رؤى / توحد الشاعر مع شعره

تصغير
تكبير
| د. لطيفة جاسم التمار * |

باحث جليل مبدع اهتم بإبداع الآخرين وغفل إبداعاته، رغم توحده مع الشعر عاش وأفنى عمره وهو يعيش عوالم شعرية متنوعة مع شعراء آخرين اهتم بإنتاجاتهم، لكن السؤال الذي يدور في أذهان الكثير «لماذا كان الأنصاري حريصا** على إخفاء شعره برغم جودته وإبداعه فيه؟». ربما كان التوحد بين الشاعر وشعره في أعلى مستوياته، هذا ما جعله صادقا لشعره محبا له في الوقت ذاته، وبالتالي يرغب في مواراته عن الآخرين لأنه ذاته ونفسه التي يريد أن يخفيها لأنه يرى في شعره سلوى للروح وبهجة للفؤاد حتى اندمج هو وشعره في نفس واحدة فنجده يقول في إحدى قصائده:

ويراعي بين الأنامل طوع الأمر

يجري مسطرا أترابي

كلما جال في خيالي فكر

خطه مسرعا طليق سراح

أرسل الشعر من جناني لحونا

وأداوي به بليغ جراحي

يرى الشاعر في الشعر دواء له من كل الأسقام، فبدأ يضخ مشاعر الرومانسية من خلال نزعة ذاتية معتمدا عليها بتصوير واقعه ثم بعدها يدخل في الموضوع الرئيس الذي هدفت منه القصيدة عندما قال:

نكأ الجرح ما أصاب فلسطين

من الجور والأسى الملحاح

كثيرا ما يخاطب الشاعر الشعر في قصائده وكأنه خليل له، أو بالأحرى الوحي الذي يتخلل ذاته فيحييها يقول الأنصاري مخاطبا الشعر قائلا:

ريح النبوة فيك تحيي من عبيرك كل ميت

أيا من سمائك قد هبطت وفي سبيلك قد مضيت

أنا ما قصدت سواك التمس الحياة وما نويت

أنت الحياة الحق إني في مناكبها سعيت

أنا منك يا عبق النبوة ما ارتددت وما انثنيت

كم رحت أسعى نحو فيئك مستظلا وانضويت.

إلى آخر القصيدة.

تشكل عشق الشاعر للشعر في صور عديدة منها الحب بشكل عام والحب المرأة بشكل خاص لكنه يعاود مرة أخرى للحبيب (الشعر)، فله في عشقه أبيات وقصائد كاملة يعبر من خلالها عن عشقه لمعشوقه الأزلي. يقول في احدى قصائده:

وما الشعر إلا غناء الحياة

تنام وتصحو على ذكره

الحب وبالأخص حب الأنثى كان واضحا على أشعار الأنصاري بل هي المصدر الرئيس في كتابة شعره ونستشعر هذا من قصيدة (قلب الشاعر) التي تغنى بها بمحبوبته وملهمته حيث يقول:

يا منى الروح ويا من أنت شعري وقصيدي

وغنائي وتراتيلي وأشواقي وعيدي

أنت فجرت ينابيع غنائي ونشيدي

النزعة العاطفية هي ما تدفع بالشاعر دفعا إلى تدفق الشعر، فالشعر لديه يتدفق كالسيل الجارف عندما يزداد اشتياقه لملهمته، لكن مع هذا التدفق ظل الأنصاري متواريا عن الأنظار محتفظا بشعره لوقت طويل يخفيه عن أنظار العامة، لا نعرف السبب الحقيقي لكننا نعلم الآن أننا أمام شاعر ظلم نفسه من هذا اللقب لمدة طويلة رغبة منه لا منا ونحن ليس أمامنا إلا أن نحترم رغبته ونثق بموهبته النقدية والأدبية والشعرية التي تحققت له على طول هذه السنوات التي قضاها بالنهوض بالحركة الأدبية والشعرية في الكويت.





* دكتوراه في الأدب العربي الحديث

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي