فاصلة / شجرة الحياة ... حكاية صامتة
فهد توفيق الهندال
| فهد توفيق الهندال |
قيل قديما: «هناك أسئلة لا يجاب عنها إلا بالصمت»!
شاهدت قبل ايام فيلم (The Tree of Life) سيناريو واخراج تيرانس **ماليكي ومن بطولة براد بيت و شون بن وآخرين، والفيلم من انتاج 2011، تتحدث قصة الفيلم عن عائلة أميركية مكونة من أبوين وثلاث أبناء يعيشون في منتصف خمسينات القرن العشرين، وسط تراكمات الحياة والتاريخ اللذين يثقلان بضغطهما على العلاقة الأسرية لعائلة تعيش أسئلة مختلفة عن أهمية دورها في منظومة الطبيعة، ما قبلها وما بعدها. الفيلم لا يتناول قضايا اجتماعية بقدر ما أنه يحمل رسائل وجودية تبحث في أصل الوجود الإنساني باختلاف مراحله التي تشبه تماما مراحل حياة الفرد العادي من ولادته في عالم أبيض صامت محايد عن أي ذاكرة فردية إلى مراهقته حيث بحثه عن كينوته المستقلة في ظل أب يجمع القسوة من ماضيه الحربي والرقة في موهبته الموسيقية، لاينفك يحاول فرض شخصيته على أبنائه، وأم طيبة متدينة تعيش مفارقة الضعف الصامت مقابل سطوة الأب، والقوة في حبها لأولادها، ليتنقل زمن السرد السينمائي بين عصرين مختلفين، الأول مرتبط بهذه العائلة الجنوبية، والثاني يشكل الواقع اليوم في حياة رجل أربعيني يعمل مهندسا مدنيا يصمم الحياة العصرية من على خارطته اللوحية الصامتة، لا يخفي قلقا ساكنا، ليكون جاك وهو الأخ الأكبر في العائلة محور وزاوية الرؤية في الفيلم، بما تمر عليه من ظروف ومواقف مختلفة تقاسمت بين خلافاته مع الأب واثبات هويته الذكورية أمام أقرانه وقربه من أخويه اللذين كانت وفاة أحدهما في الحرب كفيلة لأن تشكل منعطفا ذاتيا/ تأمليا في رؤيته للحياة المنقسمة بين العنف والسلام الداخلي في حالة الغياب الأولى التي تواجهها العائلة، خاصة وأن زاوية جاك تماثل في متغيراتها الداخلية متغيرات الكون، الحياة والطبيعة في فصولها المتعاقبة ما بين الخصب والقحط، والبقاء للأقوى وإن كان الأضأل جرما، كما البكتيريا التي استمر وجودها منذ عصر الديناصورات والكائنات الهائلة والزائلة.
يحسب للمخرج ماليكي قدرته البصرية بعدسته السوريالية الحداثية وروحه المتصوفة المستوحاة من أصوله الشرقية، ما ساعده في أن يضيف أبعادا أخرى للفيلم، إضافة لتوظيفه المذهل لأبطال عمله عبر ملامحهم الخارجية الدقيقة بتفاصيلها المتغيرة بحسب الحدث بما يعكس عوالمهم الداخلية، وهي قدرة سينمائية عالية بنفس روائي بامتياز.
فيلم شجرة الحياة يستحق المشاهدة مرارا، وكم كنت أتمنى مشاهدة هذه النوعية من الأفلام في حلقات مناقشة هادئة تضيف بعدا جماليا آخر على العمل، يتمثل في المساحة الهائلة من الصمت في هذا الفيلم لتعلم فضيلة الانصات للعالم الساكن فينا و المحيط بنا ولو لمرة واحدة!
جدير بالذكر أنه سبق لماليكي تجربة سينمائية مثيرة عبر فيلم The Thin Red Line وهي رؤية مغايرة عن الحرب الأميركية في فيتنام.
والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.
* كاتب وناقد كويتي
[email protected]
قيل قديما: «هناك أسئلة لا يجاب عنها إلا بالصمت»!
شاهدت قبل ايام فيلم (The Tree of Life) سيناريو واخراج تيرانس **ماليكي ومن بطولة براد بيت و شون بن وآخرين، والفيلم من انتاج 2011، تتحدث قصة الفيلم عن عائلة أميركية مكونة من أبوين وثلاث أبناء يعيشون في منتصف خمسينات القرن العشرين، وسط تراكمات الحياة والتاريخ اللذين يثقلان بضغطهما على العلاقة الأسرية لعائلة تعيش أسئلة مختلفة عن أهمية دورها في منظومة الطبيعة، ما قبلها وما بعدها. الفيلم لا يتناول قضايا اجتماعية بقدر ما أنه يحمل رسائل وجودية تبحث في أصل الوجود الإنساني باختلاف مراحله التي تشبه تماما مراحل حياة الفرد العادي من ولادته في عالم أبيض صامت محايد عن أي ذاكرة فردية إلى مراهقته حيث بحثه عن كينوته المستقلة في ظل أب يجمع القسوة من ماضيه الحربي والرقة في موهبته الموسيقية، لاينفك يحاول فرض شخصيته على أبنائه، وأم طيبة متدينة تعيش مفارقة الضعف الصامت مقابل سطوة الأب، والقوة في حبها لأولادها، ليتنقل زمن السرد السينمائي بين عصرين مختلفين، الأول مرتبط بهذه العائلة الجنوبية، والثاني يشكل الواقع اليوم في حياة رجل أربعيني يعمل مهندسا مدنيا يصمم الحياة العصرية من على خارطته اللوحية الصامتة، لا يخفي قلقا ساكنا، ليكون جاك وهو الأخ الأكبر في العائلة محور وزاوية الرؤية في الفيلم، بما تمر عليه من ظروف ومواقف مختلفة تقاسمت بين خلافاته مع الأب واثبات هويته الذكورية أمام أقرانه وقربه من أخويه اللذين كانت وفاة أحدهما في الحرب كفيلة لأن تشكل منعطفا ذاتيا/ تأمليا في رؤيته للحياة المنقسمة بين العنف والسلام الداخلي في حالة الغياب الأولى التي تواجهها العائلة، خاصة وأن زاوية جاك تماثل في متغيراتها الداخلية متغيرات الكون، الحياة والطبيعة في فصولها المتعاقبة ما بين الخصب والقحط، والبقاء للأقوى وإن كان الأضأل جرما، كما البكتيريا التي استمر وجودها منذ عصر الديناصورات والكائنات الهائلة والزائلة.
يحسب للمخرج ماليكي قدرته البصرية بعدسته السوريالية الحداثية وروحه المتصوفة المستوحاة من أصوله الشرقية، ما ساعده في أن يضيف أبعادا أخرى للفيلم، إضافة لتوظيفه المذهل لأبطال عمله عبر ملامحهم الخارجية الدقيقة بتفاصيلها المتغيرة بحسب الحدث بما يعكس عوالمهم الداخلية، وهي قدرة سينمائية عالية بنفس روائي بامتياز.
فيلم شجرة الحياة يستحق المشاهدة مرارا، وكم كنت أتمنى مشاهدة هذه النوعية من الأفلام في حلقات مناقشة هادئة تضيف بعدا جماليا آخر على العمل، يتمثل في المساحة الهائلة من الصمت في هذا الفيلم لتعلم فضيلة الانصات للعالم الساكن فينا و المحيط بنا ولو لمرة واحدة!
جدير بالذكر أنه سبق لماليكي تجربة سينمائية مثيرة عبر فيلم The Thin Red Line وهي رؤية مغايرة عن الحرب الأميركية في فيتنام.
والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.
* كاتب وناقد كويتي
[email protected]