أنهى «الامتحان» وسلّم نفسه «راضياً»

الأصدقاء رثوا صاحب «شرفة ليلى مراد» ... حلمي سالم

u062du0644u0645u064a u0633u0627u0644u0645r
حلمي سالم
تصغير
تكبير
| القاهرة - «الراي» |
«تعبنا من توالي الامتحانات، فلماذا لا يصدق الناس، أن الأرض واسعة؟ لنعط أنفسنا للمفاجأة، راضين مرضيين»، كلمات نافذة قالها الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، في قصيدته المثيرة للجدل «شرفة ليلى مراد» كأنما كان يستشرف بها أياما صعبة من حياته قضاها عقب العاصفة التي صاحبت كتابته لهذه القصيدة، وجعلت العديد من النقاد والقراء يختصرونه فيها وفي الجدل الذي صاحبها.
تسبب خبر رحيل حلمي سالم، قبل أيام قليلة، في صدمة كبيرة لأصدقائه- وهم كُثر- تعددت ردود الأفعال، فيما كان الحزن الشديد قاسما مشتركا، الشاعر عبد المنعم رمضان لم يستطع الكلام فقط أومأ برأسه، وقال: حزين.. فقدت صديقي، أما الناقد والشاعر شعبان يوسف، فقال: زرته في مركز الكلى الموجود في «وسط البلد» كان عنده أمل شديد جدا في أن الحياة ستستمر، لكنه كان يعاني من العديد من المشاكل عقب عملية استئصال في الرئة، تلتها معاناة من مشكلة في الكلى تطلبت أن يقوم بغسلها، كانت أمنيته الأساسية أن يحظى بعملية زرع كلى، و قد سعينا في لجنة الشعر لذلك، وكنا في طريقنا لبعض الإجراءات لكن عاجلته المنية».
عقب وفاة صديقه العزيز، كتب شعبان يوسف على صفحته الشخصية بموقع فيس بوك: «هل تسمعني؟ أقول لك هل تسمعني؟ استيقظ ياحبيبي، رفاقك الضعاف التهمهم الحزن، ودعناك وكأننا نودع أنفسنا، دموع عبدالمنعم رمضان كانت غزيرة وأيضا سعيد الكفراوي، ويالوعة علاء عبدالهادي وجمال القصاص وزين العابدين فؤاد وصلاح السروي، ياحلمي نحن أضعف من أن نحتمل كل هذا، العقد بالغ في انفراطه، هل يصدق أحد أنني أودع كل هؤلاء في أقل من عام واحد، ياحلمي ودعناك كأننا ودعنا أنفسنا أنت الأخ والحبيب والصديق والرفيق، ستبكي المقاهي التي جلسنا عليها، وستحتج الشوارع التي سرنا فيها، وستقفر القاعات التي صرخنا فيها شعرا ونثرا، وسيفتقدك العالم كله، ياحلمي إلى لقاء قريب وأكيد يارفيق العمر.
كان وقع الخبر على الأصدقاء أكبر مما تصوروا، حتى إنهم نسوا أن يبلغوا الدكتور محمد عبدالمطلب بخبر الوفاة، الأمر الذي أغضبه بشدة، وقال: هل من المعقول أن أعلم بخبر وفاة حلمي سالم من الصحف، كان أمرا قاسيا، لقد كان حلمي من ألمع شعراء مرحلة السبعينات، وهي المرحلة التي أحدثت هزة في مسيرة الشعر العربي، قبلها كانت المدرسة الإحيائية ثم المدرسة الرومانسية، ثم مدرسة الشعر الحر التي بدأ منها حلمي سالم لكنه قاد شعراء السبعينات جميعا إلى قصيدة النثر وعندما قادهم إلى هذا النص الجديد لم يكن تحولا عشوائيا وإنما كان مؤسسا على عقيدة نقدية فلسفية، هي أن الإبداع لا يعيش على الأحادية، إنما يعيش على التعدد، الأمر الثاني أن الإبداع يرفض القواعد السابقة والقوانين السابقة، الأساس الثالث أن النص هو الذي يفرض شروط إنتاجه، بمعنى أن هناك نصا يطلب من شاعره أن يكتبه بالطريقة العمودية، وهناك نص يطلب من الشاعر أن يكتبه بطريقة التفعيلة وهناك نص يفرض على صاحبه أن يكتبه بقصيدة النثر، هذا الذي أسس عليه حلمي سالم انتقاله إلى مرحلة قصيدة النثر.
وأضاف عبد المطلب : بالنظر في مسيرة حلمي سالم الشعرية نجد أنه مر على ثلاث مراحل شعرية، الأولى هي مرحلة التكوين في القرية والمدرسة، وفيها كانت قراءاته تتجه إلى الشعر فقرأ نجيب سرور وعبد الرحمن الشرقاوي واتجه إلى النثر فقرأ نجيب محفوظ ويوسف إدريس، أما المرحلة الثانية وهي مرحلة النشأة وفيها اتسعت رؤيته للواقع وأضاف إلى قراءاته كتاب مختارات شعرية للبارودي، أي أن حلمي سالم كان يقرأ القديم والجديد، ويقرأ الشعر والنثر، ويقرأ العامي والفصيح، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة النضج والاهتمام وهي المرحلة التي جعلت منه واحدا من ألمع شعراء مصر والعالم العربي، وأضاف إلى نجوميته في الشعر نجوميته في الثقافة وقدم مجموعة من الدراسات التي تتناول الحرية وحق الشعوب في الحياة والعدالة الاجتماعية والتسامح والبعد عن التعصب أي أنه تحول من شاعر إلى معلم وكان هذا التحول نتيجة لمشاركته في جميع التجمعات الوطنية والثقافية، ورئاسته لتحرير مجلة «أدب ونقد».
يتابع عبد المطلب حديثه عن سالم، قائلا: شارك الرجل في جميع المؤتمرات والندوات في مصر وخارج مصر، أما ما يمكن أن نصف به شعر حلمي سالم فيمكن أن نركزه في عدة أمور أولا شعر حلمي سالم ألغى الخطابية تماما من عقيدته الشعرية ثانيا ألغى شعر المناسبات إلا إذا اضطرته المناسبة أن يتكلم فيها كمناسبة ثورة يناير في ميدان التحرير، وقد كان مقيما فيه وقدم ديوانا كاملا عن ثورة يناير، ثالثا أن حلمي سالم لم يحاول أن ينقل العالم إلى الشعر بل نقل الشعر إلى العالم، رابعا أنه كان يصعد بلغته إلى القمة في الجزالة والضخامة وينزل أحيانا إلى العامية غير الصافية، فهو مثلا يقول في إحدى قصائده: رمل على الأحداق وفي الأحداق رمل، رمل إلى رمل وهذه الأعمار رمل ثم يهبط إلى اللغة المتداولة ويقول في إحدى قصائده عن إحدى الفتيات «وكنت أنتظر الهاتف لأسمع ألو أيوه مين» رفض الوضوح الكامل والسطحية في الشعر، هذه بعض خواص شعر حلمي سالم الذي قدم مجموعة من الدواوين التي يمكن أن نعتبرها عيون الشعرية العربية واللافت غير هذه الدواوين أنها ضمت جميع أعلام الثقافة العربية من القدامى والمحدثين بل ضمت أعلام زمن الانفتاح يقول في إحدى قصائده: «مر هنا النساجون الشرقيون مرت جماعة بهجت، وأباطرة الفيديو من الكنتاكيين وصناع غرام الأسياد» فحلمي استطاع في شعره أن يكون مرآة لتحولات الواقع المصري والعربي، له ديوان تحيات الحجر الكريم صور في ثورة الحجارة في فلسطين، وقد شارك الرجل في حرب لبنان ضد الإسرائيليين، وتطوع عام 56 في كتائب النضال ضد العدوان الثلاثي، فهو علامة شعرية وثقافية لن ينساها العالم العربي، وأنا أرجو من المؤسسات الثقافية أن تطبع جميع أعماله، وأن تطبع ديوانه الأخير الذي ألقاه في حفل تكريمه، وأن تعتني بسيرته وتقام له ندوات لتحليل شعره وثقافته ليتعلم منها جيل جديد معنى الوطنية الصحافية.
الشاعر حسن طلب قال: قلبي يعتصر ألما لفراق الأحبة واحدا تلو الآخر، فلاتزال صورهم في عيني خاصة حلمي صاحب الابتسامة الودودة والكلمة العالية المسموعة المؤثرة، أراه رابط الجأش كما كان دوما يستقبل الموت بصدره الرحب الموجوع لا بسبب المرض، لكن بسبب خوفه على مستقبل الوطن، نم يا حلمي قرير العين هادئ الفؤاد، فلن تنقطع رسائلنا إليك وسنخبرك دوما بكل ما هو جديد.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي