشغال. وانه وان كان الكبير اوقد عقلا، فانه اشغل قلبا ويقول الشاعر:

اذا المرء أعيته المروءة ناشئا

فمطلبها كهلا عليه شديد

وفي ما يلي وقفة قصيرة مع كيفية تربية الاطفال في الاسلام والهدف منها ووسائلها واساليبها تم جمعها من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبعض الدراسات والابحاث التي تناولت هذا الموضوع..





ان الهدف الرئيسي لأي مبدأ او تنظيم في التربية هو اعداد مواطنين صالحين لخدمة الدولة وقادرين على كسب عيشهم، اما الاسلام فينظر الى الأمر نظرة اخطر من ذلك بكثير، فالإنسان في نظر الاسلام هو خليفة الله في الارض (اني جاعل في الارض خليفة) والشباب المسلم هو حامل رسالة السماء الى الانسانية كلها، ولهذا الهدف العظيم والرسالة الكبيرة يعد الاسلام ابناءه ليكونوا قادرين على اداء الرسالة وحفظ الامانة وقيادة الانسانية كلها واخراجها من الظلمات الى النور، وقد ركز الاسلام في بناء شخصية الطفل على ثلاثة جوانب:-



الاول: هو بناء ضميره ووجدانه

وذلك بخلق ضمير اسلامي حي يقظ ونفس سليمة خالية من العقد والاحقاد. وتهذيب الغرائز والعواطف البدائية في الطفل وذلك بتعليمه الرحمة والمحبة والتعاون والعزة والكرامة والكرم، وحب الخير وبر الابوين، وطاعة اولي الآمر. وحب الله ورسوله، وحب الوطن وكل هذه المعاني لا يتعلمها النشء الا في الدين وحده.

فالرحمة والمحبة والعطف والاحسان الى الآخرين والتواضع وحسن الخلق لا توجد في كتاب علمي او قاموس او في كتب الجغرافيا والتاريخ. انما يتلقاها من التربية الصالحة. ويقتنيها من أبويه وسائر افراد اسرته.

ان العلم من دون اخلاق لا ينفع الانسان. واذا لم يتلق الطفل التربية الاسلامية فانه مهما تلقى من علوم الدنيا لا يكون سعيدا. وسواء اصبح طبيبا او مهندسا او عالما فانه يظل عرضه للانحراف وتطغى عليه الروح المادية. وبدلا من ان يصبح العلم في يديه رحمة للإنسانية فقد يصبح وسيلة للتدمير والتخريب والاستغلال. وهذا هو اخطر ما يعانيه مجتمعنا.



الأمر الثاني: هو البناء

العقلي والذهني

قد يقول قائل: ان العلوم والمعارف التي يتلقاها الطفل في المدرسة من علوم وحساب وتاريخ تسد حاجة التلميذ في هذه الناحية. وهذا ايضا خطأ. فهناك فرق بين حشر المعلومات في رأس التلميذ وبين تنمية مدارك الطفل لتوسيع افقه وتفكيره، وتعليمه الابتكار وابداء الرأي وملاحظة الظواهر بدقة.

فالإسلام يدعو الطفل منذ نشأته الى تأمل كل شيء في الحياة من حوله يدعوه الى تأمل الخلق والمخلوقات. والسماء والنجوم والشمس والقمر والليل والنهار. والى التأمل في الارض والجبل والبحر والانهار، والطير والحيوان والانسان. ان يتأمل في نفسه وفي جسمه وفي خلقه، في امه عندما حملته وهنا على وهن وارضعته عامين ثم فطمته، وسهرت لتحميه من البرد والحر والجوع والعطش. ثم بعد هذا كله يدعوه الى التفكير فيمن خلق هذا الكون كله وأبدعه. وكل هذه الامور وهذا الفكر يوسع مدارك الطفل في الحياة. ويزيد من حدة ذكائه ويجعله اكثر قدرة على استيعاب كل ما يتلقاه بعد ذلك من علوم الدنيا، وخاصة ان هذه المعلومات لا توجد في كتب الدراسة والعلم..

واهم شيء ان يتعلم الطفل كيف ينظر الى الامور باستقلالية؟ ويميز بين الغث والسمين، بين الخطأ والصواب، ولا يتقبل كل شيء دون تأمل وتدبر وتفكير.



الأمر الثالث: هو البناء الجسمي

الاسلام يهتم بالصحة والسلامة، ويدعو الى خلق جيل قوي البنية، يتمتع بالقوة والحيوية والنشاط، خال من العاهات الوراثية والامراض. ثم تربية هذا النشء على حب الرياضة بأنواعها. وبذلك يخلق جيلا واثقا بقدراته ومواهبه وقادرا على حمل الرسالة وعلى الجهاد في سبيل الله.

هذه العوامل الثلاثة هي التي تشكل شخصية الطفل المسلم الروح والعقل والجسم. اما الحضارة الحديثة وما تدعو اليه من الحرية الجنسية والتمتع بكل ملاذ الحياة بأي طريقة. فإنها تجلب الامراض ويكفي في هذه النقطة ما تبثه وسائل الاعلام انه في سنة 2001 توفي ثلاثة ملايين انسان بمرض الايدز. وبلغ عدد المصابين (40) مليون مصاب في تلك السنة. منهم (600) الف طفل لم يبلغوا الخامسة عشرة من العمر.



وسائل التربية الاسلامية

تقوم التربية الاسلامية للنشء على دعامتين في وقت واحد، الاكرام مع التأديب. وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اكرموا اولادكم واحسنوا آدابهم». والقصد بالتأديب هو التوجيه والتنبيه على الاخطاء، والتعليم مع احترام شخصية الطفل ومنحه الحب والحنان والعطف، وبهذا الاسلوب السليم في التربية، لا ينشأ الطفل محروما أو مهانا فيحقد، ولا يصبح مدللا منعما فيفسد، وهذا الأسلوب يتم من خلال مجموعة من المبادئ منها:

1 - أول مبادئ الاكرام عدم سب الطفل لأي سبب. فلا يقال له يا شقي او ياغي او يا كسول. او يقال الله يلعنك، هذه الامور لا تجوز في الاسلام. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

«سباب المسلم فسوق»، واذا كان الاسلام قد نهى عن سب البهائم ولعنها. فما بالك بسب الانسان. سمع رسول الله رجلا يسب ناقته فعاقبه رسلو الله وقال له:

«يا عبدالله لا تصاحبنا اليوم على ناقة ملعونة، فحط عنها رحالها وأطلقها»

ويكره في الاسلام ضرب الطفل المسلم الا لذنب كبير، وينهى نهيا قاطعا عن ضربه على الوجه. لان الوجه هو خلقة الله التي كرمها. فالشرع لا يقر معاقبة الطفل. بشدة ولا يسوغ ضرب الوجه، ويكره ضرب البهائم على وجوهها لأنها تسبح الله تعالى: «وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم». واذا كان ضرب البهائم على وجوهها غير جائز. فكيف بضرب الاطفال الصغار؟

2 - الاسلام يدعو الابوين ان يكونا قدوة لأبنائهما. فاذا كانا متحابين ودودين عطوفين. انتقلت هذه الصفات الى ابنائهما. واذا كان الاب بارا بوالديه. فان ابناءه يبرونه ايضا والعكس بالعكس. يحذر الاسلام الابوين من الكذب على طفلهما لاي سبب سواء كان هذا للتخلص من بكائه او طلباته او لأي سبب آخر.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تنادي طفلها وتقول له: تعال اعطيك. قال لها: ماذا أردت ان تعطيه؟ قالت اعطيه تمرة. فقال لها الرسول: اما انك لو لم تفعل شيئا كتبت عليك كذبة.

3 - ينصح الرسول الامهات بتولي تربية ابنائهن بأنفسهن وعدم الاعتماد على الخدم والخادمات في تربية الطفل. وفي ذلك يقول احد الفقهاء: (أدب ولدك يكن لك بدل الخادم خادمان) التربية الصحيحة تجعل الطفل مطيعا لآبيه محبا لأسرته واثقا بنفسه تربية الخدم تجعل من الاطفال اطفالا غير مهذبين. لاختلاف العادات والتقاليد والقيم الخلقية بين الاهل وبين الخدم.

4 - ومن روائع الاسلام في مجال التربية انه يحترم مشاعر الطفل، ويأمر الرسول المسلمين بالتلطف واللعب مع الاطفال. لان هذا الامر يخلق روح المودة والترابط في الاسرة، يقول صلى الله عليه وسلم: «من كان له صبي فيتصاب له» وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا للمودة والعطف والحنان مع أولاده وذريته، ومع اطفال المسلمين. فكان الصحابة اذا زاروه في بيته خرج اليهم وهو يحمل حفيده الحسن على كتفه، وكان يداعب ولديه الحسن والحسين. ويلاعبهما.، وكان اذا سجد يركبان فوق ظهره. ويقبلهما كثيرا ويحنو عليهما.

5 - كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الانسان كيف يعامل طفله؟ كيف يكون ودودا مع اطفاله ليزرع الثقة في نفوسهم ويزرع الحب والحنان والعطف في قلوب الاطفال، ليسهل على الابناء تقبل توجيهات آبائهم وتعليماتهم لما يلقون من بذور المحبة ومن المعاملة الحسنة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله والدين اعانا ابنهما على برهما».

ومن آداب الاسلام مساعدة الاطفال. فاذا رأى المسلم صبيا يسير على قدميه في الشمس او الحر او رآه ينتظر من يوصله ان يتوقف له بسيارته وان يوصله الى بيته كما يوصل ابنه تماما، عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له».

اي من كان له مكان زائد على ناقته فيقدمه الى من لا ناقة له. وقد كان رسول الله اذا رأى صبيا في الطريق وهو على ناقته يتوقف له وينيخ راحلته، وينادي على الصبي ويمسح رأسه في عطف وحنان ومحبة. ثم يحمله خلفه على ناقته حتى يوصله الى بيته.

ويوصي الاسلام بعدم التفرقة بين الابناء في المعاملة وخاصة في الامور المالية والميراث، وقد جاء الى الرسول صلى الله عليه وسلم رجل فقال: «اشهدك يا رسول الله اني قد اوصيت لولدي هذا من بعدي بكذا وكذا... فقال له الرسول: وهل فعلت ذلك لكل اولادك؟ ام هذا وحده؟.

فقال الرجل: هذا وحده. فقال له الرسول: اذهب فلا وصاية لك عندي ولا تشهدني على جور».

ولإسلام نظرة عميقة في أمره المسلم بالتعاطف مع الطفل والحنان عليه واحترامه. فهو لا يهدف الى مصلحة الطفل وحده. ولكن الى غرس روح المحبة والتعاون في نفوس الكبار... والى تهذيب مشاعرهم، ولا يكتفي الاسلام بأمر الناس بحسن رعاية اولادهم بل ان المسلمين جميعا ملتزمون بالتضامن مع الدولة في رعاية الاطفال الايتام او الذين لا عائل لهم، فنشأة الطفل اليتيم في اسرة مسلمة صالحة خير له من نشأته في ملجأ حكومي. ولذلك فقد جعل الاسلام تربية اليتامى احد واجبات الاسرة المسلمة حسب استطاعتها.

وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن اليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء اليه»، وقال رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم:- «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» وأشار بأصبعيه معا.



القدوة والتربية



القرآن الكريم حافل بمعاني التربية الاخلاقية للطفل أو الشاب المسلم، وأولى خطوات التربية الأخلاقية هي القدوة أن يكون الاب قدوة لابنه. الأب الذى يطلب من ابنه ان يقول لمن اتصل به تلفونياً إنه غير موجود يعلم ابنه الكذب والابن الذى يرى أباه يزور في الورق للحصول على مصلحة معينة يبدأ بالغش في الامتحان.

و فى القرآن الكريم سورة لقمان التي يعظ فيها لقمان ابنه ويرشدنا إلى تعاليم جميلة للتربية الأخلاقية يقول الله سبحانه وتعالى : «يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير»

السورة الكريمة تضمنت تربية العقيدة وتربية العبادة وحثاً على الأخلاق الكريمة ونهياً عن الغرور ودعوة إلى تربية الذوق والحس.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي