المنطقة الشعبية في بيروت مرآة للوضع في لبنان والعالم العربي ... و«لها في كل عرس قرص» من «الزعامتية والمد الناصري» إلى «جمهورية الكاكي وحضن الحريرية»
الطريق الجديدة ... «عاصمة دائمة» للتحولات وأحداثها
صورة اللواء أشرف ريفي مدير عام قوى الأمن الداخلي السابق ترتفع على أحد المباني السكنية
قهوة دوغان البيروتية التقليدية
الدكتور حلاق
صورة اللواء الشهيد وسام الحسن رئيس فرع المعلومات السابق على مدخل شارع عفيف الطيبة
شاهد على تاريخ المنطقة
المختار عبيدي
جامع الإمام علي بن أبي طالب
جامعة بيروت العربية
الطريق الجديدة - القديمة
| بيروت - من آمنة منصور |
... في الجغرافيا، اكبر من حي أقل من مدينة. في التاريخ اختزال له وتكثيف لتحولاته. في الاجتماع تمدن لم يمتد الى الروابط العائلية. في السياسة... هنا بيت القصيد**. فالطريق الجديدة في بيروت التي بني إرثها على اكتاف «قبضايات» للزعامتية في العاصمة ايام زمان، لفحها المد الناصري في بادئ الامر وكادت ان تتحول «عاصمة» لـ«جمهورية الكاكي» ايام ياسرعرفات قبل ان تصبح اخيراً علامة فارقة في ثلاثية «الله، حريري، طريق الجديدة»، وكأنها «الحصن الاخير» للسنة في بيروت، التي دهمتها نعمة التنوع كعاصمة لكل الفسيفساء اللبنانية، الطائفية والمذهبية والسياسية.
ملالات الجيش اللبناني تحت جسر «الكولا» وعند مدخل الملعب البلدي وسط المنطقة وعلى تخومها، هي أيضاً تشكل جزءاً من صورة الطريق الجديدة ومعالمها. وجودها «الشكلي» ربما، دليل على حساسية هذه البقعة البيروتية، التي يُسلط عليها الضوء بين الحدث والآخر، أقلّه منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 مروراً بأحداث الجامعة العربية في يناير 2007 و7 مايو 2008 وصولاً إلى الاعتصامات المتكررة فيها نصرة للثورة السورية.
فهذه المنطقة الشعبية مرآة للوضع في لبنان والعالم العربي، وهي لطالما كان «لها في كل عرس قرص»، ومن كل قضية ومعركة «حصة الأسد» من التداعيات. واذا كان اسمها لمع بفعل التطورات المتعاقبة منذ اغتيال الرئيس الحريري، فإن حاضر الطريق الجديدة وماضيها شاهد على الأدوار التي لعبتها في كل حقبة في تاريخ بيروت ولبنان. فهي موقع الحدَث أو ربما الحدَث نفسه، وما تَحوُّل الأنظار صوبها عند أي تطور سياسي هنا أو تصدّع أمني هناك، إلا دليل على حساسيتها في الجغرافيا السياسية لبيروت.
والمنطقة المستحدثة في غرب بيروت خلال العشرينات من القرن الماضي يلامس عمرها القرن. إلا أن العقود التي عاشتها وأثقلت كاهلها عمراناً وبشراً، لم تُسقط عنها اسم الطريق الجديدة الذي اكتسبته بعدما عُرفت لوقت طويل باسم منطقة «الرمل»، نسبة للكثبان الرملية التي غطتها، وشكلت ملجأ للفقراء من «البيارتة» كانوا يقصدونه للتنزه أو «السيران» بالمصطلح البيروتي الأصيل في أيام الجمعة. وحين بدأت رحال «المستوطنين» من أبناء رأس النبع، المزرعة، المصيطبة والبسطتين التحتا والفوقا (مناطق بيروتية) تحط شيئاً فشيئاً فيها لرخص أسعار أراضيها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، كان لا بد من ربط الطرق الفرعية التي شُقت في العهد العثماني بطريق رئيسية تصل الروشة بمنطقة السبيل وخلفها حرج بيروت، فأضحت الطريق الجديدة في خمسينات القرن الماضي، عنواناً جديداً لقاصدي هذه «الضاحية» البيروتية.
والطريق الجديدة ذات حدود «استراتيجية»، اذ يحدّها من الشمال منطقة قصقص وخلفها الضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية، ومن الجنوب جسر الكولا. أما شرقاً فالمدينة الرياضية ومخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين، وغرباً جامع عبد الناصر على خط كورنيش المزرعة - البربير.
ولطالما كانت هذه الجغرافيا بمثابة حصن جعل الطريق الجديدة عصية على «التطويع». ويعيد الدكتور والمؤرخ حسان حلاق في لقاء مع «الراي» ذلك إلى «ما يتمتع به ابن الطريق الجديدة من شيم الكرامة ومزايا الشجاعة والنخوة والاندفاع لرد الضيم والدفاع عن النفس، فضلاً عن التضحية ليس فقط في سبيل منطقته بل في سبيل كل لبنان».
بوابات عدة للولوج إلى الطريق الجديدة، إحداها المدخل الغربي عند الكولا. هناك علما الثورة السورية و«تيار المستقبل» يرحبان بك قبل اجتياز الحدود إلى «قلب» المحلّة. صعوداً باتجاه الملعب البلدي، تمر وسط زحمة السيارات، فتستقبلك مبان مكدّسة على جانبي الطريق ترسم خطين متوازيين يقودان إلى منطقة السبيل، وتتلاصق وسط الساحة المؤسسات المالية والمحلات التجارية، التي بات عدد منها أشهر من نار على علم كـ «أبو علي والأربعين فروج»، حلويات «صفصوف» وعصير «الهواري».
من أمام الملعب البلدي، تتشعب الطرق يمنة ويسرى. فتدلف عبر كل منها إلى حي من أحيائها، التي يلاحظ ارتباط معظم اسمائها بشخصيّة عاصرتها أو عائلة تجذرت فيها، مثل كاراج درويش، الهاني، ساحة أبو شاكر، جامع عبد الناصر، شارع حمد، الدنا... واذا كان الميسور والفقير يتجاوران في بعض أزقة الطريق الجديدة، ففي الغالب تُصنّف شوارعها السكنية بين تجمعات لمتوسطي الحال ومبان قديمة وألواح تنك على هيئة بيوت للمعدمين. ويخترق هذا التصنيف حضور خجول للنافذين والمقتدرين من أبناء المحلّة الذين آثروا الوفاء لها والبقاء فيها بعدما ابتسم لهم القدَر.
لافتات المحال والعيادات الطبية في هذه المنطقة التي يسكنها ما يزيد على ربع مليون نسمة، تُبين الحضور القوي لكل العائلات البيروتية في الطريق الجديدة، الأمر الذي يؤكده الدكتور حلاق، إذ يوضح ان لكل العائلات البيروتية فروعاً في المنطقة الحديثة العهد، بعد أن أوت إليها تباعاً. ومنها آل عيتاني، منيمنة، سنو، سوبرة، الدنا، حوري، حلاق...
وعلى خلاف ما يظن البعض ان المنطقة سنية مئة في المئة، يوضح مختار محلة المزرعة، التي تُعد الطريق الجديدة جزءاً منها، عبد الهادي كمال عبيدي ان الطريق الجديدة هي ملتقى لكل الطوائف، وما تلة زريق بالقرب من المقاصد الا دليل على وجود المسيحيين فيها، فضلاً عن كنيسة وشارع المجدلاني. أما الشيعة فيكشف «أنهم مسجلون أيضاً في نفوس المزرعة و«ينتمون» إلى الطريق الجديدة ومنهم آل حسن، اسماعيل وآخرون»، مشيراً أيضاً إلى «نازحين شيعة يقطنون في الطريق الجديدة التي اختاروها لقربها إلى جامعاتهم ومراكز عملهم، ولأنها منطقة لكل اللبنانيين». إلا أنه يبقى جلياً أن المنطقة تبقى ذات غالبية سنية، تصل إلى حد وصفها من البعض بالحصن الأخير للسنّة في بيروت بعدما اختلطت المناطق الأخرى بالمكوّنات اللبنانية المختلفة، وذابت الهوية المذهبية السنية فيها حتى الاضمحلال.
واذا كان المثل اللبناني يقول ان «من يتزوج من غير ملته بيموت بعلته»، ففي ظل انقسام طائفي سابقاً ومذهبي اليوم، يصح أيضاً القول ان «من يسكن بين غير ملته بيموت بعلته»، وهذا ما ينطبق على الطريق الجديدة التي تعد مقصداً للوافدين السنّة بالدرجة الأولى من مناطق الأطراف كعكار (الشمال) والعرقوب وصيدا (الجنوب) والبقاع وإقليم الخروب (الشوف).
خالد خوند من شبعا، يسكن في شارع عفيف الطيبة، ويقدم نفسه كنموذج لآلاف «اللاجئين» اللبنانيين إلى هذه المنطقة في العاصمة. هو نزح اليها مع أهله وله أسبابه، يختصرها بالاحتلال الإسرائيلي (سابقاً) للجنوب أولاً، وغياب الإنماء المتوازن عن القرى الحدودية حيث تنعدم الخدمات على مختلف أنواعها ثانياً، ما دفعه وعائلته إلى «الهبوط» إلى بيروت بهدفيْ العلم والعمل. أما عن سبب اختيار الطريق الجديدة دون غيرها لتكون موطناً جديداً له ولعائلته، يقول: «يللي عند أهله على مهله... وهنا طائفتنا وأهلنا، ونحن أبناء هذه المنطقة، ولاؤنا لها كالذهب يُختبر في النار، تلك التي تشتعل بين الحين والآخر فنهبّ لنصرتها والدفاع عن كرامتها».
وإن لم تكن في المنطقة أعلام مناوئة للرايات الزرقاء (علم «المستقبل»)، إلا أن ذلك لا يلغي وجود نسبة لا يستهان بها من الشيعة القادمين من الجنوب أو بعلبك. أحد شبان الطريق الجديدة، يوضح أن في حيه في ساحة أبو شاكر عددا من العائلات الشيعية، تندرج وفق سلوكها الاجتماعي ضمن فئتين: «الأولى طائفية حذرة، تنتهي حدودها عند باب شقتها، تنأى بنفسها عن المنطقة وأهلها، وإذا أقحمت نفسها في نقاش سياسي تنحصر غايتها بالاستفزاز والشماتة. أما الفئة الثانية، فودودة. ينطبق عليها مثل «جاري بخير، أنا بألف خير»، ولا تحول ميولها السياسية دون تنمية علاقاتها الاجتماعية مع محيطها، ولذلك لا تتردد في إبداء آرائها من التطورات أمام جيرانها وأصدقائها، بعد اتفاق «عُرفي» على ألا يفسد اختلاف وجهات النظر في الود قضية». وكغيرها من المناطق اللبنانية، لا يغيب الزواج المختلط عن الطريق الجديدة، سواء بين مسلمين ومسيحيين أو بين سنّة وشيعة، الأمر الذي يجعل جميع الطوائف من «أهل الدار» ويكون «لا غريب إلا الشيطان».
في كاراج درويش، تسير على رصيف ضيّق ومتهالك. تفاجئك شجيرة نُصبت أمام مبنى للزينة. قد تكون يتيمة أو تنتمي إلى فئة نادرة من «المخلوقات الحية» في هذه المدينة المكسوّة بالإسمنت. تجتازها مكملاً سيرك ضمن نفق البنايات التي تبدو في منتصف عمرها الافتراضي بين حديثات عهد «وُلدن» في الحي. تأتيك أصوات من شرفات ونوافذ الطبقات الأولى ومن باعة يتواعدون يوميا أمام محلاتهم على «نفَس» نرجيلة وقدح قهوة، «فتقدح» أذنك لكنات متنوعة بتنوع «أصل» المتحادثين، إلا أن اللكنة البيروتية التقليدية تبقى الغالبة في منطقةٍ أبت إلا المحافظة على هويّتها في وجه «المستوطنين».
في المقلب الآخر من الطريق الجديدة، المشهد نفسه بالصوت والصورة، في قهوة «دوغان» خلف مسجد الإمام علي (عليه السلام). هناك حيث يتحلق الكهول والشيوخ حول طاولات «الطرنيب» و«الليخة» (ألعاب ورق)، و«برتيات» طاولة الزهر، يتوقف عداد الزمن، ويرخي أسلوب الخمسينات والستينات بظلّه على «الديكور» البسيط لقهوةٍ لا يدخلها إلا الرجال. نرجيلة النكهة والعجمي هي الأساس، و«المعسل» بكل نكهاته «موضة» متقدمة قد لا تجد غالباً لها مكان في هذه القهوة. اللكنات اللبنانية نفسها تسمعها من ألسنة الحاضرين تارة عند احتدام نقاش وتارة أخرى عند ازدياد الحماسة أمام لعبة ورق يتجمهر رواد القهوة لمتابعة سيرها. «أبو محمد»، بعد أن يفرغ من اشعال نرجيلته «العجمي»، يضع مخرزها جانباً ويقول: «أنا أحضر إلى هذه القهوة منذ خمسين عاماً، واكبتني في كل مراحل حياتي، وواكبتُ وإياها جميع التطورات التي شهدتها بيروت ولبنان، لكنها بقيت على حالها، تحافظ على رونقها ودورها في جمع «البيارتة» واللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم». ويؤكد «أن لا فارق هنا بين سني وشيعي إلا في احترافه لألعاب «الشَدّة»، فيخرج من هنا بطلاً مرفوعاً على الأكتاف أو يمضي ساحباً خلفه ذيول الخيبة بعد خسارة مدوية».
قهوة «دوغان»، تكاد تكون الوحيدة بطابعها التقليدي في الطريق الجديدة، التي غزتها «الكافيات» الشبابية المعاصرة في كل شارع وزاروب، لا سيما في محيط جامعة بيروت العربية، حيث تؤمّن لقاصديها خدمات الإنترنت المجاني فضلا عن المأكولات السريعة والمشروبات الغربية (نسكافيه، شوكولا ساخنة..) ونرجيلة «المعسل» طبعاً.
واذا كان البيروتي متعلقا بنرجيلته، إلا أنها لم تمنعه من ممارسة الرياضة، أو أقله حبها. ويقطع الملعب البلدي والمدينة الرياضية بوجودهما في هذه المنطقة بالتحديد الشك باليقين في هذا المجال، وتكفي الإشارة إلى أن هذه المنطقة شهدت، ومن صفوف أبنائها، ولادة الناديين اللبنانيين الأبرز «النجمة و«الأنصار»، لدحض أيّ التباس. وفي موازاة هذه «الصروح» الرياضية، تتميز الطريق الجديدة بصروح تربوية عدة، لعل أبرزها جامعة بيروت العربية، التي خرّجت أجيالا من أصحاب الشهادات العليا سطعوا في مختلف المجالات. وتنتشر الى ذلك المعاهد والمدارس في المنطقة، لا سيما تلك التابعة لجمعية «المقاصد الإسلامية» وفي مقدمها مدرسة الفاروق عمر بن الخطاب. أما ثانوية «البر والإحسان»، فقد عبرت من خلالها نخبة من الطلاب إلى الحياة العامة تتألق في المجالات كافة. من دون اغفال دار العجزة الإسلامية ودار الأيتام الإسلامية ومستشفى المقاصد الإسلامية التي تُعدّ من أبرز المؤسسات الصحية والاجتماعية في الطريق الجديدة، لم تفرّق في تقديم خدماتها للبنانيين بين «زيد أو عمر».
ولا يمكن المرور في الطريق الجديدة دون التوقف في حي السبيل، وهو أحد أبرز معالم المحلّة. هنا، تجد نصباً تذكارياً يرتفع وسط تقاطع طرق فرعية يشير إلى إعادة إعمار الشارع، ويغيب عن ناظريك مشهد المياه ولا يتناهى إلى مسامعك صوت خريرها. فالسبيل الذي شيّده أحد أفراد عائلة جلول في أربعينات القرن الماضي شُحّ وبات جزءاً من ماضي المنطقة، بعدما انضم إلى «سجن الرمل»، ذاك الذي اتخذ اسم المحلة التي نُقل إليها بعد «ترحيله» إلى خارج بيروت القديمة، ليصبح بعد الحرب الأهلية معلماً تاريخياً تخلده ذكريات مَن عاصروه، إثر هدمه وإضافته إلى أملاك الجامعة العربية.
وبحسب الدكتور حلاق، لا يكتمل المشوار على معالم الطريق الجديدة «دون التوقف عند أعلامها ورجالاتها ومنهم علماء وأطباء ومهندسون وسياسيون. بينهم الوزير السابق خالد قباني، النائب عمار حوري، المفتي الشهيد حسن خالد، رئيس مجلس ادارة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، رئيس بلدية بيروت بلال حمد، الوزير السابق حسن منيمنة، الدكتور محمد السماك، امين عام مجلس الوزراء القاضي سهيل بوجي، قائد شرطة بيروت العميد ديب الطبيلي..».
وإذا كانت الاعوام رسمت على ساحاتها وزواريبها ملامح «الكبر»، فباتت «قديمة» قدم أبنيتها العتيقة الصامدة في وجه مدّ البروج والعمارات الفارهة التي تمتدّ في أحيائها كالنار في الهشيم، يبقى للطريق الجديدة من اسمها «نصيب» دائم في التجدد الذي رافق انتماءاتها السياسية في كل مرحلة من تاريخها، دون أن يأتي على ثوابتها، و«العروبة» في طليعتها، وهي التي لها سطور خطتها بحبر من دم في تاريخ لبنان والقومية العربية.
بداية العلاقة بين السياسة والطريق الجديدة، أخذت مساراً تصاعدياً بدءاً من خمسينات القرن الماضي. في ذلك الحين كانت الزعامة في المنطقة موزعة على آل سلام، آل اليافي وآل الصلح. لكل زعامة «قبضاياتها» وهم زعماء محليون في الحارات يدينون بالولاء لمرجعهم إن لم يكن لروابط عائلية، أو لقناعات سياسية، على قاعدة «الذي يأكل من خبز السلطان يحارب بسيفه».
بداية الحركة الحزبية في المنطقة كانت مع «عباد الرحمن»، الفرع اللبناني لمنظمة الاخوان المسلمين، غير أن اتفاق هذا التجمع مع حزب «الكتائب اللبنانية» الذي كان منغلقاً على مجتمعه المسيحي حينها، أفقده ثقة البيروتيين به ومنهم أهالي الطريق الجديدة، فانهار منذ بداياته. في هذه المرحلة سطع نجم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي سرعان ما تحول إلى زعيم أوحد في العديد من الدول العربية ومنها لبنان. الطريق الجديدة تأثرت بهذا المدّ العاصف، وباتت «ناصرية» الهوى. وعندما اندلعت ثورة العام 1958 بين الرئيس كميل شمعون ومناصريه من مؤيدي التحالف الغربي مقابل العروبيين من أتباع الرئيس عبد الناصر، وبعد رفض الرئيس شمعون مقاطعة فرنسا وانكلترا على غرار عدد من الدول العربية، لم تنأ الطريق الجديدة بنفسها عن المشاركة في القتال نصرة لعروبتها. فكانت أبرز المواجهات في شارع حمد، وخلّفت قتلى وجرحى.
واظبت الطريق الجديدة على انتمائها الناصري حتى «النكسة» التي مني بها التيار القومي بفعل هزيمة العام 1967، والتي ترافقت مع انتقال حركة المقاومة الفلسطينية إلى لبنان آتية من الأردن. وسرعان ما تفاعل أهالي المنطقة مع هذه المقاومة، حيث بدلت في ولاءاتهم، بدليل أن أول شهيد لبناني سقط مع «فتح» هو ابن الطريق الجديدة خليل عز الدين الجمل.
«إقامة» منظمة التحرير الفلسطينية في الطريق الجديدة استمرّت حتى الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، وفي خلالها أبو عمار «مرّ من هنا» وهناك وفي كل أحياء الطريق الجديدة بعدما انتقل وقيادات فلسطينية للإقامة فيها، نظراً للأمن والاطمئنان الذي يؤمنه «نقاء» المنطقة وولاؤها المطلق لأبو عمار ودعمها غير المشروط للثورة الفلسطينية في وجه العدو الإسرائيلي.
وما ترك في القلوب غصة عند رحيل أبو عمار والمسلحين الفلسطينيين عن الطريق الجديدة، يتحدث عنه عبد حجازي أحد «قبضايات» ساحة أبو شاكر، ويؤكد بلهجته البيروتية: «لم نقل حينها وداعاً بل إلى اللقاء»، «فالطريق الجديدة هي السباقة إلى المقاومة ومواجهة العدو الإسرائيلي، ونحن على عكس غيرنا قدّمنا شهداء في سبيل الوطن ولم يخرج من صفوفنا خائن أو عميل».
يستذكر حجازي شجاعة أهالي المنطقة عند الاجتياح الإسرائيلي، فيشير إلى «أنهم لم يدعوا إسرائيل تهنأ لاجتياحها أول عاصمة عربية... فدحرناها بعد مقاومة باسلة». ويستطرد: «نحن المقاومة، ونحن مَن حارب اسرائيل وبندقيتنا موجهة إليها، لا ننقلها من كتف إلى آخر... فلا يعايرنّ أحد».
بعد «ترحيل» أبو عمار و«فتح» عسكرياً عن بيروت بموجب اتفاق أميركي ينهي المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي عبر ما سمي «بواخر الترحيل»، ملأت «الحركة الوطنية» الفراغ العسكري والأمني الذي شغلته منظمة التحرير، لا سيما حركة الناصريين المستقلين «المرابطون» التي أسسها ابن الطريق الجديدة ابراهيم قليلات وضمّت في صفوفها مقاومين من السنّة والشيعة على السواء، أضف إليها الحزب «التقدمي الاشتراكي» وحركة «أمل»، اللذين سرعان ما انقلبا على «المرابطون»، فسحقاها في غضون ساعات العام 1985. وفي المرحلة التي ترأس فيها العماد ميشال عون الحكومة العسكرية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل (بين 1988 و 1990)، خاض عون حرب «التحرير» ضد الجيش السوري (العام 1989)، فقام بقصف ما اصطلح على تسميته «بيروت الغربية»، فنالت الطريق الجديدة نصيبها من نار تلك الحرب ومآسيها.
وبعد توقيع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان (العام 1990)، كانت الطريق الجديدة كغيرها من المناطق اللبنانية خائرة القوى، ملامح الدمار ترتسم على أبنيتها وشوارعها وبناها التحتية، إلى أن جاء الرئيس الشهيد رفيق الحريري على رأس حكومة ما بعد انتخابات العام 1992 فأوْلى العاصمة ومن ضمنها الطريق الجديدة أهمية بالغة، ونفخ فيها الحياة بورشة إعمار واسعة على كل المستويات الصحية والتعليمية والاجتماعية.
الدكتور حلاق يستذكر تلك المرحلة، مشيراً إلى «اليد الخيرة التي مدّها الرئيس الشهيد الى المؤسسات التربوية والاجتماعية في المنطقة مقدّماً لها ما يلزم من تبرعات لتطوير خدماتها كي تشمل أوسع عدد من أبناء الطريق الجديدة. فضلاً عن «الإعاشات» والمساعدات العينية التي وزّعها على العائلات المحتاجة في المنطقة، فبادلته هذا الخير خيراً أوفر بالأصوات الانتخابية، مقترعين «زي ما هيّ » للحريري ونوابه في المدينة في كل صولة وجولة انتخابية».
وإذ اختصرت عبارة «الله، حريري، طريق الجديدة» هذا الولاء، انتشرت صور الرئيس الحريري الأب كمعالم بارزة في كل حيّ وزاروب وعلى مدخل كل بناية وواجهة كل دكان، لتضاف إليها لاحقا شارات وضعها أبناء الطريق الجديدة على صدورهم تأكيداً على حبهم للرئيس الشهيد ومطالبة بكشف قتلته، الذين تمكنوا منه في تفجير الرابع عشر من فبراير 2005.
«رصيد» مضاعف من المحبة ورثه الرئيس الحريري الابن من أبناء الطريق الجديدة عن أبيه الشهيد، عبّروا عنه مرة أخرى في صناديق الاقتراع وفي تلبيتهم الواجب «الوطني» للالتحاق في صفوف التظاهرات المليونية تحت شعارات «الحقيقة الحرية والوحدة الوطنية»، و«الحرية، السيادة والاستقلال»، لتحمل المنطقة هوية مزدوجة «حريرية» و«14 آذارية».
ومنذ ذلك الحين، تدفع الطريق الجديدة ثمن ولاءاتها عبر استحداث خطوط تماس جديدة بين المدينة الرياضية - السفارة الكويتية، جامع عبد الناصر - بربور، قصقص - الضاحية الجنوبية، وهي خطوط تماس «مذهبية - سياسية» شغلت البلاد خصوصاً مع أحداث الجامعة العربية في يناير 2007 التي شكّلت اول «احتكاك» بين مناصري «المستقبل» وأنصار الثنائي الشيعي «حزب الله» حركة «امل» ولم تنته يومها الا باعلان حظر تجول (كان الأول منذ عام 1973)، من دون اغفال هجوم السابع من مايو العام 2008 على «بيروت رفيق الحريري» ومكاتب «المستقبل». لكن الطريق الجديدة بقيت صامدة محصنة كما يقول وليد، أحد مناصري «المستقبل» في شارع حمد.
ويجزم شاب عشريني يرتشف قهوته الصباحية من شاحنة إكسبرس صغيرة على زاوية رصيف بالقرب من حي «الدنا»، تكسوها صور اللواء الشهيد وسام الحسن، أن عين «فهود الطريق الجديدة» يقظة لا تنام لتسهر على أمنها وحمايتها، مشدداً على أن «للواء الشهيد والرئيس الشهيد محبة عظيمة في قلب المنطقة، وهي تشرّع لصورهما شوارعها وأحياءها. أما صور (السيد) حسن نصرالله» (الأمين العام لـ «حزب الله») فلا مكان لها هنا، اللهم إلا اذا سمحوا لنا بتعليق صورة الرئيس الشهيد في الضاحية الجنوبية».
الأمر نفسه بالنسبة لمن خرج عن الحالة الحريرية في المنطقة، فهؤلاء تتقبلهم الحالة الشعبية في الطريق الجديدة على مضض، وتفسر ظهورهم كما يقول رجل سبعيني التقيناه في محيط جامع عبد الناصر بـ «دود الخلّ منه وفيه»، مستذكراً «إخراج رئيس «التيار العربي» شاكر البرجاوي و«زلمه» بالقوة من الطريق الجديدة العام الماضي، بعدما ضاق أبناء المنطقة ذرعا من «عراضاته» العسكرية و«حركاته» المخابراتية ضد «المستقبليين» و«النازحين السوريين»، فيما يرفض التعليق على ما يُشاع عن إنشاء مكاتب وخلايا لـ «حزب الله» في المنطقة، مكتفياً بلعنة «الاستنسابية في الديموقراطية».
ومع اندلاع الثورة السورية في العام 2011، لم يدخل مصطلح «النأي بالنفس» الذي ابتدعته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قاموس الطريق الجديدة، فأشهرت ولاء مطلقاً للحراك السوري، وشرعت في اقامة تظاهرات عقب صلاة الجمعة، بدت امتداداً للتظاهرات التي تجوب المناطق السورية في كل يوم جمعة. فبرز إلى الواجهة مسجد الإمام علي بن أبي طالب، الذي بات مدخله منبراً للعديد من الشخصيات المؤيدة للثورة، ومنها داعي الإسلام الشهال وإمام مسجد بلال بن رباح الشيخ أحمد الأسير. أما استقبال النازحين، فقد اعتبرته الطريق الجديدة «واجباً أخلاقياً وعروبياً»، ولذا لم تبخل في استقبال العائلات النازحة في منازلها الغنية والفقيرة على قاعدة «ان بيت الضيق يسع الف صديق».
... في الجغرافيا، اكبر من حي أقل من مدينة. في التاريخ اختزال له وتكثيف لتحولاته. في الاجتماع تمدن لم يمتد الى الروابط العائلية. في السياسة... هنا بيت القصيد**. فالطريق الجديدة في بيروت التي بني إرثها على اكتاف «قبضايات» للزعامتية في العاصمة ايام زمان، لفحها المد الناصري في بادئ الامر وكادت ان تتحول «عاصمة» لـ«جمهورية الكاكي» ايام ياسرعرفات قبل ان تصبح اخيراً علامة فارقة في ثلاثية «الله، حريري، طريق الجديدة»، وكأنها «الحصن الاخير» للسنة في بيروت، التي دهمتها نعمة التنوع كعاصمة لكل الفسيفساء اللبنانية، الطائفية والمذهبية والسياسية.
ملالات الجيش اللبناني تحت جسر «الكولا» وعند مدخل الملعب البلدي وسط المنطقة وعلى تخومها، هي أيضاً تشكل جزءاً من صورة الطريق الجديدة ومعالمها. وجودها «الشكلي» ربما، دليل على حساسية هذه البقعة البيروتية، التي يُسلط عليها الضوء بين الحدث والآخر، أقلّه منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 مروراً بأحداث الجامعة العربية في يناير 2007 و7 مايو 2008 وصولاً إلى الاعتصامات المتكررة فيها نصرة للثورة السورية.
فهذه المنطقة الشعبية مرآة للوضع في لبنان والعالم العربي، وهي لطالما كان «لها في كل عرس قرص»، ومن كل قضية ومعركة «حصة الأسد» من التداعيات. واذا كان اسمها لمع بفعل التطورات المتعاقبة منذ اغتيال الرئيس الحريري، فإن حاضر الطريق الجديدة وماضيها شاهد على الأدوار التي لعبتها في كل حقبة في تاريخ بيروت ولبنان. فهي موقع الحدَث أو ربما الحدَث نفسه، وما تَحوُّل الأنظار صوبها عند أي تطور سياسي هنا أو تصدّع أمني هناك، إلا دليل على حساسيتها في الجغرافيا السياسية لبيروت.
والمنطقة المستحدثة في غرب بيروت خلال العشرينات من القرن الماضي يلامس عمرها القرن. إلا أن العقود التي عاشتها وأثقلت كاهلها عمراناً وبشراً، لم تُسقط عنها اسم الطريق الجديدة الذي اكتسبته بعدما عُرفت لوقت طويل باسم منطقة «الرمل»، نسبة للكثبان الرملية التي غطتها، وشكلت ملجأ للفقراء من «البيارتة» كانوا يقصدونه للتنزه أو «السيران» بالمصطلح البيروتي الأصيل في أيام الجمعة. وحين بدأت رحال «المستوطنين» من أبناء رأس النبع، المزرعة، المصيطبة والبسطتين التحتا والفوقا (مناطق بيروتية) تحط شيئاً فشيئاً فيها لرخص أسعار أراضيها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، كان لا بد من ربط الطرق الفرعية التي شُقت في العهد العثماني بطريق رئيسية تصل الروشة بمنطقة السبيل وخلفها حرج بيروت، فأضحت الطريق الجديدة في خمسينات القرن الماضي، عنواناً جديداً لقاصدي هذه «الضاحية» البيروتية.
والطريق الجديدة ذات حدود «استراتيجية»، اذ يحدّها من الشمال منطقة قصقص وخلفها الضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية، ومن الجنوب جسر الكولا. أما شرقاً فالمدينة الرياضية ومخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين، وغرباً جامع عبد الناصر على خط كورنيش المزرعة - البربير.
ولطالما كانت هذه الجغرافيا بمثابة حصن جعل الطريق الجديدة عصية على «التطويع». ويعيد الدكتور والمؤرخ حسان حلاق في لقاء مع «الراي» ذلك إلى «ما يتمتع به ابن الطريق الجديدة من شيم الكرامة ومزايا الشجاعة والنخوة والاندفاع لرد الضيم والدفاع عن النفس، فضلاً عن التضحية ليس فقط في سبيل منطقته بل في سبيل كل لبنان».
بوابات عدة للولوج إلى الطريق الجديدة، إحداها المدخل الغربي عند الكولا. هناك علما الثورة السورية و«تيار المستقبل» يرحبان بك قبل اجتياز الحدود إلى «قلب» المحلّة. صعوداً باتجاه الملعب البلدي، تمر وسط زحمة السيارات، فتستقبلك مبان مكدّسة على جانبي الطريق ترسم خطين متوازيين يقودان إلى منطقة السبيل، وتتلاصق وسط الساحة المؤسسات المالية والمحلات التجارية، التي بات عدد منها أشهر من نار على علم كـ «أبو علي والأربعين فروج»، حلويات «صفصوف» وعصير «الهواري».
من أمام الملعب البلدي، تتشعب الطرق يمنة ويسرى. فتدلف عبر كل منها إلى حي من أحيائها، التي يلاحظ ارتباط معظم اسمائها بشخصيّة عاصرتها أو عائلة تجذرت فيها، مثل كاراج درويش، الهاني، ساحة أبو شاكر، جامع عبد الناصر، شارع حمد، الدنا... واذا كان الميسور والفقير يتجاوران في بعض أزقة الطريق الجديدة، ففي الغالب تُصنّف شوارعها السكنية بين تجمعات لمتوسطي الحال ومبان قديمة وألواح تنك على هيئة بيوت للمعدمين. ويخترق هذا التصنيف حضور خجول للنافذين والمقتدرين من أبناء المحلّة الذين آثروا الوفاء لها والبقاء فيها بعدما ابتسم لهم القدَر.
لافتات المحال والعيادات الطبية في هذه المنطقة التي يسكنها ما يزيد على ربع مليون نسمة، تُبين الحضور القوي لكل العائلات البيروتية في الطريق الجديدة، الأمر الذي يؤكده الدكتور حلاق، إذ يوضح ان لكل العائلات البيروتية فروعاً في المنطقة الحديثة العهد، بعد أن أوت إليها تباعاً. ومنها آل عيتاني، منيمنة، سنو، سوبرة، الدنا، حوري، حلاق...
وعلى خلاف ما يظن البعض ان المنطقة سنية مئة في المئة، يوضح مختار محلة المزرعة، التي تُعد الطريق الجديدة جزءاً منها، عبد الهادي كمال عبيدي ان الطريق الجديدة هي ملتقى لكل الطوائف، وما تلة زريق بالقرب من المقاصد الا دليل على وجود المسيحيين فيها، فضلاً عن كنيسة وشارع المجدلاني. أما الشيعة فيكشف «أنهم مسجلون أيضاً في نفوس المزرعة و«ينتمون» إلى الطريق الجديدة ومنهم آل حسن، اسماعيل وآخرون»، مشيراً أيضاً إلى «نازحين شيعة يقطنون في الطريق الجديدة التي اختاروها لقربها إلى جامعاتهم ومراكز عملهم، ولأنها منطقة لكل اللبنانيين». إلا أنه يبقى جلياً أن المنطقة تبقى ذات غالبية سنية، تصل إلى حد وصفها من البعض بالحصن الأخير للسنّة في بيروت بعدما اختلطت المناطق الأخرى بالمكوّنات اللبنانية المختلفة، وذابت الهوية المذهبية السنية فيها حتى الاضمحلال.
واذا كان المثل اللبناني يقول ان «من يتزوج من غير ملته بيموت بعلته»، ففي ظل انقسام طائفي سابقاً ومذهبي اليوم، يصح أيضاً القول ان «من يسكن بين غير ملته بيموت بعلته»، وهذا ما ينطبق على الطريق الجديدة التي تعد مقصداً للوافدين السنّة بالدرجة الأولى من مناطق الأطراف كعكار (الشمال) والعرقوب وصيدا (الجنوب) والبقاع وإقليم الخروب (الشوف).
خالد خوند من شبعا، يسكن في شارع عفيف الطيبة، ويقدم نفسه كنموذج لآلاف «اللاجئين» اللبنانيين إلى هذه المنطقة في العاصمة. هو نزح اليها مع أهله وله أسبابه، يختصرها بالاحتلال الإسرائيلي (سابقاً) للجنوب أولاً، وغياب الإنماء المتوازن عن القرى الحدودية حيث تنعدم الخدمات على مختلف أنواعها ثانياً، ما دفعه وعائلته إلى «الهبوط» إلى بيروت بهدفيْ العلم والعمل. أما عن سبب اختيار الطريق الجديدة دون غيرها لتكون موطناً جديداً له ولعائلته، يقول: «يللي عند أهله على مهله... وهنا طائفتنا وأهلنا، ونحن أبناء هذه المنطقة، ولاؤنا لها كالذهب يُختبر في النار، تلك التي تشتعل بين الحين والآخر فنهبّ لنصرتها والدفاع عن كرامتها».
وإن لم تكن في المنطقة أعلام مناوئة للرايات الزرقاء (علم «المستقبل»)، إلا أن ذلك لا يلغي وجود نسبة لا يستهان بها من الشيعة القادمين من الجنوب أو بعلبك. أحد شبان الطريق الجديدة، يوضح أن في حيه في ساحة أبو شاكر عددا من العائلات الشيعية، تندرج وفق سلوكها الاجتماعي ضمن فئتين: «الأولى طائفية حذرة، تنتهي حدودها عند باب شقتها، تنأى بنفسها عن المنطقة وأهلها، وإذا أقحمت نفسها في نقاش سياسي تنحصر غايتها بالاستفزاز والشماتة. أما الفئة الثانية، فودودة. ينطبق عليها مثل «جاري بخير، أنا بألف خير»، ولا تحول ميولها السياسية دون تنمية علاقاتها الاجتماعية مع محيطها، ولذلك لا تتردد في إبداء آرائها من التطورات أمام جيرانها وأصدقائها، بعد اتفاق «عُرفي» على ألا يفسد اختلاف وجهات النظر في الود قضية». وكغيرها من المناطق اللبنانية، لا يغيب الزواج المختلط عن الطريق الجديدة، سواء بين مسلمين ومسيحيين أو بين سنّة وشيعة، الأمر الذي يجعل جميع الطوائف من «أهل الدار» ويكون «لا غريب إلا الشيطان».
في كاراج درويش، تسير على رصيف ضيّق ومتهالك. تفاجئك شجيرة نُصبت أمام مبنى للزينة. قد تكون يتيمة أو تنتمي إلى فئة نادرة من «المخلوقات الحية» في هذه المدينة المكسوّة بالإسمنت. تجتازها مكملاً سيرك ضمن نفق البنايات التي تبدو في منتصف عمرها الافتراضي بين حديثات عهد «وُلدن» في الحي. تأتيك أصوات من شرفات ونوافذ الطبقات الأولى ومن باعة يتواعدون يوميا أمام محلاتهم على «نفَس» نرجيلة وقدح قهوة، «فتقدح» أذنك لكنات متنوعة بتنوع «أصل» المتحادثين، إلا أن اللكنة البيروتية التقليدية تبقى الغالبة في منطقةٍ أبت إلا المحافظة على هويّتها في وجه «المستوطنين».
في المقلب الآخر من الطريق الجديدة، المشهد نفسه بالصوت والصورة، في قهوة «دوغان» خلف مسجد الإمام علي (عليه السلام). هناك حيث يتحلق الكهول والشيوخ حول طاولات «الطرنيب» و«الليخة» (ألعاب ورق)، و«برتيات» طاولة الزهر، يتوقف عداد الزمن، ويرخي أسلوب الخمسينات والستينات بظلّه على «الديكور» البسيط لقهوةٍ لا يدخلها إلا الرجال. نرجيلة النكهة والعجمي هي الأساس، و«المعسل» بكل نكهاته «موضة» متقدمة قد لا تجد غالباً لها مكان في هذه القهوة. اللكنات اللبنانية نفسها تسمعها من ألسنة الحاضرين تارة عند احتدام نقاش وتارة أخرى عند ازدياد الحماسة أمام لعبة ورق يتجمهر رواد القهوة لمتابعة سيرها. «أبو محمد»، بعد أن يفرغ من اشعال نرجيلته «العجمي»، يضع مخرزها جانباً ويقول: «أنا أحضر إلى هذه القهوة منذ خمسين عاماً، واكبتني في كل مراحل حياتي، وواكبتُ وإياها جميع التطورات التي شهدتها بيروت ولبنان، لكنها بقيت على حالها، تحافظ على رونقها ودورها في جمع «البيارتة» واللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم». ويؤكد «أن لا فارق هنا بين سني وشيعي إلا في احترافه لألعاب «الشَدّة»، فيخرج من هنا بطلاً مرفوعاً على الأكتاف أو يمضي ساحباً خلفه ذيول الخيبة بعد خسارة مدوية».
قهوة «دوغان»، تكاد تكون الوحيدة بطابعها التقليدي في الطريق الجديدة، التي غزتها «الكافيات» الشبابية المعاصرة في كل شارع وزاروب، لا سيما في محيط جامعة بيروت العربية، حيث تؤمّن لقاصديها خدمات الإنترنت المجاني فضلا عن المأكولات السريعة والمشروبات الغربية (نسكافيه، شوكولا ساخنة..) ونرجيلة «المعسل» طبعاً.
واذا كان البيروتي متعلقا بنرجيلته، إلا أنها لم تمنعه من ممارسة الرياضة، أو أقله حبها. ويقطع الملعب البلدي والمدينة الرياضية بوجودهما في هذه المنطقة بالتحديد الشك باليقين في هذا المجال، وتكفي الإشارة إلى أن هذه المنطقة شهدت، ومن صفوف أبنائها، ولادة الناديين اللبنانيين الأبرز «النجمة و«الأنصار»، لدحض أيّ التباس. وفي موازاة هذه «الصروح» الرياضية، تتميز الطريق الجديدة بصروح تربوية عدة، لعل أبرزها جامعة بيروت العربية، التي خرّجت أجيالا من أصحاب الشهادات العليا سطعوا في مختلف المجالات. وتنتشر الى ذلك المعاهد والمدارس في المنطقة، لا سيما تلك التابعة لجمعية «المقاصد الإسلامية» وفي مقدمها مدرسة الفاروق عمر بن الخطاب. أما ثانوية «البر والإحسان»، فقد عبرت من خلالها نخبة من الطلاب إلى الحياة العامة تتألق في المجالات كافة. من دون اغفال دار العجزة الإسلامية ودار الأيتام الإسلامية ومستشفى المقاصد الإسلامية التي تُعدّ من أبرز المؤسسات الصحية والاجتماعية في الطريق الجديدة، لم تفرّق في تقديم خدماتها للبنانيين بين «زيد أو عمر».
ولا يمكن المرور في الطريق الجديدة دون التوقف في حي السبيل، وهو أحد أبرز معالم المحلّة. هنا، تجد نصباً تذكارياً يرتفع وسط تقاطع طرق فرعية يشير إلى إعادة إعمار الشارع، ويغيب عن ناظريك مشهد المياه ولا يتناهى إلى مسامعك صوت خريرها. فالسبيل الذي شيّده أحد أفراد عائلة جلول في أربعينات القرن الماضي شُحّ وبات جزءاً من ماضي المنطقة، بعدما انضم إلى «سجن الرمل»، ذاك الذي اتخذ اسم المحلة التي نُقل إليها بعد «ترحيله» إلى خارج بيروت القديمة، ليصبح بعد الحرب الأهلية معلماً تاريخياً تخلده ذكريات مَن عاصروه، إثر هدمه وإضافته إلى أملاك الجامعة العربية.
وبحسب الدكتور حلاق، لا يكتمل المشوار على معالم الطريق الجديدة «دون التوقف عند أعلامها ورجالاتها ومنهم علماء وأطباء ومهندسون وسياسيون. بينهم الوزير السابق خالد قباني، النائب عمار حوري، المفتي الشهيد حسن خالد، رئيس مجلس ادارة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، رئيس بلدية بيروت بلال حمد، الوزير السابق حسن منيمنة، الدكتور محمد السماك، امين عام مجلس الوزراء القاضي سهيل بوجي، قائد شرطة بيروت العميد ديب الطبيلي..».
وإذا كانت الاعوام رسمت على ساحاتها وزواريبها ملامح «الكبر»، فباتت «قديمة» قدم أبنيتها العتيقة الصامدة في وجه مدّ البروج والعمارات الفارهة التي تمتدّ في أحيائها كالنار في الهشيم، يبقى للطريق الجديدة من اسمها «نصيب» دائم في التجدد الذي رافق انتماءاتها السياسية في كل مرحلة من تاريخها، دون أن يأتي على ثوابتها، و«العروبة» في طليعتها، وهي التي لها سطور خطتها بحبر من دم في تاريخ لبنان والقومية العربية.
بداية العلاقة بين السياسة والطريق الجديدة، أخذت مساراً تصاعدياً بدءاً من خمسينات القرن الماضي. في ذلك الحين كانت الزعامة في المنطقة موزعة على آل سلام، آل اليافي وآل الصلح. لكل زعامة «قبضاياتها» وهم زعماء محليون في الحارات يدينون بالولاء لمرجعهم إن لم يكن لروابط عائلية، أو لقناعات سياسية، على قاعدة «الذي يأكل من خبز السلطان يحارب بسيفه».
بداية الحركة الحزبية في المنطقة كانت مع «عباد الرحمن»، الفرع اللبناني لمنظمة الاخوان المسلمين، غير أن اتفاق هذا التجمع مع حزب «الكتائب اللبنانية» الذي كان منغلقاً على مجتمعه المسيحي حينها، أفقده ثقة البيروتيين به ومنهم أهالي الطريق الجديدة، فانهار منذ بداياته. في هذه المرحلة سطع نجم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي سرعان ما تحول إلى زعيم أوحد في العديد من الدول العربية ومنها لبنان. الطريق الجديدة تأثرت بهذا المدّ العاصف، وباتت «ناصرية» الهوى. وعندما اندلعت ثورة العام 1958 بين الرئيس كميل شمعون ومناصريه من مؤيدي التحالف الغربي مقابل العروبيين من أتباع الرئيس عبد الناصر، وبعد رفض الرئيس شمعون مقاطعة فرنسا وانكلترا على غرار عدد من الدول العربية، لم تنأ الطريق الجديدة بنفسها عن المشاركة في القتال نصرة لعروبتها. فكانت أبرز المواجهات في شارع حمد، وخلّفت قتلى وجرحى.
واظبت الطريق الجديدة على انتمائها الناصري حتى «النكسة» التي مني بها التيار القومي بفعل هزيمة العام 1967، والتي ترافقت مع انتقال حركة المقاومة الفلسطينية إلى لبنان آتية من الأردن. وسرعان ما تفاعل أهالي المنطقة مع هذه المقاومة، حيث بدلت في ولاءاتهم، بدليل أن أول شهيد لبناني سقط مع «فتح» هو ابن الطريق الجديدة خليل عز الدين الجمل.
«إقامة» منظمة التحرير الفلسطينية في الطريق الجديدة استمرّت حتى الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، وفي خلالها أبو عمار «مرّ من هنا» وهناك وفي كل أحياء الطريق الجديدة بعدما انتقل وقيادات فلسطينية للإقامة فيها، نظراً للأمن والاطمئنان الذي يؤمنه «نقاء» المنطقة وولاؤها المطلق لأبو عمار ودعمها غير المشروط للثورة الفلسطينية في وجه العدو الإسرائيلي.
وما ترك في القلوب غصة عند رحيل أبو عمار والمسلحين الفلسطينيين عن الطريق الجديدة، يتحدث عنه عبد حجازي أحد «قبضايات» ساحة أبو شاكر، ويؤكد بلهجته البيروتية: «لم نقل حينها وداعاً بل إلى اللقاء»، «فالطريق الجديدة هي السباقة إلى المقاومة ومواجهة العدو الإسرائيلي، ونحن على عكس غيرنا قدّمنا شهداء في سبيل الوطن ولم يخرج من صفوفنا خائن أو عميل».
يستذكر حجازي شجاعة أهالي المنطقة عند الاجتياح الإسرائيلي، فيشير إلى «أنهم لم يدعوا إسرائيل تهنأ لاجتياحها أول عاصمة عربية... فدحرناها بعد مقاومة باسلة». ويستطرد: «نحن المقاومة، ونحن مَن حارب اسرائيل وبندقيتنا موجهة إليها، لا ننقلها من كتف إلى آخر... فلا يعايرنّ أحد».
بعد «ترحيل» أبو عمار و«فتح» عسكرياً عن بيروت بموجب اتفاق أميركي ينهي المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي عبر ما سمي «بواخر الترحيل»، ملأت «الحركة الوطنية» الفراغ العسكري والأمني الذي شغلته منظمة التحرير، لا سيما حركة الناصريين المستقلين «المرابطون» التي أسسها ابن الطريق الجديدة ابراهيم قليلات وضمّت في صفوفها مقاومين من السنّة والشيعة على السواء، أضف إليها الحزب «التقدمي الاشتراكي» وحركة «أمل»، اللذين سرعان ما انقلبا على «المرابطون»، فسحقاها في غضون ساعات العام 1985. وفي المرحلة التي ترأس فيها العماد ميشال عون الحكومة العسكرية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل (بين 1988 و 1990)، خاض عون حرب «التحرير» ضد الجيش السوري (العام 1989)، فقام بقصف ما اصطلح على تسميته «بيروت الغربية»، فنالت الطريق الجديدة نصيبها من نار تلك الحرب ومآسيها.
وبعد توقيع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان (العام 1990)، كانت الطريق الجديدة كغيرها من المناطق اللبنانية خائرة القوى، ملامح الدمار ترتسم على أبنيتها وشوارعها وبناها التحتية، إلى أن جاء الرئيس الشهيد رفيق الحريري على رأس حكومة ما بعد انتخابات العام 1992 فأوْلى العاصمة ومن ضمنها الطريق الجديدة أهمية بالغة، ونفخ فيها الحياة بورشة إعمار واسعة على كل المستويات الصحية والتعليمية والاجتماعية.
الدكتور حلاق يستذكر تلك المرحلة، مشيراً إلى «اليد الخيرة التي مدّها الرئيس الشهيد الى المؤسسات التربوية والاجتماعية في المنطقة مقدّماً لها ما يلزم من تبرعات لتطوير خدماتها كي تشمل أوسع عدد من أبناء الطريق الجديدة. فضلاً عن «الإعاشات» والمساعدات العينية التي وزّعها على العائلات المحتاجة في المنطقة، فبادلته هذا الخير خيراً أوفر بالأصوات الانتخابية، مقترعين «زي ما هيّ » للحريري ونوابه في المدينة في كل صولة وجولة انتخابية».
وإذ اختصرت عبارة «الله، حريري، طريق الجديدة» هذا الولاء، انتشرت صور الرئيس الحريري الأب كمعالم بارزة في كل حيّ وزاروب وعلى مدخل كل بناية وواجهة كل دكان، لتضاف إليها لاحقا شارات وضعها أبناء الطريق الجديدة على صدورهم تأكيداً على حبهم للرئيس الشهيد ومطالبة بكشف قتلته، الذين تمكنوا منه في تفجير الرابع عشر من فبراير 2005.
«رصيد» مضاعف من المحبة ورثه الرئيس الحريري الابن من أبناء الطريق الجديدة عن أبيه الشهيد، عبّروا عنه مرة أخرى في صناديق الاقتراع وفي تلبيتهم الواجب «الوطني» للالتحاق في صفوف التظاهرات المليونية تحت شعارات «الحقيقة الحرية والوحدة الوطنية»، و«الحرية، السيادة والاستقلال»، لتحمل المنطقة هوية مزدوجة «حريرية» و«14 آذارية».
ومنذ ذلك الحين، تدفع الطريق الجديدة ثمن ولاءاتها عبر استحداث خطوط تماس جديدة بين المدينة الرياضية - السفارة الكويتية، جامع عبد الناصر - بربور، قصقص - الضاحية الجنوبية، وهي خطوط تماس «مذهبية - سياسية» شغلت البلاد خصوصاً مع أحداث الجامعة العربية في يناير 2007 التي شكّلت اول «احتكاك» بين مناصري «المستقبل» وأنصار الثنائي الشيعي «حزب الله» حركة «امل» ولم تنته يومها الا باعلان حظر تجول (كان الأول منذ عام 1973)، من دون اغفال هجوم السابع من مايو العام 2008 على «بيروت رفيق الحريري» ومكاتب «المستقبل». لكن الطريق الجديدة بقيت صامدة محصنة كما يقول وليد، أحد مناصري «المستقبل» في شارع حمد.
ويجزم شاب عشريني يرتشف قهوته الصباحية من شاحنة إكسبرس صغيرة على زاوية رصيف بالقرب من حي «الدنا»، تكسوها صور اللواء الشهيد وسام الحسن، أن عين «فهود الطريق الجديدة» يقظة لا تنام لتسهر على أمنها وحمايتها، مشدداً على أن «للواء الشهيد والرئيس الشهيد محبة عظيمة في قلب المنطقة، وهي تشرّع لصورهما شوارعها وأحياءها. أما صور (السيد) حسن نصرالله» (الأمين العام لـ «حزب الله») فلا مكان لها هنا، اللهم إلا اذا سمحوا لنا بتعليق صورة الرئيس الشهيد في الضاحية الجنوبية».
الأمر نفسه بالنسبة لمن خرج عن الحالة الحريرية في المنطقة، فهؤلاء تتقبلهم الحالة الشعبية في الطريق الجديدة على مضض، وتفسر ظهورهم كما يقول رجل سبعيني التقيناه في محيط جامع عبد الناصر بـ «دود الخلّ منه وفيه»، مستذكراً «إخراج رئيس «التيار العربي» شاكر البرجاوي و«زلمه» بالقوة من الطريق الجديدة العام الماضي، بعدما ضاق أبناء المنطقة ذرعا من «عراضاته» العسكرية و«حركاته» المخابراتية ضد «المستقبليين» و«النازحين السوريين»، فيما يرفض التعليق على ما يُشاع عن إنشاء مكاتب وخلايا لـ «حزب الله» في المنطقة، مكتفياً بلعنة «الاستنسابية في الديموقراطية».
ومع اندلاع الثورة السورية في العام 2011، لم يدخل مصطلح «النأي بالنفس» الذي ابتدعته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قاموس الطريق الجديدة، فأشهرت ولاء مطلقاً للحراك السوري، وشرعت في اقامة تظاهرات عقب صلاة الجمعة، بدت امتداداً للتظاهرات التي تجوب المناطق السورية في كل يوم جمعة. فبرز إلى الواجهة مسجد الإمام علي بن أبي طالب، الذي بات مدخله منبراً للعديد من الشخصيات المؤيدة للثورة، ومنها داعي الإسلام الشهال وإمام مسجد بلال بن رباح الشيخ أحمد الأسير. أما استقبال النازحين، فقد اعتبرته الطريق الجديدة «واجباً أخلاقياً وعروبياً»، ولذا لم تبخل في استقبال العائلات النازحة في منازلها الغنية والفقيرة على قاعدة «ان بيت الضيق يسع الف صديق».