لغة الأشياء / حقيبة جلدية زرقاء

تصغير
تكبير
| باسمة العنزي |
التقيت بها مرات على الأكتاف محمولة، بألوانها الجميلة وتصميمها الرائع، لفتت نظري بشكلها الجذاب، تتبعتها وراء فاترينتها الأنيقة، دخلت المتجر أبحث عنها لم أجد اللون الأزرق منها، لم أقتنع كثيرا ببقية ألوانها المبهرة من برتقالي و أصفر و وردي!
أحيانا تجتاحنا رغبة عارمة باقتناء شيء ما، تتملكنا فكرة أن نحصل على شيء حالا، من دون أسباب منطقية.
حقيبة يد ثمنها يتجاوز الألفي دولار، كحال بقية الحقائب الجلدية الخارجة من دور مصممي الأزياء الشهيرة، أضعها على قائمة مشترياتي المستقبلية القريبة، أبحث فقط عن لونها الأزرق الفاتح.
عادة نذعن لصوت مزعج داخلنا يلح على حصولنا لما لسنا بحاجة له، يلاحقنا بقائمة متجددة من الأشياء الإضافية التي نمل منها بعد أيام من الحصول عليها بعد أن دخلت خزائن مكتظة بكل ما هو إضافي و هامشي.
لأيام وأنا أفكر فيها، وفي كل مرة ألمح شيئا من مظاهر البؤس في العالم أجدني أتوارى خجلا لتلهفي لشرائها، صور بؤس في كل مكان، أطفال ينامون على الثلج بلا مأوى في مخيمات اللاجئين السوريين، سعر حقيبة جلدية ملونة قادر على بعث شيء من الدفء في شتائهم الأطول.
صورة أخرى لعائلة أفريقية لا يجد أفرادها الفتات تخبرني بتفاهتي، سعر حقيبة تصطف أحرفها الخمس بلون ذهبي، قادر على النجاة بهذه العائلة لسنة كاملة دون أن يخطف الموت جوعا أحد أفرادها.
مشاهد من نشرات الأخبار، وصور الصحف التي لا تعرف المواربة، تصرخ بنا أن نلتفت قليلا لعالم يغص بالجياع والمحرومين ومن اجتاحتهم النكبات فوجدوا أنفسهم في العراء.
لا يمكن لسعر حقيبة جلدية أن يغير العالم المجلل بعار ظلم الطغاة، ولا أن يحول بعصا سحرية الواقع المتشابك التفاصيل لمستقبل أجمل، لكنه قادر على وضع حلول موقتة لمشاكل مزمنة، وتقديم لمسات سريعة لواقع يزداد قتامة يوما بعد آخر.
المخيف فينا قدرتنا على تجاوز كل ما نراه من بشاعة الفقر، وتجاهل صوت عميق داخلنا يخبرنا الحقيقة، أننا متمادون في ماديتنا، وأننا لسنا في مأمن مهما كانت الضمانات براقة، وأن إنسانيتنا لا تعدو أحيانا الشفقة لدقائق قبل أن ننفض هموم العالم عن أكتافنا ونعود لدوائرنا الملونة برغبات أشد قوة بامتلاك مظاهر زائلة، ومتابعة أحدث ما يلقى لنا من العواصم الأوروبية من ماركات ثمينة خصصنا لها المتاجر والمولات وتباهينا أنها للنخبة!
ما عادت تغريني فكرة اقتنائها بعد أن وجدتها تتحول بلونها الأزرق الفاتح لوحش يطير بعيدا بطعام عائلة تبتهل لله أن تحصل على ما يسد رمقها. نفرت منها وأنا أرى أحرفها الذهبية تلتف فوق رقبة طفل يتيم لم يدخل المدرسة لفقره المدقع.
لن أشتريها... تخلصت من رغبتي بها، لم تعد تستهويني فكرة أن أحملها وبداخلها بقايا صيحات البؤساء في عالم شاسع، لم تعد بالنسبة لي رمزا للأناقة بقدر ما هي علامة فاقعة على أنانيتنا!
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي