أماكن / الكل في رحلة
| جمال الغيطاني |
يرحل نهر النيل من الجنوب إلى الشمال، وتسافر الشمس من الشرق إلى الغرب، وما بين النهر والشمس تعينت الحدود، واتضحت المعالم منذ سعي الإنسان في تلك المنطقة من العالم التي عرفت بمصر، تلك الواحة الكبيرة في قلب الصحراء العظمى الممتدة من شاطئ الأطلنطي غربا، وحتى شاطئ البحر الأحمر شرقا.
صحراء كبرى ممتدة تتخللها واحات، بعضها صغير، وقليلها متسع، كبير، من يحدد ذلك كمية الماء، سواء كان نبعا صغيرا أو نهرا قديما، عريقا، ممتدا عبر مسافات قصيرة وهضاب مرتفعة، مثل نهر النيل الوحيد، الفريد، قديم الصمت والجريان.
عندما وصلت مدينة العيون المغربية، عاصمة إقليم الصحراء، دهشت، فكأني أرى نفس الرمال التي أعرفها جيدا في صحراء مصر، بل إن تكوين البيوت يشبه تلك التي رأيتها في قرية القصر بصحراء مصر، حيث الواحات الداخلة والخارجة، إنه نفس الشعور الذي عرفته عندما دخلت مدينة القيروان التونسية العريقة ذات صباح باكر، كنت أقصد رؤية مسجدها القديم، والذي أدركت بعد أن عاينته أنه كان خطوة نحو مسجد قرطبة الذي اكتملت به العمارة العربية في ترحالها من المشرق إلى المغرب، واستقرت على أصولها النهائية في الأندلس.
من خلال النهر والسماء تعينت الحدود في مصر القديمة، وبزغت تلك الفكرة الأساسية في الديانة المصرية القديمة، إنها الثنائية، الوجود كله قائم عليها، الأجناس كلها من ذكر وأنثى، دورة الفلك تسفر عن ليل ونهار، لولا الأسود ما عرفنا الأبيض، ولولا الجدب لما عرفنا قيمة الماء في صعيد مصر.
يمكن أن يقف الإنسان بين الحضور والغياب، بين الحاضر والغائب، بين الآن والأبدية عندما يصل إلى آخر الأرض المزروعة وتبدأ الصحراء مباشرة، يمكن للواقف أن يضع قدما في الأخضر، وقدما في الأصفر، تلك الثنائية التي يقوم عليها الوجود استلزمت تعيين الحدود، فلكي يتميز الأول من الثاني لابد من تحديد دقيق، أين تكون البداية، وأين تكون النهائية، متى يبدأ فيضان النهر، ومتى يتوقف؟
يترتب على ذلك الاستعانة بمفردات الكون البادية للعيان، بالنجم، بالدورة الأبدية للفلك حتى يمكن معرفة المواقيت التي سيتحدد على أساسها وضع البذور، ومعرفة أوان تفتحها وحصادها، من هنا عرف الإنسان في مصر أدق تقويم توصل إليه الإنسان، ولأنه الأدق فمازال مستمرا حتى الآن رغم وجود تقويمين آخرين، أحدهما مسيحي الأصل، والثاني إسلامي.
ليس التقويم إلا وسيلة لمعرفة الحدود في الزمان، تماما كما ينبغي معرفتها في المكان، عرف المصري القديم بروج السماء كوسيلة لتعيين الزمان والمكان معا، وفي متحف اللوفر لوحة الزودياك المنتزعة من سقف معبد دندرة المشيد في العصر البطلمي، وفيها نرى أكمل وأقدم تصور لبروج السماء الأثنى عشر كما تخيلها الإنسان، ثمة تصور أقدم في مقبرة رمسيس السادس بالأقصر من الدولة الوسطى.
في مدينة تل العمارنة، في محافظة المنيا، قام إخناتون بتعيين الحدود من خلال لوحات حجرية بقي بعضها إلى يومنا هذا، كان الحد ومازال في مصر من أهم الأمور وأدقها وتعيين الحدود يترتب عليه الانتقال، أي الترحال، والرحيل منه ما يتم بسعي الإنسان عندما ينتقل من مكان إلى آخر بقرار داخلي منه أو لضرورة تجبره على ذلك، ومنه رحيل قسري، يجبر البشر عليه، وهذا الرحيل يبدأ منذ أن يتكون الإنسان في رحم الأم، بعد اندماج الحيوان المنوي بالبويضة عبر رحلة أيضا، ندفع جميعا بقوة لا نراها، لا نعرف جوهرها حتى الآن، فكأننا نسلك ممرا طويلا، أو جسرا فوق نهر ذي طريق واحد، لا يمكن الرجوع فوقه خطوة واحدة، إنه الزمن الذي يطوينا، إنه الترحال القسري، الأبدي، ولا نعرف متى بدأ ولا أين ينتهي، إلى تلك القوى المحركة رمز المصري القديم بيدين تيحطان بدائرة، هاتان اليدان لا نرى نبتهما، لا يتصلان بجسد واضح، فكأنهما من العدم وإلى العدم.
تلك القوى المحركة، الغامضة، ينتج عنها الرحلة، رحلة الشمس من المشرق إلى المغرب، رحلة قطرة الماء من هضاب الحبشة إلى البحر المتوسط، قطرة الماء تقطع هذه المسافة في ثلاثة وثلاثين يوما، الرحلة البادية للشمس جعلت الإنسان في وادي النيل يتخيل رحلة رمزية، فالشمس تعبر السماء، والعبور لا يكون إلا من حد إلى حد، من ضفة إلى أخرى، عبور الشمس للسماء التقى مع عبور النهر، تخيل الإنسان المصري عبورها في قارب.
أما رحلتها عبر الليل فلا تتم في الظاهر، إنما في الباطن المتخيل، من ساعة إلى أخرى، لكل ساعة اسم، ولكل ساعة باب، والباب لا يفتح إلا بتعاويذ معينة، إنها الرحلة الموازية لرحلة الحياة ولذلك رمزوا لها بالولادة، فالألهة موت رمز السماء تبتلع الشمس عند الغروب وتلدها من بين فخذيها عند الشروق.
ولادة، ثم ولادة، ولادة ظاهرة في الحياة الدنيا، ولادة أخرى في الأبدية اللامنظورة، لذلك كان الموتى يوضعون في مقابر «نقادة» الأولى على هيئة الجنين في الرحم، رحم الأم يخص الفرد، فلا أحد يولد مع أحد،. ولا أحد يموت مع أحد، الحضور فردي والغياب فردي، حتى التوءم يفدان منفصلان، كل بمفرده، كذلك الرحيل، عندما يرحل الإنسان فإنه يسافر بمفرده حتى وإن كان معه جمع، وإن كان بصحبة.
فالرحلة تعني الانتقال، والانتقال يعين تبدل الحال، وتبدل الحال يعني ظهور الرحلة المستترة، وضوح معالمها للناظرين، فعندما يرى الآخرون كل منا، يدركون من خلال البصر المسير رحلتهم هم، أن رحيلنا في رحيل الآخرين، ورحيلهم في رحيلنا، فالكل في رحلة.
صحراء كبرى ممتدة تتخللها واحات، بعضها صغير، وقليلها متسع، كبير، من يحدد ذلك كمية الماء، سواء كان نبعا صغيرا أو نهرا قديما، عريقا، ممتدا عبر مسافات قصيرة وهضاب مرتفعة، مثل نهر النيل الوحيد، الفريد، قديم الصمت والجريان.
عندما وصلت مدينة العيون المغربية، عاصمة إقليم الصحراء، دهشت، فكأني أرى نفس الرمال التي أعرفها جيدا في صحراء مصر، بل إن تكوين البيوت يشبه تلك التي رأيتها في قرية القصر بصحراء مصر، حيث الواحات الداخلة والخارجة، إنه نفس الشعور الذي عرفته عندما دخلت مدينة القيروان التونسية العريقة ذات صباح باكر، كنت أقصد رؤية مسجدها القديم، والذي أدركت بعد أن عاينته أنه كان خطوة نحو مسجد قرطبة الذي اكتملت به العمارة العربية في ترحالها من المشرق إلى المغرب، واستقرت على أصولها النهائية في الأندلس.
من خلال النهر والسماء تعينت الحدود في مصر القديمة، وبزغت تلك الفكرة الأساسية في الديانة المصرية القديمة، إنها الثنائية، الوجود كله قائم عليها، الأجناس كلها من ذكر وأنثى، دورة الفلك تسفر عن ليل ونهار، لولا الأسود ما عرفنا الأبيض، ولولا الجدب لما عرفنا قيمة الماء في صعيد مصر.
يمكن أن يقف الإنسان بين الحضور والغياب، بين الحاضر والغائب، بين الآن والأبدية عندما يصل إلى آخر الأرض المزروعة وتبدأ الصحراء مباشرة، يمكن للواقف أن يضع قدما في الأخضر، وقدما في الأصفر، تلك الثنائية التي يقوم عليها الوجود استلزمت تعيين الحدود، فلكي يتميز الأول من الثاني لابد من تحديد دقيق، أين تكون البداية، وأين تكون النهائية، متى يبدأ فيضان النهر، ومتى يتوقف؟
يترتب على ذلك الاستعانة بمفردات الكون البادية للعيان، بالنجم، بالدورة الأبدية للفلك حتى يمكن معرفة المواقيت التي سيتحدد على أساسها وضع البذور، ومعرفة أوان تفتحها وحصادها، من هنا عرف الإنسان في مصر أدق تقويم توصل إليه الإنسان، ولأنه الأدق فمازال مستمرا حتى الآن رغم وجود تقويمين آخرين، أحدهما مسيحي الأصل، والثاني إسلامي.
ليس التقويم إلا وسيلة لمعرفة الحدود في الزمان، تماما كما ينبغي معرفتها في المكان، عرف المصري القديم بروج السماء كوسيلة لتعيين الزمان والمكان معا، وفي متحف اللوفر لوحة الزودياك المنتزعة من سقف معبد دندرة المشيد في العصر البطلمي، وفيها نرى أكمل وأقدم تصور لبروج السماء الأثنى عشر كما تخيلها الإنسان، ثمة تصور أقدم في مقبرة رمسيس السادس بالأقصر من الدولة الوسطى.
في مدينة تل العمارنة، في محافظة المنيا، قام إخناتون بتعيين الحدود من خلال لوحات حجرية بقي بعضها إلى يومنا هذا، كان الحد ومازال في مصر من أهم الأمور وأدقها وتعيين الحدود يترتب عليه الانتقال، أي الترحال، والرحيل منه ما يتم بسعي الإنسان عندما ينتقل من مكان إلى آخر بقرار داخلي منه أو لضرورة تجبره على ذلك، ومنه رحيل قسري، يجبر البشر عليه، وهذا الرحيل يبدأ منذ أن يتكون الإنسان في رحم الأم، بعد اندماج الحيوان المنوي بالبويضة عبر رحلة أيضا، ندفع جميعا بقوة لا نراها، لا نعرف جوهرها حتى الآن، فكأننا نسلك ممرا طويلا، أو جسرا فوق نهر ذي طريق واحد، لا يمكن الرجوع فوقه خطوة واحدة، إنه الزمن الذي يطوينا، إنه الترحال القسري، الأبدي، ولا نعرف متى بدأ ولا أين ينتهي، إلى تلك القوى المحركة رمز المصري القديم بيدين تيحطان بدائرة، هاتان اليدان لا نرى نبتهما، لا يتصلان بجسد واضح، فكأنهما من العدم وإلى العدم.
تلك القوى المحركة، الغامضة، ينتج عنها الرحلة، رحلة الشمس من المشرق إلى المغرب، رحلة قطرة الماء من هضاب الحبشة إلى البحر المتوسط، قطرة الماء تقطع هذه المسافة في ثلاثة وثلاثين يوما، الرحلة البادية للشمس جعلت الإنسان في وادي النيل يتخيل رحلة رمزية، فالشمس تعبر السماء، والعبور لا يكون إلا من حد إلى حد، من ضفة إلى أخرى، عبور الشمس للسماء التقى مع عبور النهر، تخيل الإنسان المصري عبورها في قارب.
أما رحلتها عبر الليل فلا تتم في الظاهر، إنما في الباطن المتخيل، من ساعة إلى أخرى، لكل ساعة اسم، ولكل ساعة باب، والباب لا يفتح إلا بتعاويذ معينة، إنها الرحلة الموازية لرحلة الحياة ولذلك رمزوا لها بالولادة، فالألهة موت رمز السماء تبتلع الشمس عند الغروب وتلدها من بين فخذيها عند الشروق.
ولادة، ثم ولادة، ولادة ظاهرة في الحياة الدنيا، ولادة أخرى في الأبدية اللامنظورة، لذلك كان الموتى يوضعون في مقابر «نقادة» الأولى على هيئة الجنين في الرحم، رحم الأم يخص الفرد، فلا أحد يولد مع أحد،. ولا أحد يموت مع أحد، الحضور فردي والغياب فردي، حتى التوءم يفدان منفصلان، كل بمفرده، كذلك الرحيل، عندما يرحل الإنسان فإنه يسافر بمفرده حتى وإن كان معه جمع، وإن كان بصحبة.
فالرحلة تعني الانتقال، والانتقال يعين تبدل الحال، وتبدل الحال يعني ظهور الرحلة المستترة، وضوح معالمها للناظرين، فعندما يرى الآخرون كل منا، يدركون من خلال البصر المسير رحلتهم هم، أن رحيلنا في رحيل الآخرين، ورحيلهم في رحيلنا، فالكل في رحلة.