إشراقات النفد / «انعتاق» لعبدالرحمن سعد ... عوالم من الكشف في حيّز قصصي مكثف

تصغير
تكبير
| سعاد العنزي* |

القصة القصيرة جدا، أو الأقصوصة، كما تسمى، هي واحدة من الفنون القصصية المهمة جدا، والمتماشية مع إيقاع العصر المتسارع، الذي أصبح يعتمد على المختصر المفيد حتى في قراءة الأدب، فتجد القصيدة بدأت تميل إلى القصر النسبي، والبساطة والتركيز على الحالة الإنسانية بكثافة شديدة، ولو أن لي رأياً مغايرا في ما يخص القصيدة، أورده في مقالات مقبلة، ولكن بالنسبة لفن الأقصوصة، فهو فن الحالات الإنسانية المكثفة جدا، والتي تخرج من قراءاتها بومضات مضيئة ولمحات إنسانية تشير إلى خلل عميق في نسق حياتنا المعاصرة، تلتقطه كاميرا القاص اللغوية المترقبة لسقطات الشخصيات المتكررة في كل يوم، والمنبثقة من لحظات معيشية عادية وروتينية نعايشها يوميا وتمر من دون أن نلتفت إليها عادة، ما إن يحدث حدث مفاجئ بسرعة شديدة، يقلب روتين حياتك التي تظن انك حبكت خيوطها بتقنية شديدة، ولكنها الصدف، وبنية الحياة الدنيا، تسير وفق شيء من الاعتباطية يكشف مواطن الخلل، فيقلب معادلات أسر كاملة مستقرة، ومنظومة مجتمع متكاملة، فالاعتباطية في حياتنا متجاورة تماما مع ماهو محبوك ومنظم، أضداد متقابلة في حياتنا علينا معايشتها، والاعتراف بها، فمن الصعب أن تلغي عامل المفاجآت والصدف من حياتك، هذا ما أراد أن يقوله الأديب السوداني المبدع عبدالرحمن سعد، في مجموعته القصصية القصيرة جدا «انعتاق»، حيث الانعتاق الحقيقي من المسلمات التقليدية، في الشكل والمضمون، فقد قدم لنا قصصا بشكل موجز ومكثف مختصر تحكي بجرأة فاضحة وكاشفة ما تعجز عنه بعض الروايات بمئات الصفحات قوله، فهذه المجموعة القصصية، برأيي قد رسمت صورة كاريكاتيرية ساخرة، ولكنها للأسف ليست مضحكة أو مرحة، بل هي صورة مبكية ومحزنة على هذا الانهيار الأخلاقي الحاصل في عالمنا أجمع، فلقطات عبدالرحمن سعد هنا وثقت وحررت أنماطا متعددة للفساد كانت في حيز الكلام الشفوي والانتقادات التي يتناقش بها صديقان في مجلس خاص، أو ما يكون مخزونا في ذاكرة المرء نفسه من دون أن يجرؤ على التلفظ بها بصوت عال أمام الآخرين، أي انه حرر الصمت والمسكوت عنه كلاما، كما قدم رؤى إنسانية تقلب الرؤى التقليدية، بوضع الشيء وضده، و صبغها بجانب تحليلي يميل للحكمة والمنطق المقنع ليقدم للضاجرين والمتبرمين من الحياة أيضا، دليلا لفكرة تعايش أخرى من خلال الالتفات إلى ما لم يملكه الغير، بينما هو ملقى بين يديك من دون تعب أو مجهود يبذل.



* العناوين:

بدءا من عنوان المجموعة «انعتاق»، الذي يحمل أكثر من معنى دلالي هنا:

1- انعتاق من الأشكال التقليدية في القصة القصيرة، والذهاب إلى فن آخر، أكثر كثافة وتركيز.

2- انعتاق فكري يتحرر من الرؤى النمطية، ولتقليدية المحملة بالخوف من المجتمع المحافظ، أو انعتاق الذات من ذاتها القديمة المرهونة بنتاج المجتمع الذكوري الأبوي المحافظ والساكت دوما عن قول كلمة حق بوجه مسؤول، أو الكتابة التحريرية لهذا الخلل.

3- انعتاق من قيود الحياة الخانقة للإنسان والضاغطة عليه من كل جانب فيقرر من دون تخطيط وفكر مسبق الانعتاق من هذه الارتباطات التي وضعته في حال من عدم الرؤية والوضوح، فيقرر الهروب الفجائي غير المدروس، كما في قصة «انعتاق» الحاملة لعنوان المجموعة نفسه:

«كان مقيدا في كل شيء. ذهب نحو البحر. طائر نورس يحلق بعيدا بعيدا جدا. جلس بالقرب من قارب. فك رباطة، ثم ترك الحبل على القارب». (المجموعة، ص 15) مرورا بعناوين عدة أخرى مثل: معايرة، أصيل، رجوع وغيرها، نجد ان العناوين هنا جاءت في الغالب كلمات مفردة، أو في الغالب كلمتين، جميعها أتت أسماء نكرات، ماعدى الجملة الفعلية الوحيدة «يوجد هنا»، ما يحيلها إلى الطابع الفردي، والانطلاق من حالات فردية محضة، و يبعد المجموعة القصصية من طابع التعميم في المجتمع، أو إكثار الحالات الجماعية الممارسة للفساد، لكي يكون أكثر إقناعا من جانب، ومن جانب آخر فهو يقدم صوراً فردية متعددة ومتخصصة في مناطق الخراب، ليقول بشكل نهائي في نهاية المجموعة، هذا أرشيف لغوي كتابي بظواهر فساد عديدة في المجتمع، فما عليكم إلا أن تتفكروا في مايدور حولكم من فساد ينخر في عظم المجتمع الفاضل ظاهريا والفاسد في عمقه.



اللغة

لغة المجموعة أتت بشكل سلس متناسق جميل ومكثف، فالقاص هنا لم يعمد إلى الزخرفة اللغوية المطرزة بالكلام البلاغي والبياني البحت على حساب الفكرة والمضمون نفسه، ولم يدخل في دائرة جمع المتنافرات من الألفاظ في سياق لغوي واحد، فيدخله في مساءلة منطقية حول عدم إمكانية تجاور هذه المفردات في هذا النص، وحتى الأساليب البيانية وهي قليلة في النص هنا أتت لتؤدي غرضا دلالاليا معينا في النص، واختيار العناوين كذلك لم تأت اعتباطيا في النص ولكنها كانت تدل بصورة مباشرة أو رمزية على معنى النص وتضيء جوانب النص، ما يعني ان القاص هنا كان اقتصاديا في لغته بوضع يتناسب وآليات بناء الأقصوصة.



معاول حفر الفساد

أكثر ما هو لافت للانتباه في المجموعة، بشكل واضح، هو الجرأة على البوح، وتسليط الضوء بصراحة على مظاهر الفساد في المجتمع بإشارات قد تنبثق من كلمة واحدة في نهاية القصة، فتحيل إلى مفاجأة، وتصور مغاير لنمط من أنماط الحياة الإنسانية، وكانت أهم معاول حفر الفساد في المجموعة هو رصد بنية التضاد وروح المفارقة في النص، التي تكتشف إما عن طريق الصدفة، في فضاء الحكاية أو عن طريق وعي وإدراك المتلقي، كما جاءت آلية الحلم لبوح الشخصيات عما تعجز عن تحقيقه على أرض الواقع، فمن بنية التضاد في القصص، قصة «إخلاص» حيث الزوج يقدم مالاً لامرأة فاتنة غير زوجته في المطعم، ثم يمسح «الرسالة من هاتفه الجوال، والتي كانت: زوجي العزيز، فاطمة الصغيرة في المشفى.

علينا رد المال المستدان منذ يومين.

سلامي وإخلاصي». (المجموعة، ص 24)

فمن يقرأ القصة ويراه جالسا في أريحية مغازلا امرأة فاتنة، ودافعا إليها بالمال، يستغرب تناقض موقفه الإنساني بمسحه لرسالة زوجته المخلصة، التي تطلب منه دفع المال المستحق مقابل مكوث ابنتهما في المستشفى!

مجموعة «انعتاق»، مجموعة قصصية مستحقة القراءة لسببين السبب الأول: الطرح المتعدد لقضايا إنسانية مهمة والمصورة بدقة شديدة، والسبب الثاني: تحقيق القاص لمتعة سردية قصصية متقنة بشكل كبير ولافت للنظر، فتوازن الموضوعي مع الشكل في المجموعة يحقق متعة في التلقي تستدعي القراءة والتأمل.



* ناقدة وكاتبة كويتية.

تويتر: Su_ad81@

- عبدالرحمن سعد، «انعتاق»، مجموعة قصصية، بيت اقرأني للنشر، الطبعة الأولى 2012.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي