لغة الأشياء / أن تخجل من نفسك

تصغير
تكبير
| باسمة العنزي |

هل حدث و أن شعرت بالخجل يتلبسك ويطوقك بدائرة من العجز؟! هل خبرت معنى أن يتبدى لك مكر واقعك ليلقى في دربك أشواك قلة الحيلة؟! هل جربت معنى أن تشعر عميقا بتأنيب الضمير على أخطاء لم ترتكبها؟!

أعترف أني أشعر بالعار وأنا أرقب بعض تفاصيل الجحيم البشري من مجازر وتصفيات وسحق وتعذيب وسجن وتماد في الخصومة وطغيان وهلاك واجرام وعنف وأمية وأوبئة وفقر، أشعر أني مسؤولة بشكل أو بآخر لطالما نحيا على نفس الكوكب ونلتحف ذات السماء. أنا عاجزة عن مد يد المساعدة، كحبة رمل في صحراء قاسية لا يمكنها أن تتحول لقطرة ماء ولا يمكنها أن توقف عبث الريح من حولها.

كلما فتحت صحف الصباح وتجاهلت متعمدة الصور المحزنة والأخبار الباعثة على الضيق، باحثة عما يفرح ويسلي أشعر بالذنب لأنانيتي التي لا تريدني أن أتوقف دقائق أواسي فيها الضحايا بالخفاء قبل أن أبدأ نهاري الطويل.

كلما غيرت القنوات الفضائية التي تبث ما يثبت توحش الجنس البشري، شعرت بأني أحاول أن أنأى بنفسي عن مشاهدة عذابات الآخرين. مخبئة روحي في صندوق زجاجي بارد خوفا عليها من الألم.

في كل مرة تباغتني الصور الحزينة لأخواننا من سورية والبحرين و العراق وبورما والبدون في الكويت أشعر انني اتضاءل خجلا من نفسي في عالم بدأ يفقد بصيرته وبوصلة الرحمة.

ليتني أملك حلولا أنفذها بضربتين من عصا سحرية ترفع منسوب الانسانية وتمح الظلم من الأرض، ليت كل المتعاطفين يملكون صناعة القرار، لكني لا أملك شيئا سوى النوايا الطيبة والكلمات المرتبكة وكلاهما لا يخيط جرحا ولا يبني بيتا ولا يجلب مفقودا ولا يوقف دمعا.

حتى محاولات المواساة الوردية لن تصل للمعنيين بها، وان وصلت ما الذي سيتغير من لون الشقاء الكالح؟!

أنا خجلة لأني على الضفة الأخرى مشغولة بهمومي الصغيرة، متذمرة أحيانا، ولا أجدني في الصورة التي أتمناها لنفسي. في الوقت الذي يخبر غيري أقسى معضلات الحياة ويتمنون الموت فيحاصرون بالمزيد من العذاب وتجرع السم البطيء المفعول في زمن لا تشرق شمسه.

أنا خجلة جدا لأني أرغب دائما في حياة أفضل على جميع المستويات والعالم ينهار كبيت رمل على ساحل مضطرب الأمواج.

أعتذر لكل الضحايا في كل مكان، في زمني هذا الذي عاصرته و كنت شاهدة فيه على أجزاء من الحقيقة المرعبة، أعتذر لأن الحرائق لا يطفئها دلو ماء واحد، والكرامة الانسانية لن تتحول لبذور أزرعها في حقل ناء، و دماء الشوارع لن تزال بقطعة قماش بيضاء!
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي