احذروا إيران إذا لم يعد لديها ما تخسره...
ماذا لو أُغلقَ «هرمز»؟ ... الكويت من الأكثر تأثراً
| إعداد علاء الفروخ |
كانت ناقلة النفط «إم ستار» تمضي في طريقها بسلاسة للخروج من الخليج، ولكن بعد دقائق من منتصف الليل بدأت بالترنح بشكل مفاجئ في المياه العُمانية.
وقال قبطان الناقلة وبعض من أفراد طاقمه، وهم نحو 30 شخصا من الجنسيتين الهندية والفيليبينية، إنهم لمحوا وميضا، سرعان ما تبعه ما بدا وكأنه انفجار.
الناقلة ذات الطبقات المزدوجة، التي تحمل نحو مليوني برميل من النفط الخام، استطاعت تخطي خطر الانفجار، ولكن الضرر كان مرئيا من الداخل. وأمر قبطان الناقلة بتغيير فوري لمسارها ليتجه إلى ميناء الفجيرة الأقرب في دولة الإمارات العربية المتحدة. وعندما ألقت السفينة بالمرساة، عثر طاقم الناقلة على فتحة عرضها 11 مترا، وبعمق متر واحد في ميمنة الناقلة فوق سطح الماء بقليل، تبين أنها من آثار الانفجار.
ولا يزال الغموض يكتنف الحادث. فبحسب شركة «ميتسوي او اس كي لاينز»، مالكة الناقلة، يبدو أن الناقلة تعرضت إلى «هجوم من مصادر خارجية». ولكن مهما كان الذي حدث في تلك الليلة في شهر يوليو من العام 2010، فإن الانفجار الذي ضرب الناقلة العملاقة بطول 330 مترابيعد بمثابة تذكير بالمخاطر الموجودة في مضيق هرمز، حلقة الوصل الأكثر حيوية في العالم بالنسبة لمصادر الطاقة، إذ يعبر نحو 35 في المئة من نفط العالم الخام المحمول بحرا عبر النقطة الضيقة، التي يبلغ عرضها 21 ميلا بحريا، بين إيران وسلطنة عمان.
وفي حالة «إم ستار»، نأت طهران بنفسها بسرعة عن الانفجار، قائلة: «لا بد وأنه كان حادثا». بيد أنه وبعد عامين لاحقين، لم يحدث إلا أن زادت المخاوف في شأن إيران.
«النووي» الإيراني
ازدادت العقوبات المفروضة على إيران بشأن برنامجها النووي إحكاما، وبدأ الشعور بآثارها في جميع أنحاء البلاد. وتتزايد المخاوف من أن القيادة الإيرانية، التي تواجه تصاعدا في الاضطرابات الداخلية في شأن التضخم المتزايد، بما لديها القليل لتخسره من خلال «سياسة حافة الهاوية» في المضيق الآن، إذ تقلص دخل البلاد من إنتاج وتصدير النفط إلى حد كبير. فلسنوات عدة، اعتاد تجار النفط على لغة الخطاب الإيرانية، التي لطالما وقفت مستعدة لمفاجئة أسواق الطاقة العالمية، من خلال إغلاق الممر البحري ردا على العقوبات أو على أي هجوم إسرائيلي، إذ أعربوا عن شكوكهم في أن هذا الأمر قد يشعل فتيل أزمة، في منطقة مهمة للغاية بالنسبة لبقائها الاقتصادي. ولكن تراجع صادرات النفط الإيراني يعني أن طهران «المحاصرة» قد تشعل مواجهة في المضيق، ليس كدفاع عن النفس، بل كمقامرة محسوبة.
ونظرا لتراجع الاقتصاد الإيراني المترنح، تنفق الحكومات أكثر للفت الانتباه إلى ماهية تهديدات طهران وتأثيرها على إمدادات تلك الحكومات من النفط الخام. فقد نفذت الدول الغربية، الشهر الماضي فقط، أكبر عملية إزالة ألغام في منطقة الخليج، مشددة على الأهمية الحاسمة لحماية مضيق هرمز.
كما أنفقت الحكومات، بما في ذلك حكومة المملكة العربية السعودية، مليارات على خطوط الأنابيب لتجاوز مضيق هرمز، وتسريع العمل على مدى الأشهر الـ18 الماضية. بالإضافة إلى ذلك، تعكف هذه الحكومات على تشييد وبناء مرافق تخزين النفط بالقرب من الأسواق الرئيسية، في محاولة لضمان إمدادات النفط، حتى في حالة نشوب نزاع عسكري.
ففي وقت سابق من العام الحالي، دشنت الرياض وأبو ظبي خطوط أنابيب جديدة من شأنها أن تزيد من قدرة بلديهما على تجاوز مضيق هرمز. وستكون هذه الأنابيب، التي تعمل بكامل طاقتها بواقع 6.5 مليون برميل يوميا أي نحو 40 في المئة من إجمالي التدفقات، قادرة على سلوك طرق بديلة. ويقول إدوارد مورس، رئيس قسم أبحاث السلع في بنك «سيتي غروب» الأميركي ونائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون سياسة الطاقة الدولية سابقا، إن «الشرق الأوسط أصبح الآن أفضل استعدادا مما كان عليه العام الماضي، للتخفيف من أثر أي اضطراب قد ينشب في مضيق هرمز».
وعلى الرغم من هذه المشاريع الجديدة، فإن الغالبية العظمى من تجارة النفط المنقولة بحرا ستبقى تحت رحمة مضيق هرمز. فالكويت وقطر والبحرين وإيران نفسها لا تمتلك طرقا بديلة يمكنها من خلالها شحن نفطها.
ويؤكد وزير الخارجية الأميركي الأسبق سايروس فانس أنه من الصعب المبالغة بأهمية دور الممرات المائية في أسواق الطاقة. فهي «حبل الوريد» للاقتصاد العالمي، على حد وصف فانس.
وخنق ذاك الوريد قد دفع أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات من شأنها أن تعرض النمو الاقتصادي في جميع أنحاء العالم للخطر. ويقول ديفيد غولدوين، المستشار في واشنطن، وحتى وقت قريب، الديبلوماسي المسؤول عن شؤون النفط في وزارة الخارجية الأميركية، إن مضيق هرمز هو «الأعلى في قائمة المخاطر» بالنسبة إلى المخططين العسكريين ومخططي الطاقة، مبينا أنه «واحد من أكبر نقاط الضعف لدينا من حيث إمدادات النفط».
في العام الماضي، تم إنتاج ما يقرب من 17 مليون برميل نفط يوميا في الإمارات، وقطر، والبحرين، والمملكة العربية السعودية، والكويت، والعراق، وإيران، عبرت جميعها من خلال المضيق.
وعلاوة على ذلك، يتم تحويل نحو تريليوني قدم مكعب سنويا من الغاز الطبيعي المسال- أو الغاز فائق التبريد، إلى سائل بحيث يمكن شحنها بحرا عبر مضيق هرمز، أي ما يعادل 20 في المئة تقريبا من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.
فالتجارة على مثل هذا المستوى، ترجح كفة نفوذ الجيش الإيراني. فقد أكد قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري الشهر الماضي أنه «إذا اندلعت الحرب في المنطقة وشاركت فيها إيران، فمن الطبيعي أن يواجه مضيق هرمز وسوق الطاقة صعوبات». وفي العام الماضي، أطلق أميرال إيراني تصريحا ساخرا، قائلا إن «إيران تستطيع إغلاق مضيق هرمز بسهولة أكثر من شرب كوب من الماء».
ولطالما كان تجار الطاقة على ثقة بأن تهديدات إيران كانت عبارة عن ثرثرة، وتهدف إلى منع إسرائيل والولايات المتحدة من تنفيذ ضربات جوية ضد منشآتها النووية، إذ يعد مضيق هزمز بوابة ليس فقط لجميع صادرات ايران النفطية، ولكن أيضا لكثير من وارداتها الغذائية. وبرز في الآونة الأخيرة «خطر ضئيل» بأن إيران مستعدة للمخاطرة بدخول صراع، ولكن تراجع اقتصاد البلاد بدأ يشكل مصدر قلق لصانعي السياسة.
وتعد صناعة إيران المتراجعة من النفط الخام مصدر قلق خاص. فالعقوبات تعني أن الإنتاج يتناقص بسرعة، ليصل في الآونة الأخيرة إلى أدنى مستوى منذ 22 عاما. وانخفضت صادراتها من 2.4 مليون برميل يوميا في أوائل العام 2011 إلى 0.8 ألف برميل يوميا في أغسطس. وإذا انخفضت الصادرات إلى أقل من ذلك، فإن الدافع الإيراني لإغلاق مضيق سينمو أكثر لأنها لن تقلق كثيرا على تدفق النفط.
ويواجه الرئيس محمود أحمدي نجاد أيضا السياسة الداخلية المضطربة على نحو متزايد مع السياسيين المحافظين ورجال الأعمال، ليتصاعد الصراع على السلطة قبل الانتخابات في العام المقبل. فقد نفذ تجار، الأسبوع الجاري، إضرابا احتجاجا على تدني قيمة التومان الإيراني.
وفي ظل المخاوف من أن يسعى نجاد إلى خلق تحول في المنطقة من خلال قرع طبول الحرب، يقول صناع السياسات إن إيران يمكن أن تجد بسهولة سبلا لتعطيل إمدادات الطاقة العالمية من دون هجوم مباشر. ويجادل البعض أنها يمكنها أن تستقل كل ناقلة نفط تعبر مياهها الاقليمية تحت ذرائع كثير، مثل التفتيش عن تهريب الأسلحة، فيما يخشى آخرون أن تستخدم «وكلاء» لخوض حربها نيابة عنها، عبر منظمات إرهابية تنفذ هجمات معينة. هذه الأعمال على قد تعطل تدفقات النفط وترفع الأسعار. وقد تحقق طهران نصرا مزدوجا: الاستمرار في بيع ما تبقى من مشتقاتها النفطية مع الاستفادة من ارتفاع الأسعار.
ويقول المحلل المختص بشؤون النفط في شركة «إنرجي آسبكتس» بلندن أمريتا سين، إن الضغوط الداخلية والانهيار الاقتصادي قد يجبران طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي. وأضاف «لكن، من جهة أخرى، قد يجعل هذان الأمران من المرجح أن يقدم أحمدي نجاد على عمل استفزازي».
وفي سعيها إلى مواجهة النفوذ الإيراني، تعزز العديد من الدول وجودها العسكري في منطقة الخليج، إذ تضمنت مناورات سبتمبر العشرات من تشكيلات السفن الحربية، ومن بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وفرنسا ونيوزيلندا وهولندا وايطاليا واستراليا وكندا.
وشدد اللفتنانت غريغ رايلسون، المتحدث باسم الأسطول الخامس الأميركي الذي يبقي في أغلب الأحيان على واحدة من حاملات الطائرات في الخليج، على أن مضيق هرمز ممر حاسم لـ«اقتصادات الوقود في جميع أنحاء العالم».
يكاد يكون من المستحيل حساب تكلفة حراسة الخليج، ولكن الرئيس التنفيذي لشركة طاقة المستقبل شريف عبد المسيح يقدم تقديرات تقريبية، ويقول إن الولايات المتحدة تنفق نحو 90 مليار دولار على أسطولها الخامس في البحرين، أو نحو 15 دولارا للبرميل الذي يعبر مضيق هرمز.
وفي ما توفر واشنطن وحلفاؤها في «الناتو» الجزء الأكبر من الوجود البحري في مضيق هرمز، تبرز دعوات بشكل متكرر للبلدان الآسيوية للعب دور أكبر لأنها تعتمد بشكل متزايد على مضيق هرمز. ففي العام الماضي، عبر 16 في المئة من نفط الولايات المتحدة المضيق، انخفاضا من 24.5 في المئة في العام 1990. في غضون ذلك، ارتفع اعتماد الهند والصين على مضيق باطراد، إذ وصلت إجمالي وارداتها النفطية في العام الماضي إلى 63 و42 في المئة على التوالي. ومن بين البلدان المتقدمة، اليابان هي الأكثر تأثرا، إذ تمر 82 في المئة من وارداتها عبر مضيق هرمز.
وبالإضافة إلى تحسين الاستعداد العسكري، أحد الردود على المخاوف في شأن هرمز يمكن رؤيتها في الكثبان الرملية بالصحراء تحت الجبال في ضواحي الفجيرة.
ثمانية خزانات بيضاء تقف على موقع بناء صاخب، قطر كل واحد منها يبلغ 110 امتار، أو بطول ملعب لكرة القدم. معا تستطيع حمل 8 ملايين برميل من النفط الخام، وهي حمولة تكفي لتزويد دولة أوروبية متوسطة الحجم مثل بلجيكا لمدة أسبوعين. هذه السفن الهائلة الجديدة ترسو في نهاية خط أنابيب بطول 370 كيلو مترا يربط حقول النفط بالقرب من أبو ظبي مع ميناء الفجيرة في المحيط الهندي. ويمتلك خط الأنابيب، الذي تكلف مده 3.5 مليار دولار، القدرة على استيعاب 1.5 مليون برميل يوميا، أو نحو 55 في المئة من صادرات البلاد.
مثل هذه المحاولات لإيجاد سبل لتجاوز مضيق هرمز ليست بمحاولات نادرة. فقد حولت المملكة العربية السعودية خط أنابيب استخدم، حتى الآن، لنقل الغاز الطبيعي حتى تتمكن من نقل النفط الخام. ويمتد خط الأنابيب، الذي يبلغ طوله 1200 كيلو متر مربع، ويمكنه نقل ما يصل إلى مليوني برميل يوميا، أو 25 في المئة من صادرات النفط في البلاد، من حقول النفط في المنطقة الشرقية على ساحل الخليج، إلى المحطة بالقرب من ينبع على البحر الأحمر. وتم بناء خط الأنابيب، بعرض 48 إنشا، في بداية الثمانينات خلال الحرب الإيرانية العراقية، عندما هاجم الجانبان ناقلات النفط في الخليج، لنقل النفط الخام كجزء مما يسمى بخط النفط الشرقي الغربي (إيست وست بترولاين). ولاحقا تم تحويل الخط لنقل الغاز الطبيعي، لكن الرياض طورت الآن هذا الخط بهدوء لنقل خامها. ويقول مسؤولون كبار في صناعة النفط إن شركة «أرامكو» السعودية أخذت المسار السريع للمشروع، مع قلق بسيط في شأن التكلفة.
وبالتوازي مع هذا الخط إلى البحر الأحمر، تمتلك المملكة العربية السعودية أيضا أكبر رابط بديل: خط أنابيب بعرض 56 إنشا، أنشئ قبل ثلاثة عقود كجزء من نظام «بترولاين»، والتي يمكن أن يحمل 3 ملايين برميل من النفط يوميا.
ويمتلك العراق خط أنابيب بطول 970 كيلو مترا مربعا يربط حقولها النفطية الشمالية بميناء جيهان التركي في البحر المتوسط. ويحظى خط الأنابيب المزدوج بقدرة استيعاب إسمية تبلغ 1.6 مليون برميل يوميا، ولكن افتقاره للصيانة اللازمة وتعرضه للهجمات باستمرار قلص قدرته الاستيعابية إلى 400 ألف برميل يوميا.
وبالإضافة إلى ذلك، يوجد خطوط أنابيب أخرى عديدة في المنطقة، ولكن بعضها تضرر أو دمر تقريبا. فالعراق، على سبيل المثال، تنقل 300 ألف برميل يوميا عبر خط أنابيب يربط حقول النفط في الشمال مع ميناء بانياس السوري في البحر الأبيض المتوسط. والآن وبعد نصف قرن من الزمان، أصبح «خارج الخدمة» بعد أن فجره الجيش الأميركي في العام 2003. وأخيرا، تمتلك المملكة العربية السعودية خطا منذ 60 عاما، المعروف باسم خط أنابيب عبر السعودية، أو «التابلاين»، ويربط حقولها النفطية الرئيسية مع منفذ صيدا في لبنان على البحر المتوسط، ويعبر الأردن وسورية. ومع ذلك، فقد كان خط الانابيب، بطول 1200 كم، خارج الخدمة لعدة عقود، ويفترض أنه بحكم المدمر.
وحتى لو عملت كل هذه الأنابيب بكامل طاقتها وتم ربطها مع بعضها البعض بإتقان، فإن المشكلة الامنية الأساسية لن تتغير بشكل ملحوظ. فناقلات مثل «إم ستار» لا تزال بحاجة إلى العبور من خلال مضيق هرمز «الضيق». ففي المعدل، تعبر 13 ناقلة نفط عملاقة المضيق يوميا. كل واحدة منها هي «هدف محتمل».
عن «فاينانشال تايمز»
كانت ناقلة النفط «إم ستار» تمضي في طريقها بسلاسة للخروج من الخليج، ولكن بعد دقائق من منتصف الليل بدأت بالترنح بشكل مفاجئ في المياه العُمانية.
وقال قبطان الناقلة وبعض من أفراد طاقمه، وهم نحو 30 شخصا من الجنسيتين الهندية والفيليبينية، إنهم لمحوا وميضا، سرعان ما تبعه ما بدا وكأنه انفجار.
الناقلة ذات الطبقات المزدوجة، التي تحمل نحو مليوني برميل من النفط الخام، استطاعت تخطي خطر الانفجار، ولكن الضرر كان مرئيا من الداخل. وأمر قبطان الناقلة بتغيير فوري لمسارها ليتجه إلى ميناء الفجيرة الأقرب في دولة الإمارات العربية المتحدة. وعندما ألقت السفينة بالمرساة، عثر طاقم الناقلة على فتحة عرضها 11 مترا، وبعمق متر واحد في ميمنة الناقلة فوق سطح الماء بقليل، تبين أنها من آثار الانفجار.
ولا يزال الغموض يكتنف الحادث. فبحسب شركة «ميتسوي او اس كي لاينز»، مالكة الناقلة، يبدو أن الناقلة تعرضت إلى «هجوم من مصادر خارجية». ولكن مهما كان الذي حدث في تلك الليلة في شهر يوليو من العام 2010، فإن الانفجار الذي ضرب الناقلة العملاقة بطول 330 مترابيعد بمثابة تذكير بالمخاطر الموجودة في مضيق هرمز، حلقة الوصل الأكثر حيوية في العالم بالنسبة لمصادر الطاقة، إذ يعبر نحو 35 في المئة من نفط العالم الخام المحمول بحرا عبر النقطة الضيقة، التي يبلغ عرضها 21 ميلا بحريا، بين إيران وسلطنة عمان.
وفي حالة «إم ستار»، نأت طهران بنفسها بسرعة عن الانفجار، قائلة: «لا بد وأنه كان حادثا». بيد أنه وبعد عامين لاحقين، لم يحدث إلا أن زادت المخاوف في شأن إيران.
«النووي» الإيراني
ازدادت العقوبات المفروضة على إيران بشأن برنامجها النووي إحكاما، وبدأ الشعور بآثارها في جميع أنحاء البلاد. وتتزايد المخاوف من أن القيادة الإيرانية، التي تواجه تصاعدا في الاضطرابات الداخلية في شأن التضخم المتزايد، بما لديها القليل لتخسره من خلال «سياسة حافة الهاوية» في المضيق الآن، إذ تقلص دخل البلاد من إنتاج وتصدير النفط إلى حد كبير. فلسنوات عدة، اعتاد تجار النفط على لغة الخطاب الإيرانية، التي لطالما وقفت مستعدة لمفاجئة أسواق الطاقة العالمية، من خلال إغلاق الممر البحري ردا على العقوبات أو على أي هجوم إسرائيلي، إذ أعربوا عن شكوكهم في أن هذا الأمر قد يشعل فتيل أزمة، في منطقة مهمة للغاية بالنسبة لبقائها الاقتصادي. ولكن تراجع صادرات النفط الإيراني يعني أن طهران «المحاصرة» قد تشعل مواجهة في المضيق، ليس كدفاع عن النفس، بل كمقامرة محسوبة.
ونظرا لتراجع الاقتصاد الإيراني المترنح، تنفق الحكومات أكثر للفت الانتباه إلى ماهية تهديدات طهران وتأثيرها على إمدادات تلك الحكومات من النفط الخام. فقد نفذت الدول الغربية، الشهر الماضي فقط، أكبر عملية إزالة ألغام في منطقة الخليج، مشددة على الأهمية الحاسمة لحماية مضيق هرمز.
كما أنفقت الحكومات، بما في ذلك حكومة المملكة العربية السعودية، مليارات على خطوط الأنابيب لتجاوز مضيق هرمز، وتسريع العمل على مدى الأشهر الـ18 الماضية. بالإضافة إلى ذلك، تعكف هذه الحكومات على تشييد وبناء مرافق تخزين النفط بالقرب من الأسواق الرئيسية، في محاولة لضمان إمدادات النفط، حتى في حالة نشوب نزاع عسكري.
ففي وقت سابق من العام الحالي، دشنت الرياض وأبو ظبي خطوط أنابيب جديدة من شأنها أن تزيد من قدرة بلديهما على تجاوز مضيق هرمز. وستكون هذه الأنابيب، التي تعمل بكامل طاقتها بواقع 6.5 مليون برميل يوميا أي نحو 40 في المئة من إجمالي التدفقات، قادرة على سلوك طرق بديلة. ويقول إدوارد مورس، رئيس قسم أبحاث السلع في بنك «سيتي غروب» الأميركي ونائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون سياسة الطاقة الدولية سابقا، إن «الشرق الأوسط أصبح الآن أفضل استعدادا مما كان عليه العام الماضي، للتخفيف من أثر أي اضطراب قد ينشب في مضيق هرمز».
وعلى الرغم من هذه المشاريع الجديدة، فإن الغالبية العظمى من تجارة النفط المنقولة بحرا ستبقى تحت رحمة مضيق هرمز. فالكويت وقطر والبحرين وإيران نفسها لا تمتلك طرقا بديلة يمكنها من خلالها شحن نفطها.
ويؤكد وزير الخارجية الأميركي الأسبق سايروس فانس أنه من الصعب المبالغة بأهمية دور الممرات المائية في أسواق الطاقة. فهي «حبل الوريد» للاقتصاد العالمي، على حد وصف فانس.
وخنق ذاك الوريد قد دفع أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات من شأنها أن تعرض النمو الاقتصادي في جميع أنحاء العالم للخطر. ويقول ديفيد غولدوين، المستشار في واشنطن، وحتى وقت قريب، الديبلوماسي المسؤول عن شؤون النفط في وزارة الخارجية الأميركية، إن مضيق هرمز هو «الأعلى في قائمة المخاطر» بالنسبة إلى المخططين العسكريين ومخططي الطاقة، مبينا أنه «واحد من أكبر نقاط الضعف لدينا من حيث إمدادات النفط».
في العام الماضي، تم إنتاج ما يقرب من 17 مليون برميل نفط يوميا في الإمارات، وقطر، والبحرين، والمملكة العربية السعودية، والكويت، والعراق، وإيران، عبرت جميعها من خلال المضيق.
وعلاوة على ذلك، يتم تحويل نحو تريليوني قدم مكعب سنويا من الغاز الطبيعي المسال- أو الغاز فائق التبريد، إلى سائل بحيث يمكن شحنها بحرا عبر مضيق هرمز، أي ما يعادل 20 في المئة تقريبا من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.
فالتجارة على مثل هذا المستوى، ترجح كفة نفوذ الجيش الإيراني. فقد أكد قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري الشهر الماضي أنه «إذا اندلعت الحرب في المنطقة وشاركت فيها إيران، فمن الطبيعي أن يواجه مضيق هرمز وسوق الطاقة صعوبات». وفي العام الماضي، أطلق أميرال إيراني تصريحا ساخرا، قائلا إن «إيران تستطيع إغلاق مضيق هرمز بسهولة أكثر من شرب كوب من الماء».
ولطالما كان تجار الطاقة على ثقة بأن تهديدات إيران كانت عبارة عن ثرثرة، وتهدف إلى منع إسرائيل والولايات المتحدة من تنفيذ ضربات جوية ضد منشآتها النووية، إذ يعد مضيق هزمز بوابة ليس فقط لجميع صادرات ايران النفطية، ولكن أيضا لكثير من وارداتها الغذائية. وبرز في الآونة الأخيرة «خطر ضئيل» بأن إيران مستعدة للمخاطرة بدخول صراع، ولكن تراجع اقتصاد البلاد بدأ يشكل مصدر قلق لصانعي السياسة.
وتعد صناعة إيران المتراجعة من النفط الخام مصدر قلق خاص. فالعقوبات تعني أن الإنتاج يتناقص بسرعة، ليصل في الآونة الأخيرة إلى أدنى مستوى منذ 22 عاما. وانخفضت صادراتها من 2.4 مليون برميل يوميا في أوائل العام 2011 إلى 0.8 ألف برميل يوميا في أغسطس. وإذا انخفضت الصادرات إلى أقل من ذلك، فإن الدافع الإيراني لإغلاق مضيق سينمو أكثر لأنها لن تقلق كثيرا على تدفق النفط.
ويواجه الرئيس محمود أحمدي نجاد أيضا السياسة الداخلية المضطربة على نحو متزايد مع السياسيين المحافظين ورجال الأعمال، ليتصاعد الصراع على السلطة قبل الانتخابات في العام المقبل. فقد نفذ تجار، الأسبوع الجاري، إضرابا احتجاجا على تدني قيمة التومان الإيراني.
وفي ظل المخاوف من أن يسعى نجاد إلى خلق تحول في المنطقة من خلال قرع طبول الحرب، يقول صناع السياسات إن إيران يمكن أن تجد بسهولة سبلا لتعطيل إمدادات الطاقة العالمية من دون هجوم مباشر. ويجادل البعض أنها يمكنها أن تستقل كل ناقلة نفط تعبر مياهها الاقليمية تحت ذرائع كثير، مثل التفتيش عن تهريب الأسلحة، فيما يخشى آخرون أن تستخدم «وكلاء» لخوض حربها نيابة عنها، عبر منظمات إرهابية تنفذ هجمات معينة. هذه الأعمال على قد تعطل تدفقات النفط وترفع الأسعار. وقد تحقق طهران نصرا مزدوجا: الاستمرار في بيع ما تبقى من مشتقاتها النفطية مع الاستفادة من ارتفاع الأسعار.
ويقول المحلل المختص بشؤون النفط في شركة «إنرجي آسبكتس» بلندن أمريتا سين، إن الضغوط الداخلية والانهيار الاقتصادي قد يجبران طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي. وأضاف «لكن، من جهة أخرى، قد يجعل هذان الأمران من المرجح أن يقدم أحمدي نجاد على عمل استفزازي».
وفي سعيها إلى مواجهة النفوذ الإيراني، تعزز العديد من الدول وجودها العسكري في منطقة الخليج، إذ تضمنت مناورات سبتمبر العشرات من تشكيلات السفن الحربية، ومن بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وفرنسا ونيوزيلندا وهولندا وايطاليا واستراليا وكندا.
وشدد اللفتنانت غريغ رايلسون، المتحدث باسم الأسطول الخامس الأميركي الذي يبقي في أغلب الأحيان على واحدة من حاملات الطائرات في الخليج، على أن مضيق هرمز ممر حاسم لـ«اقتصادات الوقود في جميع أنحاء العالم».
يكاد يكون من المستحيل حساب تكلفة حراسة الخليج، ولكن الرئيس التنفيذي لشركة طاقة المستقبل شريف عبد المسيح يقدم تقديرات تقريبية، ويقول إن الولايات المتحدة تنفق نحو 90 مليار دولار على أسطولها الخامس في البحرين، أو نحو 15 دولارا للبرميل الذي يعبر مضيق هرمز.
وفي ما توفر واشنطن وحلفاؤها في «الناتو» الجزء الأكبر من الوجود البحري في مضيق هرمز، تبرز دعوات بشكل متكرر للبلدان الآسيوية للعب دور أكبر لأنها تعتمد بشكل متزايد على مضيق هرمز. ففي العام الماضي، عبر 16 في المئة من نفط الولايات المتحدة المضيق، انخفاضا من 24.5 في المئة في العام 1990. في غضون ذلك، ارتفع اعتماد الهند والصين على مضيق باطراد، إذ وصلت إجمالي وارداتها النفطية في العام الماضي إلى 63 و42 في المئة على التوالي. ومن بين البلدان المتقدمة، اليابان هي الأكثر تأثرا، إذ تمر 82 في المئة من وارداتها عبر مضيق هرمز.
وبالإضافة إلى تحسين الاستعداد العسكري، أحد الردود على المخاوف في شأن هرمز يمكن رؤيتها في الكثبان الرملية بالصحراء تحت الجبال في ضواحي الفجيرة.
ثمانية خزانات بيضاء تقف على موقع بناء صاخب، قطر كل واحد منها يبلغ 110 امتار، أو بطول ملعب لكرة القدم. معا تستطيع حمل 8 ملايين برميل من النفط الخام، وهي حمولة تكفي لتزويد دولة أوروبية متوسطة الحجم مثل بلجيكا لمدة أسبوعين. هذه السفن الهائلة الجديدة ترسو في نهاية خط أنابيب بطول 370 كيلو مترا يربط حقول النفط بالقرب من أبو ظبي مع ميناء الفجيرة في المحيط الهندي. ويمتلك خط الأنابيب، الذي تكلف مده 3.5 مليار دولار، القدرة على استيعاب 1.5 مليون برميل يوميا، أو نحو 55 في المئة من صادرات البلاد.
مثل هذه المحاولات لإيجاد سبل لتجاوز مضيق هرمز ليست بمحاولات نادرة. فقد حولت المملكة العربية السعودية خط أنابيب استخدم، حتى الآن، لنقل الغاز الطبيعي حتى تتمكن من نقل النفط الخام. ويمتد خط الأنابيب، الذي يبلغ طوله 1200 كيلو متر مربع، ويمكنه نقل ما يصل إلى مليوني برميل يوميا، أو 25 في المئة من صادرات النفط في البلاد، من حقول النفط في المنطقة الشرقية على ساحل الخليج، إلى المحطة بالقرب من ينبع على البحر الأحمر. وتم بناء خط الأنابيب، بعرض 48 إنشا، في بداية الثمانينات خلال الحرب الإيرانية العراقية، عندما هاجم الجانبان ناقلات النفط في الخليج، لنقل النفط الخام كجزء مما يسمى بخط النفط الشرقي الغربي (إيست وست بترولاين). ولاحقا تم تحويل الخط لنقل الغاز الطبيعي، لكن الرياض طورت الآن هذا الخط بهدوء لنقل خامها. ويقول مسؤولون كبار في صناعة النفط إن شركة «أرامكو» السعودية أخذت المسار السريع للمشروع، مع قلق بسيط في شأن التكلفة.
وبالتوازي مع هذا الخط إلى البحر الأحمر، تمتلك المملكة العربية السعودية أيضا أكبر رابط بديل: خط أنابيب بعرض 56 إنشا، أنشئ قبل ثلاثة عقود كجزء من نظام «بترولاين»، والتي يمكن أن يحمل 3 ملايين برميل من النفط يوميا.
ويمتلك العراق خط أنابيب بطول 970 كيلو مترا مربعا يربط حقولها النفطية الشمالية بميناء جيهان التركي في البحر المتوسط. ويحظى خط الأنابيب المزدوج بقدرة استيعاب إسمية تبلغ 1.6 مليون برميل يوميا، ولكن افتقاره للصيانة اللازمة وتعرضه للهجمات باستمرار قلص قدرته الاستيعابية إلى 400 ألف برميل يوميا.
وبالإضافة إلى ذلك، يوجد خطوط أنابيب أخرى عديدة في المنطقة، ولكن بعضها تضرر أو دمر تقريبا. فالعراق، على سبيل المثال، تنقل 300 ألف برميل يوميا عبر خط أنابيب يربط حقول النفط في الشمال مع ميناء بانياس السوري في البحر الأبيض المتوسط. والآن وبعد نصف قرن من الزمان، أصبح «خارج الخدمة» بعد أن فجره الجيش الأميركي في العام 2003. وأخيرا، تمتلك المملكة العربية السعودية خطا منذ 60 عاما، المعروف باسم خط أنابيب عبر السعودية، أو «التابلاين»، ويربط حقولها النفطية الرئيسية مع منفذ صيدا في لبنان على البحر المتوسط، ويعبر الأردن وسورية. ومع ذلك، فقد كان خط الانابيب، بطول 1200 كم، خارج الخدمة لعدة عقود، ويفترض أنه بحكم المدمر.
وحتى لو عملت كل هذه الأنابيب بكامل طاقتها وتم ربطها مع بعضها البعض بإتقان، فإن المشكلة الامنية الأساسية لن تتغير بشكل ملحوظ. فناقلات مثل «إم ستار» لا تزال بحاجة إلى العبور من خلال مضيق هرمز «الضيق». ففي المعدل، تعبر 13 ناقلة نفط عملاقة المضيق يوميا. كل واحدة منها هي «هدف محتمل».
عن «فاينانشال تايمز»