وليد الرجيب / أصبوحة / «شنكتب؟!»

تصغير
تكبير
أتذكر عندما فرضت الرقابة المسبقة على الصحف والمطبوعات عام 1986م بعد حل مجلس الأمة وتعليق العمل بالدستور، أتذكر تلك الأيام السوداء التي عشنا خلالها هاجس التضييق على الحريات، والشعور بأننا لم نعد نعيش بالكويت «بلاد العرب» وملاذهم وبلد الديموقراطية والحرية والرخاء.

وأتذكر أن المرحوم الدكتور أحمد الربعي كان وقتها يكتب في جريدة الوطن حيث كان يرأس تحريرها آنذاك المرحوم محمد مساعد الصالح، وفي يوم ما أراني الربعي نسخة من جريدة الوطن وهو يهزها أمامي دلالة هزالتها وقلة أوراقها وضعف موضوعاتها، قال وهو يبتسم ابتسامة مرة وساخرة في الوقت نفسه: «تخيل أن الرقيب يشطب كل كلمة «ديموقراطية» تصادفه دون معرفة سياقها في الجملة وبغض النظر عن الموضوع» واستطرد: «شنكتب؟!»، وذكر لي أنه عنف الرقيب الشاب قائلاً له: «أليس عيباً عليك وأنت شاب متعلم أن تلعب هذا الدور المخزي تجاه وطنك؟» ولكن الشاب أنزل رأسه ولم يجب.

كما ذكر لي رحمة الله عليه وهو المعروف بطرافته وذكائه الحاد، أنه في تلك الأيام كانت تلاحقه سيارة يستقلها اثنان من رجال المباحث حيثما ذهب، وكان معروفاً بسرعة تحركه لدرجة أن أصدقاءه كانوا يقولون مازحين: «انك تجده في عشرة أماكن في الوقت نفسه»، يقول الربعي: «أشفقت على رجلي المباحث فذهبت إليهما وهما يجلسان في السيارة ووسط ذهولهما قلت لهما أنا أذهب إلى أماكن عديدة في نفس اليوم وأشفق عليكما من ملاحقتي المجهدة، فأنا الآن سأذهب إلى المكان الفلاني ثم إلى المكان الفلاني..الخ واقترح أن تعودا وتكتبا تقريراً إلى مسؤولكما عن الأماكن التي سأقصدها، وأتمنى أن تخبرا مسؤولكما أن تطور المباحث اسلوب مراقبتها الذي بات كل الكويتيين يعرفونه».

تذكرت تلك الأوقات المرة والمثيرة للسخرية بعد أن قرر الكاتب السياسي الأستاذ أحمد الديين التوقف عن الكتابة في جريدة «عالم اليوم» لضيق الهامش المتاح في الصحافة بسبب الأوضاع السياسية، كما توقف الكاتب الجميل والساخر الأستاذ عبد الهادي الجميل عن الكتابة في الجريدة نفسها بعد أن تعرض مقاله الأخير إلى التشويه والاجتزاء، كما أن جريدة «الراي» كانت قد رفضت في الأسبوع الماضي نشر مقال لي عبارة عن ملاحظات جمعتها منذ خمس سنوات حول سيكولوجية وسلوك الجماهير في أوروبا والدول العربية، وسيكولوجية الحكومات وسلوكها في هذه الدول والمجتمعات منذ العام 2008م، وهو أقرب إلى الدراسة العلمية.

صحيح أنه لا توجد الآن رقابة مسبقة على الصحف والمطبوعات، ولكن يبدو أن الرقابة الذاتية قد ارتفعت إلى سقف عال جداً في بعض الصحف، رغم أن الموضوعات نفسها كانت تكتب وتنشر من دون أي مشكلة في السابق، والأمر بالطبع يختلف من جريدة لأخرى لأن الأمر يتعلق بأشخاص العاملين بالصحف ولا يتعلق بقانون، وبذلك أصبح السائد من المقالات ذا لون واحد واتجاه واحد وموقف سياسي واحد وهذا لا يمثل الرأي العام الكويتي تمثيلاً صحيحاً.

وأنا متيقن أن الأمر لن يستمر طويلاً، وستعود الكويت وصحافتها إلى بهاء حرية الكلمة المسؤولة، كما أن الزمن قد تغير وهناك وسائل للنشر الالكتروني وغيرها، وكما ردد لي الدكتور أحمد الربعي في تلك السنوات السوداء: «ستعود الكويت كما كانت لأن هذه الحلة ضيقة عليها، ولن تظل البلد مرتاحة حتى تعود إلى حلتها المريحة والجميلة».



وليد الرجيب

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي